

في ظل ازدهار القطاع السياحي والزيادة الكبيرة في أعداد زوار دولة قطر بفضل البنية التحتية المتميزة وإنشاء المرافق السياحية المتنوعة والتي ساهمت في وضع دولة قطر على خريطة السياحة العالمية، فضلا عن التسهيلات التي وفرتها الدوحة لسهولة الوصول للبلاد، واستمرار العروض والفعاليات التي تنظمها قطر للسياحة والتي ساهمت بالنهوض في زيادة الجذب السياحي للدولة، يبقى التساؤل حول كيف نعيد وجهة الأموال التي ينفقها القطريون على السياحة الخارجية إلى الداخل، مع استمرار إنفاق القطريين على السياحة الخارجية خلال الأعوام الماضية؟ وتشير البيانات الحديثة الصادرة عن مصرف قطر المركزي إلى أن حجم إنفاق المواطنين على السياحة في الخارج خلال أول 9 أشهر من عام 2025 سجل نحو 33.69 مليار ريال، مقارنة بـ39.47 مليار ريال في الفترة المماثلة من عام 2024. وتُصنف قطر ضمن قائمة الدول المُصدّرة للسياحة والأكثر إنفاقاً على السياحة في الخارج. بينما تستهدف الحكومة وفق الاستراتيجية الوطنية الثالثة على تنويع الانماط السياحية وتطوير منتجات سياحية جديدة لزيادة مساهمة القطاع في حساب الناتج المحلي الاجمالي إلى 12% بحلول 2030.

يوسف الجاسم: 3 مقترحات لجعل السياحة الداخلية خيارا مفضلا للمواطنين
أكد السيد يوسف الجاسم، خبير سياحي، أن تعزيز السياحة يساهم في خفض الإنفاق على قطاع السياحة الخارجية، مستعرضاً أهم المقترحات التي تساهم في تنمية قطاع السياحة المحلية في الدولة، بدءاً من دعم الشركات السياحية الناشئة من خلال الحوافز التي تقدمها الدولة لتعزيز إجراءات وبرامج التسويق السياحي على الصعيد المحلي، ورعاية أنشطة هذه الشركات وترويج فعالياتها من قبل هيئة قطر للسياحة، باعتبارها الكيان الحكومي المسؤول عن التخطيط والتنظيم والترويج لقطاع سياحي محلي مستدام في قطر.
وأشار الجاسم إلى ضعف العملية التسويقية لبرامج السياحة الداخلية، وهو ما يستدعي دعم الشركات السياحية المحلية لتنشيط وتفعيل دورها في النهوض بالسياحة الداخلية وضمان عمل هذه الشركات وفقاً لأعلى المعايير مع الترويج لثقافة قطر وتراثها وهويتها.
وأكد الجاسم أن إطلاق «إستراتيجية قطر الوطنية لقطاع السياحة» ساهم في تطوير القطاع السياحي بما فيه عمليات الترخيص وجعلها أكثر سلاسة للمستثمرين وأصحاب المنشآت السياحية لكن الأمر يتطلب كذلك تخفيض رسوم تجديد الترخيص السنوي لهذه الشركات المحلية التي تكافح لتفعيل برامج السياحة المحلية وتنشيط السياحة الداخلية.
ونوه بأن الهيئة العامة للسياحة تتولى عملية ترخيص شركات السفر والسياحة والمنشآت والأنشطة السياحية والفنادق، إضافة إلى المعارض ومنظميها، ومن بين الإجراءات التي تم اتخاذها تقليص زمن الحصول على ترخيص سياحي شريطة أن يمتلك مقدمو طلبات الترخيص الأوراق اللازمة من الجهات الحكومية الأخرى كإدارة الدفاع المدني ووزارة البلدية، ومن المتوقع أن يساهم النظام الجديد في رفع مستوى الانسيابية في عملية الحصول على التراخيص السياحية.
وأكد الجاسم ضرورة استثمار ما تزخر به قطر من مقومات السياحة الترفيهية والعائلية، فضلا عن سياحة الفعاليات والبطولات والمعارض، ومنحها اهتماماً أكبر في عام 2024، إلى جانب تنويع الخيارات الترفيهية أمام الشباب والعائلات لزيادة الجذب السياحي بين المواطنين والمقيمين على اختلاف أذواقهم، داعيا أصحاب المنتجعات والفنادق والمسؤولين عن القطاع السياحي للعمل على استقطاب المواطنين والمقيمين، الذين يبلغ إنفاقهم السنوي على السياحة الخارجية أكثر من 30 مليار ريال، حسب الإحصائيات، وإعطائهم أولوية في إستراتيجياتهم التسويقية وعدم إهمالهم عبر تقديم تسهيلات وأسعار تفضيلية للسائح الداخلي.
كما نوه بتقديم العروض للترويج السياحي، والتسهيل في استخراج التأشيرات السياحية، واستغلال طريق المجد في بناء مدن ترفيهية، وتخفيض أسعار المرافق والخدمات، مشيرا إلى أن ارتفاع الأسعار يفقد السائح المحلي متعة الاستجمام بخدمات المرافق السياحية في الدولة وقد يدفع البعض لقضاء الإجازات السنوية في الخارج.
ومن بين المقترحات لتعزيز وإثراء القطاع السياحي السماح للقطاع الخاص بالاستثمار الحر في هذا القطاع كشريك فعال في التنمية، ومنح المزايا لهذا القطاع لزيادة استثماراته في المجال السياحي، وذلك بعد وضع مخطط شامل لكل منطقة على حدة من مناطق الدولة كافة، مشيرا إلى الدور الذي تلعبه السياحة في اقتصاديات الدول لما لها من تأثير كبير في التنمية الاقتصادية، كما يظهر الأثر الاقتصادي للسياحة الداخلية في تنمية عدد من القطاعات التي تغذي قطاع السياحة بما يحتاجه من سلع وخدمات.
ونوه بأهمية تقديم حوافز للاستثمارات خارج الدوحة لتشجيع رجال الأعمال على إقامة مشاريع في المناطق الخارجية، من خلال دعم الدولة بتقديم حوافز ضريبية وتسهيلات بالقروض والمنح وتوزيع الفعاليات الرسمية على البلديات. وأوضح أن ذلك يتطلب خطة توزيع مكاسب التنمية بين مختلف مناطق الدولة بعد ربطها بشبكة مواصلات حديثة وفق دراسات اقتصادية تستند إلى (تحليلات التكلفة – والمنفعة) التي تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، مشيرا إلى أن الأصل في تحقيق التنمية المستدامة هو معادلة التخطيط لتوزيع مكتسبات التنمية بتوازن.

