

أجمع المتحدثون والمشاركون في الجلسة الأولى لليوم الثاني من منتدى الجزيرة، على أن غزة بعد عامين من الحرب تواجه تحديات وجودية، لكن المقاومة خرجت أقوى رمزياً وسياسياً، رغم الخسائر البشرية والمادية الهائلة.
وأكدوا رفض أي حلول تُفرض خارج الإرادة الفلسطينية، مع الدعوة إلى تدويل حقيقي يعزز الحقوق الفلسطينية لا يُنهيها.
الجلسة التي عقدت تحت عنوان «غزة بعد عامين من الحرب: مشروع المقاومة وخطط الاحتلال وآفاق التدويل»، عكست التوافق على أن القضية الفلسطينية عادت إلى صدارة الأجندة العالمية في سياق تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وافتتح نائب وزير الخارجية وشؤون المغتربين في الجمهورية اليمنية، مصطفى أحمد نعمان، اليوم الثاني من فعاليات منتدى الجزيرة، بكلمة افتتاحية رئيسية أشاد خلالها بدور قناة الجزيرة وفروعها المختلفة، مؤكداً أنها نجحت في وضع العالم – الذي يعاني من عجز عن التدخل – أمام حقيقة الأزمة الأخلاقية والإنسانية الراهنة، خاصة في ضوء ما يحدث في قطاع غزة والمنطقة بشكل عام.
وأوضح أن الإعلام الذي تقدمه الجزيرة كشف بشاعة الحرب وآثارها الإنسانية الكارثية، مما ساهم في تعرية التقاعس الدولي أمام الانتهاكات المستمرة، مشيراً إلى أن الجزيرة دفعت أرواح مراسليها ثمناً لنقل الحقيقة في غزة، في وقت يواصل فيه الاحتلال استخدام أحدث الأسلحة والقنابل تحت ذريعة الدفاع عن النفس.
وأكد نعمان أن المنتدى يأتي في سياق تحولات سياسية كبرى يشهدها العالم العربي والإقليمي، مشدداً على أهمية مناقشة موازين القوى المتغيرة والتحالفات الجديدة في الشرق الأوسط، في ظل صعود نظام عالمي متعدد الأقطاب. وأشار إلى أن غزة واليمن والسودان والصومال والعراق وسوريا وليبيا تمثل تعبيراً عن هذه التحولات السياسية العميقة التي شهدها العالم العربي.
كما حذر نائب الوزير اليمني من وجود مشاريع غير عربية مغلفة بمسمى الاستثمار، لكنها في الواقع تمثل تهديداً حقيقياً لاستقرار المنطقة وتسعى للتحكم في حاضر ومستقبل الأجيال العربية. وتطرق إلى قضايا إقليمية حساسة، مؤكداً أن إسرائيل تسعى – من خلال آلة القتل والتدمير – إلى فرض منطقة عازلة حول محيطها، على حساب شعوب المنطقة وحقوقهم الأساسية. جاءت كلمة نعمان ضمن افتتاح فعاليات اليوم الثاني للمنتدى، الذي يستمر حتى 9 فبراير تحت عنوان عام “القضية الفلسطينية وموازين القوى الإقليمية في سياق عالم متعدد الأقطاب”، ويتضمن جلسات حوارية ونقاشات معمقة حول تداعيات الحرب على غزة والتحولات الجيوسياسية في المنطقة.
وشهدت الجلسة الأولى من اليوم الثاني لمنتدى الجزيرة، نقاشاً عميقاً وموسعاً حول الواقع الراهن في قطاع غزة بعد توقف آلة الحرب الإسرائيلية، مع التركيز على الآثار المدمرة للإبادة الجماعية التي استمرت عامين، ومستقبل المقاومة الفلسطينية، والمخططات الإسرائيلية لإعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي، إضافة إلى إمكانيات التدويل الدولي للقضية.
وتضمنت مشاركة نخبة من القيادات والخبراء الفلسطينيين والإقليميين، وأدارها مقدم من قناة الجزيرة.

خالد مشعل: المقاومة حق مشروع لشعب تحت الاحتلال
أشاد رئيس حركة حماس في الخارج، خالد مشعل، بدور دولة قطر العظيم في دعم القضية الفلسطينية، مؤكداً أنها لعبت دوراً مشرفاً وكبيراً في المنطقة والوساطات الدولية، مشيراً إلى أن إسرائيل شنت حملة عليها جراء مواقفها الداعمة لفلسطين.
