اختفاء مظاهر عديدة كانت سائدة في «زمن لول».. عادات رمضانية تقاوم الاندثار

alarab
الملاحق 09 مارس 2026 , 01:28ص
يوسف بوزية

خليفة المالكي: العادات الاجتماعية فقدت شكلها البسيط

راشد القريصي: المجتمع يتمسك ببعض العادات الأصيلة

 

أكد مواطنون وباحثون في التراث اختفاء العديد من المظاهر والعادات الاجتماعية التي كانت سائدة في رمضان خلال «زمن لول»، واستعرضوا أهم العادات والتقاليد الاجتماعية التي قاومت وما زالت تقاوم الاندثار، في ظل تمسك المجتمع القطري بها وحرصه على المحافظة عليها رغم أنها لم تعد بنفس البساطة في الشكل والمضمون التي كانت عليها في السابق. واستذكروا لـ «العرب» مظاهر الشهر الفضيل في زمن مضى وعادات رمضانية غابت وأخرى ما زالت راسخة في المجتمع القطري، محافظة على جذورها رغم تحديات العصر وتقنياته الحديثة. وأكدوا أن الشهر الفضيل على الرغم من التغيرات والتطورات التي حدثت وما زالت سوف يظل عنوانا للتراحم والترابط في المجتمع القطري المسلم.

وفي هذا السياق، قال السيد خليفة السيد المالكي، باحث في التراث الشعبي، إن العديد من المظاهر الاجتماعية والثقافية التي ارتبطت بشهر رمضان المبارك لم تعد حاضرة في الوقت الراهن، بما فيها العادات الاجتماعية البسيطة مثل تبادل الأطباق الرمضانية بين الجيران، مبيناً أنها من بين العادات الاجتماعية التي كانت تجدد دفء العلاقات بين الأقارب والجيران، وكانت حتى وقت قريب تمثل إحدى سمات الشهر الفضيل، تعبيراً عن التلاحم والترابط الاجتماعي ونشر الألفة والمودة، خاصة أن البيوت كانت متقاربة والناس كانوا أكثر قرباً وانسجاماً ضمن الفريج الواحد، لافتا إلى أن مظاهر هذا الفريج فقدت شكلها التقليدي البسيط مع تغير الزمان وباتت عصرية أكثر مما كانت عليه في السابق. 

التواصل الاجتماعي
وأشار المالكي إلى أن التطور التكنولوجي ترك بصماته على مظاهر الشهر الفضيل، وخصوصاً ما يتعلق منه بوسائل الاتصال الحديثة، من خلال التأثير على مظاهر التواصل الاجتماعي بين الأقارب والمعارف والجيران، حيث أصبح التواصل عبر الرسائل القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي هو السائد في هذا الزمن، بعد أن كان الناس يتواصلون ويتزاورون في شهر رمضان المبارك وفي فترة الأعياد وغيرها من المناسبات الدينية والاجتماعية الأخرى.
وأوضح المالكي أن استقبال وتوديع شهر رمضان الفضيل في المجتمع القطري قديما كان يحظى باحتفاء خاص، وعادات اجتماعية وتقاليد شعبية متوارثة، تبدأ من ترقب القطريين قدومه كل عام بلهفة وشغف كبيرين، حيث تتهيأ له البيوت والأسر جميعاً، وتقوم النساء بتجهيز الطحين لإعداد «خبز الرقاق» من بذور القمح والذرة وغيرهما، والذي يصنع منه الثريد، ويتم دق الحب بالأدوات الخشبية التقليدية لإعداد الهريس، الطبق الشعبي الذي لا يخلو بيت منه أغلب أيام الشهر الفضيل.

المسحر
ويتوقف المالكي أمام المسحر.. الذي كان يجوب الفرجان ليوقظ الناس بصوته الشجي أو بصوت الطبلة التي كان يحملها مع العصا مردداً: «يا أهل الله قوموا تسحروا».
ولفت إلى أن أهل الفريج كانوا يعتمدون على صوت المسحر أثناء المرور بالقرب من منازلهم لإيقاظهم من النوم لتجهيز السحور وتناوله قبل موعد أذان الفجر بوقت كاف، بينما يعتمدون الآن على «منبهاتهم» في ظل تغيرات الحياة ووسائل التكنولوجيا الحديثة التي أثرت بشكل كبير على مختلف مناحي الحياة اليومية بما فيها مظاهر وعادات الشهر الفضيل.

