

د. سلطان الهاشمي: محطة للتغيير المستمر إلى الأفضل
د. محمود عبدالعزيز: الطاعة ليست مختصة بموسم معين
د. أحمد الفرجابي: تقوى الله وعبادته على امتداد حياة الإنسان
دعا عدد من الدعاة والأئمة الصائمين إلى الثبات لما قدّموه من أعمال وعبادات في شهر رمضان المبارك، حفاظاً على الوازع الإيماني الذي تحلوا به خلال الشهر الفضيل، وعدم حصر الطاعات في موسم معين.
ونوهوا عبر «العرب» بضرورة الاستمرار على الطاعة بعد شهر رمضان؛ اقتداءً بالنبيّ - صلّى الله عليه وسلّم؛ إذ كان حريصاً على أداء الأعمال الصالحة دائماً، كما أخرج الإمام البخاريّ، في صحيحه عن أمّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها-: (سُئِلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ الأعْمَالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قَالَ: أدْوَمُهَا وإنْ قَلَّ وقَالَ: اكْلَفُوا مِنَ الأعْمَالِ ما تُطِيقُونَ).

وفي هذا السياق، أكد الدكتور سلطان الهاشمي، أستاذ بكلية الشريعة في جامعة قطر أن شهر رمضان المبارك فرصة للمداومة على الطاعات والمعاملات الحسنة والتخلي عن الكثير من السلوكيات والعادات السيئة؛ وذلك بما يحمل من رسالة تربوية في التغيير المستمر إلى الأفضل.
واستعرض د. الهاشمي بعض السلوكيات التي يجب التخلي عنها في وبعد رمضان المبارك لا سيما تلك التي تسبب أضراراً بشكل أو بآخر بالصحة، وعلى رأسها الغيبة، والنميمة، والكذب، والتدخين؛ حيث يغتنم بعض المدخنين فرصة صيام الشهر الفضيل للتخفيف من هذه العادة أو حتى الإقلاع عنها إطلاقاً، خصوصاً مع عدد الساعات التي يقضيها الصائم بعيداً عن السجائر.
وأشار الدكتور الهاشمي إلى أن رمضان هو شهر التغيير إلى الأفضل سواء ما يتعلق بالجانب الإيماني أو الجانب الاخلاقي، منوها بضرورة عدم امساك اللسان في شهر رمضان ثم اطلاقه بعد رمضان، مبينا ان شهر الصوم ليس محطة مؤقتة بل محطة للتغيير المستمر وفرصة للتغيير الكامل من خلال صيام الجوارح عن المعاصي قبل ان يكون الصيام عن الطعام والشراب.
التراحم المجتمعي
من جانبه، قال فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الفرجابي إن تقوى الله وعبادته ليست في شهر دون شهر آخر أو في وقت دون وقت آخر، وإنما هي على امتداد حياة وعمر الإنسان، مبيناً أن المسلم الذي عاش رمضان صياما وإمساكا عن الشهوات والشبهات، وعن المحرمات والمكروهات فقد تدرب على أن تبقى معه هذه السلوكيات وأن يختبر ثمرة الصيام التي هي التقوى كما قال تعالى «{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [البقرة: 183].
وأشار فضيلته إلى أنه يجب على كل مسلم أن يتعاهد قلبه بالإيمان والعمل الصالح بعد شهر رمضان، وأن يصفيه من أمراض القلوب كالنفاق والحقد والحسد والكبر والبغض والكراهية والقسوة بعد رمضان، وعلينا أن نكون ربانيين وليس رمضانيين، مشيرا الى ان رمضان فرصة عظيمة لإصلاح القلوب وترميمها وصقلها لما فيه من النفحات الربانية، فالصيام يربي المسلم على تقوى الله ومراقبته واستشعار عظمته، وهذا لا يكون إلا في القلب، والصيام يوجه المسلم للتعاون والتعاطف مع من حوله، والصيام نتعلم منه الصبر وحسن الخلق وبذل المعروف، وشهر الصوم شهر العتق من النيران شهر العفو والمغفرة ينبه المسلم إلى أهمية أن يعفو ويسامح ويصفح عمن أساء إليه من حوله؛ فيكون التآلف والإخاء والتراحم بين أفراد المجتمع، وشهر رمضان شهر القرآن فيقبل عليه المسلم بشغف فيقرأ آياته ويتعلم أحكامه ويتربى على قيمه وتوجيهاته.