جاء ذلك خلال حوار خاص معه ضمن فعاليات اليوم الثاني لمنتدى الجزيرة في دورته السابعة عشرة بالدوحة، تحت عنوان “غزة بعد عامين من الحرب: مشروع المقاومة وخطط الاحتلال وآفاق التدويل”.
وأكد مشعل رفضه القاطع لأي مطالب بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، واصفاً ذلك بأنه “رؤية إسرائيلية” يُحاول تسويقها دولياً، وليس مطلباً دولياً محايداً. وشدد على أن المقاومة حق مشروع لشعب تحت الاحتلال، وأن حركة حماس متمسكة بسلاحها طالما بقي الاحتلال قائماً.
وأوضح أن حركته منفتحة على “مقاربات واقعية” تقوم على “الضمانات” الأمنية والسياسية بعيداً عن ابتزاز الاحتلال الإسرائيلي أو الضغوط الخارجية، مشيراً إلى أن الوسطاء (بما فيهم قطر ومصر وتركيا) أبدوا تفهماً لرؤية الحركة في هذا الإطار.
وأبرز أن الخطر الحقيقي لا يأتي من غزة – التي تحتاج إلى وقت طويل للتعافي من آثار الحرب – بل من الاحتلال الذي يمتلك أحدث الأسلحة الدولية.
كما وصف مشعل صمود الشعب الفلسطيني بأنه “من أعظم الإنجازات” في مواجهة إسرائيل، مشدداً على أن نقطة القوة الأساسية تكمن في “وجودنا على الأرض”.
وأشار إلى أن حرب الإبادة توقفت لكن المعاناة والانتهاكات مستمرة في غزة والضفة الغربية، معتبراً أن إسرائيل أصبحت “عبئاً أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً”، مما ساهم في وقف الحرب.
وأكد مشعل أن حماس وشركاءها معنيون بحراك سياسي واسع لإيجاد حلول عملية لقضايا غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار، مع الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني كاملة.

د. محسن صالح: النظرة العالمية للقضية الفلسطينية تغيرت جذرياً
أكد المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، الدكتور محسن صالح، خلال مشاركته في الجلسة، أن المقاومة الفلسطينية لم تهزم في قطاع غزة، وأن عملية “طوفان الأقصى” أحدثت زلزالاً إستراتيجياً في البيئة الأمنية الإسرائيلية، محولة الكيان إلى منبوذ عالمياً.
ووصف صالح العمل المقاوم بأنه يتسم بـ”سلوك موجي” ممتد منذ بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين قبل أكثر من قرن، ولا يتوقف بل يصعد ويهبط، مشيراً إلى أن “طوفان الأقصى” كانت أقوى موجة في تاريخ فلسطين الحديث، وأن كل موجة تالية تكون أقوى من سابقتها.
وحذر صالح من الوقوع في خطأ تقديم تقييم إستراتيجي بناءً على اللحظة الراهنة فقط، مؤكداً أن “طوفان الأقصى” أحدث مسارات كلية زلزلت فكرة الوجود والشرعية للكيان الإسرائيلي، وأدت إلى تغيير النظرة العالمية للقضية الفلسطينية جذرياً، حيث أصبح الاحتلال منبوذاً دولياً.
وأبرز أن الإسرائيليين أنفسهم اعترفوا بفشل خططهم العسكرية في غزة، وأن المقاومة نجحت في تعويض أعداد مقاتليها، ولا يوجد أفق لهزيمتها. وأقر بوجود خطر حقيقي ومعاناة هائلة للشعب الفلسطيني، لكنه شدد على أن هذا الشعب تعود على الصمود والخروج من المآزق، كما حدث في أعوام 1982 و1987 و1996، وفي كل مرة كانت المقاومة تخرج وتصعد من جديد.
واعتبر صالح المقاومة “قيمة نوعية للأمة” و”حائط صد أول” ضد المشروع الصهيوني وتغوله في المنطقة، مشدداً على أنها تحمي البيئة الإستراتيجية العربية وتمنع التهجير.