عيسى النصر: إعادة تأهيل مزيد من القرى والمناطق التراثية
أكد السيد عيسى النصر، أن تزايد إنفاق المواطنين القطريين على السياحة الخارجية خلال السنوات الأخيرة، يستدعي تنمية القطاع السياحي في الدولة، من خلال وضع استراتيجية وطنية تبدأ بتشجيع الاستثمارات السياحية في العديد من المناطق، من خلال منح الحوافز الاستثمارية وتحديد مواقع استيعاب التنمية واستقطاب المشاريع الخدمية والتجارية الجديدة في مختلف المناطق الخارجية، بما فيها البلديات الرئيسية، منوهاً بأن ذلك لا يتعارض مع تمركز الخدمات والنشاط الاقتصادي والتجاري والاجتماعي في العاصمة، وأكد أن استحداث مناطق تنموية في بعض المدن الخارجية لا يحظى بفرص نجاح كبيرة دون دعم الدولة، بسبب التمسك بالدوحة مركزاً للنمو.
ونوه بضرورة فتح مناطق جديدة للاستثمار من خلال توفير أراضي في المناطق الخارجية بأسعار معقولة لتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار من جهة، وتهدئة أسعار الأراضي واتجاهاتها المستقبلية من جهة أخرى، في ظل ارتفاع كبير في أسعار الأراضي التي توجد خارج الدوحة وهو ما يتعارض مع السياسة التي تهدف لزيادة الاستثمارات خارج الدوحة، خاصة حينما يجد المستثمر أن الفوارق هامشية في الأسعار بين داخل الدوحة وخارجها، الى جانب تطوير وتأهيل القرى التراثية لتكون نقاطاً جاذبة للسياحة.
وأكد أن إعادة تأهيل المزيد من القرى والمناطق الأثرية والتراثية، يمثل امتداداً وربطاً للماضي بالحاضر، وسرداً تاريخياً يروي مسيرة الوطن من البساطة إلى الحداثة، مشيرا إلى أن الترميم يضفي عليها لمسة جمالية خاصة، مع الحفاظ على طابعها الأصلي المميز وعمقها التراثي المحلي، الذي يعكس هوية المكان وثقافته وماضيه.