الثبات على الطاعة
ودعا فضيلة الدكتور محمود عبدالعزيز، أستاذ الفقه المقارن وعضو مكتب الفتوى سابقاً: إلى الثبات على الطاعة بعد رمضان، لافتاً إلى أن الشهر الكريم نقطة بداية وليس نقطة نهاية وأن مخزون العبادات والطاعة التي قمنا بها فيه يجب أن نظل محتفظين به إلى أكبر فترة ممكنة بعد انقضائه. وأوضح أنه ما أن يرحل الشَّهر الكريم، إلا وتجد ظاهرةً التوقُّف عن القيام بالأعمال الصالحة، فنجد المساجد خالية من المصلين، إلا ممن كان يعمرها قبل رمضان، وتجد أكثر المصاحف مغلقة، والكثير من الناس مُعرضون عن الصدقة وإطعام الطعام.
وأكد أن الثبات على الطاعة ضرورة لأنه لا نهاية للعمل إلا بنهاية الأجل، لافتاً إلى أن الإمام أحمد سُئِل: متى يجد العبدُ طعم الراحة؟ قال: عند أول قدمٍ في الجنَّة.
وبين أن الثبات على الطاعة ولا سِيما النوافل سبب لمحبة الله، مشيراً إلى قوله تعالى كما في الحديث القدسي، الذي أخرجه البخاريُّ من حديث أبي هريرة: (وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه).
وقال إن الثبات على الطاعة سنة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: ففي «صحيح مسلم» من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبيَّ كان إذا عمل عملاً أثبته، وفي «الصحيحين» من حديثها أيضًا أنَّها قالت: «ما كان رسول الله يَزِيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة».
وزاد بالقول: الثبات على الطاعة سبب لِحُسن الخاتمة: فإذا داومَ العبد على الطاعات، كان من أعظم الأسباب لتحقيق حسن الخاتمة، وقد جرَتْ سُنَّة الله في خلقه أن من داوم على شيء مات عليه، ومن مات على شيءٍ بُعِث عليه، وكما في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ من حديث جابر رضي الله عنه: (يُبعث كلُّ عبد على ما مات عليه). وأشار إلى أن أبرز وسائل الثبات الاهتمام بإصلاح القلب، مبيناً أن القلب هو المَلِك، والجوارح هي الجُنود، فإذا صلح الملكُ صلحت الجوارح، وإذا فسد القلب فسدت الجوارح.
وبيّن أن إصلاح القلب يتم بشيئين: الأوَّل: عمارته بالأعمال الطيِّبة؛ كالشُّكر، والخوف من الله، ومحبَّة الله، والإخلاص والثاني: تنقية القلب من الأخلاق السيِّئة؛ كالرِّياء والحقد، والغلِّ والتعلُّق بغير الله.. وغير ذلك.
وذكر أن من بين وسائل الثبات على الطاعة كذلك: المداومة على الأعمال ولو كانت قليلة، مشيراً إلى أنه ينبغي للمَرْء ألا يَزْهد في قليلٍ من الخير أَنْ يأتِيَه، ولا في قليلٍ من الشر أنْ يجتَنِبَه؛ فإنَّه لا يَعلم الحسنة التي يرحمه الله بها، ولا السيِّئة التي يسخط عليه بها.