د. خالد الجابر: الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه رغم الدمار
أكد الدكتور خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في قطر، أن التدويل المقترح لقضية غزة بعد عامين من الحرب يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الإستراتيجي الجديد، مع الحفاظ على دور المقاومة الفلسطينية كعامل أساسي في أي تسوية مستقبلية.
وأشار الجابر إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة أدت إلى تحولات جيوسياسية عميقة، أبرزها فشل الاحتلال الإسرائيلي في تحقيق أهدافه العسكرية الرئيسية رغم الدمار الهائل، وصعود الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية كقضية حقوق إنسانية وعدالة دولية.
وأوضح أن خطط الاحتلال تتجه نحو فرض واقع دائم من خلال السيطرة على أجزاء من القطاع وإعادة تشكيل التركيبة الديموغرافية، لكن هذه الخطط تواجه مقاومة داخلية وإقليمية قوية، مما يجعل التدويل خياراً محتملاً لكن مشروطاً. وشدد على ضرورة أن يكون أي تدخل دولي تحت إشراف أممي حقيقي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق العودة والدولة المستقلة، وليس مجرد “إدارة أزمة” تخدم مصالح الاحتلال أو القوى الدولية الكبرى.
كما أبرز الجابر دور الدبلوماسية القطرية والجهود الإقليمية في الوساطة، مشيراً إلى أن المنطقة تشهد صعود نظام متعدد الأقطاب يعطي مساحة أكبر للدول الإقليمية في تشكيل الحلول، بعيداً عن الهيمنة الأحادية.
وحذر من أن أي محاولة لفرض حلول تتجاهل المقاومة أو تُنهي دورها ستؤدي إلى تصعيد جديد، معتبراً أن مشروع المقاومة تحول إلى رمز عالمي للصمود ضد الاحتلال.
د. هاني المصري: المخطط الإسرائيلي كان موجوداً قبل «طوفان الأقصى»
حذَّر مدير المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية «مسارات»، الدكتور هاني المصري، من أن الشعب الفلسطيني يمر بلحظة خطر وجودي غير مسبوق على القضية والشعب والمؤسسات الفلسطينية، نابع من حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ومخطط إستراتيجي إسرائيلي لحسم الصراع.
ووصف المصري النتائج بأنها «كارثية» بكل معنى الكلمة، رغم الصمود الأسطوري والمقاومة الباسلة في غزة والضفة الغربية.
وأوضح أن المخطط الإسرائيلي لحسم الصراع كان موجوداً قبل عملية “طوفان الأقصى”، واستغل الاحتلال الظروف لتنفيذه بشكل أكبر بعدها، مما أدى إلى تدمير هائل ومعاناة إنسانية غير مسبوقة.
وأكد المصري أن ليس كل المقاومة الفلسطينية مسلحة، مشدداً على ضرورة توسيع مفهوم المقاومة ليشمل أشكالاً شعبية وسياسية وثقافية، في مواجهة التحديات الوجودية. وحذر من “الأوهام” التي يروج لها البعض، مثل الاعتماد على السلطة الفلسطينية كأداة في يد الاحتلال بشروط تعجيزية، أو مراهنة حركة حماس على البقاء من خلال توفير الأمن فقط، معتبراً أن هذه المقاربات لن تنجح في مواجهة المخاطر الحقيقية.
كما انتقد المصري بشدة الرؤية الأمريكية- الإسرائيلية الحالية، التي تعامل الاحتلال كجزء من الحل وليس كمشكلة أساسية، وتسعى لنزع سلاح المقاومة بدلاً من إنهاء الاحتلال. وأشار إلى أن هذه الخطة “أنقذت إسرائيل” من أزماتها، وساهمت في تعزيز موقفها بدلاً من محاسبتها.
ودعا هاني المصري إلى بلورة رؤية وإستراتيجية وقيادة فلسطينية جديدة قادرة على توحيد الشعب الفلسطيني بكل فصائله ومكوناته، لمواجهة المخاطر الوجودية والمضي قدماً نحو تحقيق الحقوق الوطنية. وأبرز أن التدويل يجب أن يكون تحت إشراف فلسطيني حقيقي، لا أن يتحول إلى فخ يفرض حكماً خارجياً أو ينهي المقاومة.