الولائم الرمضانية
من جهته، أكد السيد علي لحدان المهندي أن المجتمع القطري لا يزال يحرص على التجمع في الولائم الرمضانية، حيث تقدم الأطباق التقليدية مثل الهريس والثريد واللقيمات، فضلا عن استمرار المجالس الرمضانية في استقبال الضيوف لتبادل الأحاديث وتناول السحور، وهو تقليد أصيل ومتوارث يعزز الروابط الاجتماعية، مشيراً إلى مجلسهم العامر في «الذخيرة» والذي يستقبل أبناء العائلة من الأقارب والأصدقاء والضيوف بالإضافة لجلسات النقاش والتي تبدأ منذ انتهاء صلاة التراويح، لافتاً إلى أهمية هذه المجالس كمساحة اجتماعية وجسر يربط بين الأجيال، حاملة معها حكايات الشهر الفضيل وعادات المجتمع القطري بكل ما تحويه من قيم وتقاليد، لتبقى حاضرة في الوجدان القطري، مهما تبدلت الأزمنة وتغيرت أنماط الحياة.

تبادل الأطباق
وقال السيد راشد القريصي إنه رغم تمسك المجتمع القطري بالعادات الاجتماعية والتقاليد التراثية الأصيلة التي كانت سائدة في رمضان «زمن لول»، فقد أثرّت مظاهر الحياة العصرية والتقنيات الحديثة على عادات وتقاليد الشهر الفضيل.
وأوضح أن من بين العادات الرمضانية الجميلة التي كانت سائدة في الماضي هي حلقات تدارس القرآن الكريم، التي تبدأ من بعد صلاة العشاء والتراويح إلى أن يحين وقت السحور، في مجلس أو في غرفة مخصصة لذلك، حتى يتفرغ الجميع للتلاوة مع تخصيص وقت للراحة والأكل واحتساء القهوة والشاي، وذلك طوال ليالي الشهر المبارك.
وأشار إلى أن المسحر كان من أبرز معالم ليالي شهر رمضان في المدن والأحياء قديماً، حيث يجوب الشوارع ليلا حاملاً سلة مصنوعة من سعف النخيل، حريصاً في كل ليلة على أن يتأكد بنفسه من استيقاظ النائمين للسحور قبل أذان الفجر.
ولفت إلى أن المجتمع القطري لا يزال يتمسك مع ذلك ببعض مظاهر الاحتفال بالشهر الفضيل، لا سيما العادات الاجتماعية الأصيلة والمتوارثة جيلا بعد جيل، محاولاً الإبقاء على عادات «رمضان مال لول»، مثل الزيارات العائلية التي تعزز قيم القربى والمحبة والتواصل، وتبادل الأطباق، وتوزيع الطعام بين الأهل والجيران، مؤكدا أن هذه العادات ما زالت موجودة مع حرص العديد من العائلات والأسر القطرية على التمسك بها والمحافظة عليها كأحد المظاهر الاجتماعية الجميلة التي تعكس أصالة المجتمع وتعزز من اللحمة والترابط بين جميع فئاته.
القرنقعوه
وأكد القريصي أن إحياء القرنقعوه في منتصف الشهر من بين التقاليد الرمضانية التي لا تزال قائمة إلى اليوم، وإن كانت بأشكال مختلفة عن السابق من حيث ملابس الأطفال أو تشكيلات الأكياس والعلب التي يوضع فيها القرنقعوه، على خلاف ما كان في زمن لول، عندما كان إحياء هذه المناسبة بسيطا، لا يغلب عليها أي تكلف، لافتاً إلى أن الأطفال يجوبون الأحياء مرتدين الأزياء التراثية، مرددين بعض الأهازيج الشعبية، في مشهد عفوي يجسد أحد المظاهر التراثية وحرص الأجيال على الحفاظ عليها.
وأكد أن إحياء ليلة النصف من رمضان يكمن في بساطتها وليس في بهرجتها من خلال المبالغة في التحضير واختيار الماركات والأصناف الأجنبية من الشوكولاته والتوزيعات الفاخرة وغيرها، خاصة أن الهدف من الاحتفال بهذه المناسبة هو إدخال البهجة والسرور على الأطفال، وليس المنافسة على مواقع التواصل.
وأوضح أن «ليلة القرنقعوه» من المناسبات الاجتماعية التراثية المتعارف عليها في أغلب الدول الخليجية، وإن اختلفت التسمية من منطقة إلى أخرى، حيث تختلف أجواء الاحتفال بها في كل دولة، كما اختلفت مظاهر الاحتفال بين الماضي والحاضر مع التطورات التي شهدتها الحياة المعاصرة، مشيرا إلى ما تحمله من أجواء سعيدة يترقبها الأطفال منوها بأهمية الحفاظ على العادات والتقاليد التي تتناقلها الأجيال كتراث شعبي يعزز أواصر العلاقات الأسرية والاجتماعية بين الأهل والجيران وبث روح المودة والألفة والمحبة بينهم.