وقال إن الدعاء من أعظم أسباب الثَّبات على الطاعة، موضحاً أنه كان من أكثر دعاء النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك)، ولفت إلى أن الصحبة الصالحة هي أيضاً مما يعين على الثبات على الطاعة مسترشداً بقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم : (المرء على دين خليله، فلْيَنظر أحدُكم مَن يُخالل)؛ وأوصى بالحذر من الشيطان بعد شهر في عبادة طويلة مع الله، والحذر من التراخي في العبادة.
وحث على قراءة القرآن ولو صفحة واحدة في اليوم وذكر الله يومياً من خلال أذكار الصباح والمساء وكذلك الحرص على الصحبة الصالحة، حتى نعين بعضنا على الطاعة والثبات، فضلاً عن صيام الست من شوال والمحافظة على كل الأعمال التي زكت فيها النفوس ورقت القلوب ودمعت الأعين، وارتفعت فيها الأكف من الصيام والقيام والصدقة والإحسان والذكر والتلاوة والدعاء، مشيراً إلى أنها ليست مقتصرة على رمضان، وليست مختصة بشهر الصيام، بل هي من الأعمال والعبادات والقرب والطاعات التي تضاعف الحسنات، وتكفر عن السيئات وترفع الدرجات، ولكننا عنها غافلون.
7 نصائح من أجل المداومة على الطاعة
يمكن أن يشعر كثيرون أن العبادات في شهر رمضان أكثر سهولة، كونه شهرا روحانيا نسعى جميعا إلى التقرب من الله، وتعمه أجواء الطاعة من الذكر وتلاوة القرآن وصلاة التراويح والقيام، فالكل يسعى أن يغتنم فضل الشهر الكريم بكل السبل، حتى الصدقات والزكاة وصلة الرحم.
بينما تصبح المداومة على الطاعة بعد رمضان أكثر صعوبة عند البعض، في حين يذكر الأئمة والفقهاء أن من علامات قبول الطاعة هو الاستمرار عليها، ولذلك إذا شعرت بالفتور وأن إقبالك على العبادات متكاسلا، حتى الفرائض منها، في حين أن ما بعد رمضان شهر شوال وبركة الأيام الستة وفضل صيامها التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر».
مع فتور العزيمة والرغبة في إتيان العبادة على العبد أن يتذكر أن أيام الله كلها نفحات وبركة، وعن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى يطلع على عباده في الثلث الأخير من كل ليلة، ويسأل هل من مستغفر ليغفر له؟ هل من داع ليستجب له؟ هل من سائل فيعطيه؟ فالاستجابة والقبول لا يرتبطان بشهر رمضان فقط.
واجبنا بعد رمضان
القدرة على الاستمرار في العبادة والطاعة، تأتي من القناعة الداخلية بأن شهر رمضان هو باب جديد للتوبة والاستغفار ينفتح على أعمال أخرى صالحة تدوم لرمضان الذي يليه وللأعوام القادمة، واقتصار الطاعة على وقت معين لن يجعلها دائمة، كما في قوله تعالي في سورة الحج: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ».
ويمكن أن تكون المداومة على الطاعة بعد رمضان أكثر سهولة، من خلال اتباع سُنة رسول الله، فمن علامات القبول أن يتبع المسلم الحسنة بالحسنة، ويمكن لمجموعة من النصائح أن تعينكم وتُيسر الاستمرار في العبادة، منها:
الحفاظ على فرائض العبادات.
تحديد أوراد يومية ثابتة من القرآن الكريم.
أذكار الصباح والمساء.
الصلاة على النبي يوميا.
قيام الليل.
الحرص على صلة الرحم.
الصدقات والزكاة.
اغتنام فضائل الشهر الكريم وبركته تكتمل بالقدرة على المداومة على الطاعة بعد رمضان كونها من علامات القبول، ورغم صعوبة يحب الله العبد الأواب، الذي يسعى ويجتهد محاولا التقرب إلى الله وطاعته.