د. شفيق شقير: تدويل «سلاح المقاومة» هدف إسرائيلي
أكد الباحث في مركز الجزيرة للدراسات، الدكتور شفيق شقير، أن سلوك المقاومة الفلسطينية حالياً يركز على تقليل الخسائر، والتكيف مع الواقع الميداني، وإعادة التموضع – خاصة داخل قطاع غزة – مع استعادة المعنى الوطني للقضية الفلسطينية ككل.
وفرّق شقير بين المصطلحات المستخدمة في الحالات المشابهة، مشيراً إلى أن الحالة اللبنانية شهدت حديثاً عن “حصر السلاح”، بينما يتم التركيز في الحالة الفلسطينية على “نزع السلاح” بشكل كامل.
واعتبر أن اقتراح “تدويل” قضية سلاح المقاومة جاء نتيجة رفض إسرائيلي صريح لأي دور فلسطيني في “اليوم التالي” للحرب، مما يعني تدويل الأزمة على حساب الطرف الفلسطيني نفسه.
وأبرز شقير أن المقاومة معنية بالإعداد الاستراتيجي لـ”ما بعد الغد”، تماماً كما تفعل سلطات الاحتلال إسرائيل في تخطيطها طويل الأمد. وحدد الاستراتيجية الأساسية الحالية بـ”منع الحسم”، موضحاً أن كلما نجحت المقاومة في منع الاحتلال من تحقيق انتصار حاسم، ومنعت حلفاءها من تكريس واقع جديد مفروض، استطاعت البقاء والاستمرار ليوم آخر، مما يحافظ على إمكانية الصمود والعودة إلى الهجوم في مراحل لاحقة.
كما شدد على أهمية عدم التخلي عن أي وسيلة أو أسلوب مقاومة بمفهومها العام (العسكري والسياسي والشعبي)، معتبراً أن ذلك يحرم المقاومة من حق الدفاع عن قضيتها مستقبلاً. وأكد أن الصراع لم يُحسم بعد، وأن المقاومة الفلسطينية لا تزال تمتلك أوراقاً كثيرة للدفاع عن الأرض والحقوق، رغم حجم التحديات والمؤامرات الدولية المحيطة.
د. حسن البراري يحذر من «قتل التمثيل الفلسطيني»
حذَّر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة قطر، الدكتور حسن البراري، من خطورة محاولات التدويل الأمريكي للقضية الفلسطينية، معتبراً أنها تهدف إلى “قتل التمثيل الفلسطيني” وتتماشى مع المطالب الصهيونية بتغييب حركة حماس والسلطة الفلسطينية معاً.
وأكد البراري أن المشروع الصهيوني يقوم أساساً على التوسع والإحلال وتهجير الشعب الفلسطيني، مشيراً إلى أن الشعب الفلسطيني نجح في كسر “الجدار الحديدي” الإسرائيلي، واستطاع كسب تضامن دولي غير مسبوق، خاصة بين جيل الشباب (جيل زد) في الولايات المتحدة، وهو تطور كسر الرواية الإسرائيلية التقليدية وأحدث تغييراً نوعياً في الرأي العام العالمي.
وأوضح البراري أن الفلسطينيين استطاعوا كسر المشروع الصهيوني رغم الجرائم التي ارتكبها الاحتلال في غزة، والتي وصفها بأنها تفوق الهولوكست في حجمها ووحشيتها، مضيفاً أن الولايات المتحدة تكافئ العدوان الإسرائيلي بدلاً من محاسبته، وتعطي إسرائيل ما تريد من دعم سياسي وعسكري.
كما انتقد البراري بشدة النظام العربي، واصفاً إياه بأنه “هش وضعيف ومخترق”، مشيراً إلى عدم اتفاق العرب حتى الآن على تحديد مصدر التهديد الحقيقي، وأن المراهنة على الولايات المتحدة كعامل مساعد هي “وهم كبير”. ودعا إلى رفع الكلفة على واشنطن لإجبارها على تغيير سياستها تجاه الحقوق الفلسطينية.
وتطرق إلى خطة واشنطن بشأن فلسطين، معتبراً أنها صيغة إسرائيلية اتسمت بالغموض الإستراتيجي، وأن محاولة أمريكا لتدويل القضية ستفشل كما فشلت في الماضي، لأنها لا تعالج جذور الصراع بل تخدم أهداف الاحتلال.