قانون الإسكان يعمق مأساة المطلَّقة من دون أبناء

alarab
تحقيقات 09 أبريل 2012 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
«يكون انتفاع المرأة القطرية المطلقة بهذا النظام، وفقا للضوابط التالية: أن يكون لها أولاد وقد مضى خمس سنوات على طلاقها عند تقديم الطلب.. تبدو هذه العبارة مجرد نص قانوني طبيعي.. لكنها ليست كذلك البتة بالنظرة إلى تداعياتها «الكارثية» على شريحة هشة من المجتمع» يقصي النص القانوني المرأة المطلقة من دون أبناء من حق الانتفاع بنظام الإسكان، ما يجعل فشل زواجها وحرمانها من نعمة الأمومة سببا لتعميق مأساتها بدلا من أن يكون مبررا للعطف. ومع أن وطأة النص القانوني تختلف شدتها من حالة لأخرى، فإن هذه الشريحة من المطلقات ترى أن السكن لازم للكرامة ومناطه -مثل بقية الحقوق- المواطنة التي لا تتأثر بالإنجاب من عدمه. وما دام القانون لا يشترط في الرجل أي صفة من هذا القبيل، فإنه ينطوي على حيف بحق المرأة ويلغي حقها في الاستقلال كما يخل بمبدأ المساواة الذي كرسه الدستور. ولئن كان القانون قد ركن إلى النخوة المجتمعية التي تقتضي أن تعيش أي امرأة في هذه الوضعية مكرمة في بيوت الإخوة أو الأقارب، فإن بعض المنتسبات لهذه الشريحة يرون أن تلك المقتضيات في طريقها إلى الزوال، ولا ينبغي أن يتوقف مصير مواطنة على كبرياء شخص أو نخوته. بيد أن هذه الاعتبارات قد لا تكون قائمة أصلا، حيث يحدث في حالات كثيرة أن تكون المطلقة يتيمة ولا إخوة لها، ما يعني أن القانون لم يتحسب للاستثناءات. ولئن كان القانون المنظم للإسكان يعود لعام 2007، فإن الجديد هو أن هذه الشريحة لم يعد يسعها السكوت حيث تجوب الإدارات بحثا عن حل لاتقاء ما يصفنه بالضياع في نهاية المطاف. حياة الذل «آمنة.ع» ترفض ما تسميه حياة الذل والعيش في كنف من يعطف عليها، قائلة: حرام صراحة التمييز بين المطلقات في الانتفاع بنظام الإسكان على أساس الإنجاب لأن الصفة واحدة. وإذا ما كانت هناك معاملة تفضيلية، يجب أن تكون في صالح من لا ولد لها حتى لا تحرم من نعمتين: الإنجاب والسكن. وترى آمنة أن القانون مثل قوانين أخرى تعامل المطلقة من غير أبناء بحيف وظلم كبيرين، كما هو الحال في العلاوات الاجتماعية، حسب تعبيرها. والمشكلة أن هذه الشريحة من المطلقات ينتهي بها المطاف في أحسن الأحوال عالة على إخوتها، خصوصا بعدما يغيب الموت الوالدين، وفق آمنة. بيد أنه ليس لكل مطلقة إخوة، فآمنة تعيش مطلقة من دون ولد تجمع بين اليتم وعدم وجود أخ ذكر في حين يصطدم طموحها في الحصول على سكن، بقانون لم يتحسب لهذه الاعتبارات. وتقول إن المطلقة في قطر بشكل عام تواجه وضعا صعبا لأن زواجها من جديد أقرب إلى المستحيل، ما يحتم دعمها اقتصاديا على الأقل لتتمكن من الاستقلال. وترفض آمنة الاعتبارات التي يكون القانون قد استند إليها في أن هذه الشريحة من النساء لا يمكن أن تقيم وحدها وكثيرا ما يعطف عليها أبناء العم ويوفرون لها السكن الملائم، قائلة: كان هذا في الزمن الغابر لم يعد التعويل على المروءات واردا. كل شيء في انحسار. وحسب حديثها للعرب، فقد طرقت آمنة أكثر من باب للحصول على استثناء يمدها بسكن، لكن «تبين أن حقوقنا مهضومة. الكل يلف ويدور ويلقي بالمسؤولية على الآخر والنتيجة صفر». وتطالب آمنة بتعديل القانون ومنح السكن لكل مواطنة أو إيجاد استثناءات على الأقل تراعي وضع المطلقة اليتيمة والتي لا إخوة لها. وحسب تعبيرها، فإن هذه الشريحة ليست قليلة فالعديد من المواطنات حصلن على لقب مطلقة قبل أن يكسبن صفة الأمومة، ما يعني أن «مشكلتنا واقع لا يمكن إنكاره، وعلى الجهات المعنية أن تسعى لحلها». وبما أن استقلال المرأة في سكن وحدها من غير محرم ترفضه تعاليم الإسلام وقيم المجتمع القطري الذي يبجل المرأة فإن المطلقات من دون أبناء ما زلن يطالبن بالسكن على استحياء. وتقول آمنة التي تعمل موظفة بإحدى الدوائر الحكومية إن