الخزف الإسلامي.. أبسط الفنون وأكثرها صعوبة
منوعات
09 مارس 2013 , 12:00ص
القاهرة - عبدالغني عبدالرازق
تعتبر صناعه الخزف الإسلامي أبسط الفنون وأكثرها صعوبة في آن واحد. هي أبسط الفنون؛ لأنها أكثر أولية، وهي أكثر الفنون صعوبة؛ لأنها أكثر تجريدا. والطريف أنه لم يكن للخزف قيمة تذكر في العصور القديمة قبل الإسلام، وذلك بسبب استخدام المسؤولين على رعاية الفنون للأواني المعدنية من الذهب والفضة، ولكن في العصور الإسلامية تم الاهتمام بصناعة الخزف وابتكار أنواع جديدة؛ لتحل محل الأواني المعدنية. فظهر لأول مرة الخزف ذو الزخارف البارزة تحت طلاء مذهب الذي يعتبر التجربة الأولى لابتكار الزخرفة بالطلاء ذي البريق المعدني في القرن التاسع الميلادي، الذي يُعَدُّ ابتكارا إسلاميّاً خالصاً غير مسبوق في الحضارات السابقة على الإسلام، ولم يتوصل له الصينيون رغم عُلُوِّ شأنهم في مجال صناعة الخزف والبورسلين. وانتقل الخزف العربي من مرحلة تقليد الخزف الصيني إلى مرحلة الابتكار وإبراز الشخصية الفنية العربية، وانتشر هذا النوع الجديد من الفن الخزفي بين العراق موطنه الأصلي إلى مصر حينما دخلها أحمد بن طولون، ووصلت صناعته إلى درجة ممتازة من الرقي في العصر الفاطمي.
وقد سجل الرَّحالة الفارسي ناصري خسرو، الذي زار القاهرة أيام الخليفة المنتصر بالله ما يأتي: «يصنعون بمصر الفخار من كل نوع، لطيف وشفاف، حتى إنه يمكن أن ترى باطن الإناء باليد الموضوعة خلفه، وكانت تصنع بمصر الفناجين والقدور والبراني والصحون والأواني الأخرى وتزين بألوان تشبه النسيج المعروف باسم البوقلمون، وهو نسيج تتغير ألوانه باختلاف سقوط الضوء عليه». ويوجد في كنائس مدينة بيزا بإيطاليا أطباق من الخزف القاهري ذي البريق المعدني حملها معهم بعض السائحين إلى مصر، وثبتوها على الحوائط اعتزازا بها كلوحات وتحف فنية جميلة.
بعد ذلك أصيبت هذه الصناعة بنكسة عندما احترقت مصانع الخزف في الفسطاط، حينما أغار عليها الصليبيون. وبسقوط الدولة الفاطمية رحل الكثير من الفنانين والخزافين إلى إيران، فظهر نوع جديد من أنواع صناعة الخزف في أواخر القرن السادس الهجري وهو الخزف الأيوبي.
الخزف الأيوبي
في العصر الأيوبي اهتمت الدولة الإسلامية بهذه الصناعة، وظهر نوع جديد منها، عرف باسم الخزف الأيوبي، الذي امتاز برقة الطينة وجمال التزجيج، له أرضية خضراء وزخارف سوداء ورسومات بديعة لأنواع نباتية يتخللها أشكال جميلة للطيور والحيوانات، حيث ينسب إلى القرن السابع الهجري –13م- في القاهرة نوع جميل من الخزف، عبارة عن عجينة بيضاء ترسم عليها الزخارف بالأسود تحت طلاء زجاجي أخضر أو أزرق أو بنفسجي، وأحيانا ترسم فيه الزخارف بألوان متعددة من الأحمر والأزرق والأسود تحت طلاء شفاف. تتألف زخارفه من رسومات آدمية مثل لقاء شخصين في قارب شراعي، أو لقاء حول شجرة، أو شخص ممسك بكأس، أو عازف على الهارب، أو فارس يمتطي جواده، فضلاً عن رسومات طيور وحيوانات تتمتع بقسط وافر من المرونة والحركة.
أما الخزف في عصر المماليك فكانت زخارفه من رسومات لصور حيوانات ترسم بالأسود والأزرق تحت طلاء زجاجي شفاف على أرضية من زخارف نباتية قريبة من الطبيعة، متأثرا بذلك التأثير الإيراني؛ حيث هاجر كثير من الفنانين والخزافين من إيران والعراق إلى الشام ومصر في أثناء حرب المغول مع المماليك.