ذهنها مشوش من كثرة التفكير في مستقبلها والبحث عن طريقة لتفادي «الضياع» الذي يتلقف المطلقات من دون أبناء بعدما يتقدم بهن قطار الزمن. إخلال بالمساواة المحامي الأستاذ راشد رجا المري يرى أن حرمان المطلقة من دون أبناء من السكن يخالف مقتضيات المساواة ومبادئ العدالة، لأن مناط الحق المواطنة ولا دخل للذكورة والأنوثة والإنجاب من عدمه في هذا المجال. ويشدد المري على أن أي قانون لا يجب أن يركن إلى اعتبارات غير مطلقة فالاستناد إلى أن المرأة تعيش في كنف والديها وإخوتها يصدم بموت الوالدين وقد لا يكون لها معيل بعدهما. وينطلق المحامي المري من أن السكن أحد عناصر مقومات الكرامة التي يكفلها القانون للمواطنين تماما مثل الصحة والتعليم والعمل، ولا ينبغي أن تحرم منه امرأة لأنها حرمت من نعمة الإنجاب، وفق تقديره. ولا يعقل -وفق المري- أن يكون للأطفال أراض وعقارات في حين تحرم سيدات من هذا الحق وهم في أمس الحاجة إليه. ويشدد المري على أن الجهات المعنية بالإسكان يجب أن تتغلب على الإجراءات التي تحول دون حصول هذه الشريحة على السكن لأنه لا يوجد مبرر لحرمانها من هذا الحق، حسب تعبيره. ويجب تفادي أن تكون هذه الشريحة عالة على الأقارب في نهاية المطاف لأن السكن وثيق الصلة بالكرامة، ولا يعقل أن يمنح الرجل هذا الحق دون أي اعتبار بينما تحصل عليه المرأة وفق شروط معينة فقط، حسب المري. شرف المجتمع لكن بعض المحامين يرى أن القانون لم يخالف قواعد العدالة حيث ركن للعرف الذي هو مصدر من مصادر التشريع في كل دول العالم. ولا يرى المحامي حواس الشمري أن القانون ينطوي على حيف لأنه يركن إلى العرف الذي يعتبر المرأة شرف المجتمع ومن غير الوارد أن تعيش وحدها من دون محرم، لأن الإخوة والأقارب يتولون رعايتها إلى حد التبجيل. لكن الشمري الذي نفى أن تكون نصوص القانون تنطوي على إخلال بمبادئ العدالة لا يرى حرجا في أن تكون هناك استثناءات لصالح بعض المنتسبات هذه الشريحة مثل اليتيمات أو اللائي ليس لهن إخوة، وإلى جانب العرف الذي يكرم المرأة استحضر المشرع -عندما أقصى هذه الشريحة من المطلقات من حق السكن- تعاليم الإسلام التي تحرّم سكن المرأة وحيدة صونا لشرفها واتقاء للشبهات. وإذا ما كانت هناك حالات معينة بحاجة لسكن ينبغي علاجها في إطار الاستثناء فقط، «لكن لا يمكن القول إن القانون يحتوي على ثغرة». قانون صريح وحول تعامل إدارة الإسكان مع هذه الشريحة من المطلقات يقول مسؤول بالإدارة: القانون صريح ولم يترك مجالا للاجتهاد. ويضيف المسؤول -الذي طالب عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن من العلاقات العامة بالتصريح– إن قانون تنظيم الإسكان جديد حيث يعود لـ2007 ومن المبكر الحديث عن تعديله «لكنننا سنبلغ مجلس الوزراء بأي ملاحظات أو ثغرات». لكن المسؤول رأى أن إقصاء هذه الشريحة لا يمنع من حصولها على سكن وفق ترتيبات معينة بناء على دراسة كل حالة على حدة تأخذ في الاعتبار العمر والوظيفة والمحيط الاجتماعي وبتنسيق بين الشؤون الأسرية وإدارة الإسكان. ورغم أنه أكد أن المطلقات من دون أبناء بِتْنَ يترددن على الوزارة للحصول على السكن فإنه يوضح أن الطلبات ليست كثيرة. واقتصرت المادة رقم 6 من قانون الإسكان رقم 2 لسنة 2007 على النص على قصر الانتفاع بالسكن على حاملي الجنسية القطرية الذين تتجاوز أعمارهم اثنين وعشرين سنة. على أن «يصدر قرار من مجلس الوزراء بأولويات وضوابط الانتفاع بهذا النظام وبتحديد شروط وضوابط انتفاع المجنسين به، وذلك بناء على اقتراح الوزير». لكن إقصاء المطلقات من دون أبناء من حق السكن تكفلت به المادة رقم 4 من قرار مجلس الوزراء رقم (17) لسنة 2007 بأولويات وضوابط الانتفاع بنظام الإسكان، حيث تنص على أنه «يكون انتفاع المرأة القطرية المطلقة بهذا النظام، وفقا للضوابط التالية: 1- أن يكون لها أولاد. 2- أن يكون قد مضى خمس سنوات على طلاقها عند تقديم الطلب».