عبدالله محمد: فرض الرقابة على أسعار المرافق والخدمات
أكد المهندس عبدالله محمد أهمية تنشيط السياحة الداخلية في الدولة من خلال وضعها ضمن خطط الترويج السياحي، بما يسهم في جذب المواطنين والمقيمين وتغيير وجهاتهم السياحية إلى داخل الدولة، مؤكداً أن السياحة الداخلية تعد مصدرا مهما لتنشيط الحركة التجارية وتنمية الاقتصاد الوطني.
وأشار إلى أن ذلك يتطلب فرض الرقابة على أسعار المرافق والخدمات السياحية مع ضرورة تصنيف الوحدات السكنية بالمنتجعات السياحية والشاليهات والمخيمات البحرية حسب الفئات، والحد من الارتفاع المبالغ فيه للأسعار لدورها في تعزيز برامج السياحة الداخلية وجذب السائحين من مختلف مدن العالم، منتقداً السياسة الحالية المتبعة في قطاع سياحة المنتجعات والشاليهات المتمثلة بتقليل العروض ورفع الأسعار لإجبار الناس على دفع الأسعار المتاحة.
وأوضح أن مستويات الفنادق في قطر تعد من أفضل المستويات في العالم لكنه يرى أن الأسعار مبالغ فيها، مشدداً على أهمية أن تولي المنتجعات والفنادق العاملة في الدولة اهتماما خاصا بالنزلاء من المواطنين والمقيمين، بمنحهم أسعارا تشجيعية على اعتبار أن اغلب النزلاء من هذه الفئة يذهبون إلى الفنادق مع عائلاتهم ويمكنهم تكرار زيارتهم أكثر من مرة خلال السنة.
وحول جهود الترويج للسياحة الداخلية، نوه بأن القطريين خير سفراء لبلادهم؛ لذلك فهم يروجون عفويّاً لبلادهم أينما حلوا، إذ يشتهرون بأخلاقهم العالية وكرمهم وشهامتهم، وهو ما يجب على الجهات المعنية حسن استغلاله بتعزيز التعاون مع مختلف الفئات من الشباب وغيرهم للاستفادة بأفكارهم وجهودهم التطوعية في الترويج السياحي بأكثر من وسيلة، حتى نجد أثر ذلك على أرض الواقع.
وشدد على ان ارتفاع أسعار الخدمات السياحية في بعض الفنادق يؤثر سلباً على النشاط السياحي، منوها بتحقيق الاستفادة من السمعة الطيبة التي حققتها الدولة بعد المونديال بتنويع السياحة غير سياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض بالإضافة إلى الفعاليات الرياضية، لكن ارتفاع الأسعار في قطر بمختلف القطاعات يقلل من القدرة التنافسية للقطاع السياحي مقارنة بالأسواق التقليدية.

قطر تستقبل 5.1 مليون زائر في 2025
شهدت دولة قطر خلال عام 2025 انتعاشًا في الحركة السياحية مسنوداً بزخم كبير من الفعاليات الدولية والإقليمية التي عززت مكانتها كوجهة عالمية تجمع بين الأعمال، الرياضة، الثقافة والترفيه، ولم يعد الحضور السياحي موسميًا أو مرتبطًا بحدث واحد، بقدر ما أصبح ممتدًا على مدار العام، في مؤشر على نضج القطاع السياحي وتنوع روافده. وتواصل «قطر للسياحة» تعزيز مكانة قطر على خريطة السياحة العالمية، عبر العديد من البرامج والفعاليات المميزة، والتي ساهمت في جعل الدولة إحدى الوجهات المفضلة للزوار والباحثين عن التنوع والتجارب الجديدة. نمو القطاع السياحي يتجلى باستقبال 5.1 مليون زائر من مختلف أنحاء العالم خلال 2025، ما يساهم في تعزيز مكانة قطر السياحية ويدعم التنمية الوطنية الثالثة (2024 -2030)، من خلال المساهمة في تنويع الاقتصاد وتوسيع الوصول إلى الأنشطة الثقافية والرياضية والترفيهية لكل من المقيمين والزوّار. كما حقق ميناء الدوحة القديم أرقاماً قياسية على صعيد الأداء السياحي والعمليات البحرية خلال عام 2025، في ظل تنفيذه العديد من البرامج السياحية النوعية التي أسهمت في تعزيز الإقبال، فضلًا عن تطورات استراتيجية أسهمت في ترسيخ مكانته كوجهة سياحية بحرية رائدة، بما يتماشى مع رؤية دولة قطر لتعزيز القطاع السياحي وتطوير منظومة السياحة البحرية. ولا شك أن وضع قطاع السياحة كأحد القطاعات الخمسة ذات الأولوية ضمن استراتيجية قطر الوطنية 2030، والتي يمكن من خلالها بناء اقتصاد أكثر تنوعا وتعزيز مساهمة القطاع الخاص فيه، يعكس طموحات الدولة المتمثلة في اجتذاب 6 ملايين زائر سنويا بحلول عام 2030.
على السياحة الخارجية.. 12.33 مليار ريال أنفقها القطريون خلال الربع الثالث
أنفق القطريون على السياحة في الخارج أول 9 أشهر من العام 2025 نحو 33.69 مليار ريال (9.38 مليار دولار)، مقارنة بـ39.47 مليار ريال (10.99 مليار دولار) في الفترة المماثلة من عام 2024.
ووفق بيانات مصرف قطر المركزي، فقد سجل القطريون إنفاقاً أكبر خلال الربع الثالث من عام 2025 بقيمة 12.33 مليار ريال (3.43 مليار دولار)، علماً بأن الإنفاق تراجع في الثلاثة أرباح الأولى من العام.
وعلى مستوى إيرادات السياحة في دولة قطر أول 9 أشهر من العام السابق، فقد هبطت 45.65 % إلى 13.62 مليار ريال، مقارنة بـ25.06 مليار ريال في الفترة المناظرة من عام 2024.
وسجل الربع الأول من عام 2025 أعلى إيرادات مُسجلة بقيمة 5.35 مليار ريال، علماً بأن الإيرادات تراجعت خلال الأرباع الثلاثة من العام. وكشف المسح ارتفاع عجز حساب الخدمات في الربع الثالث من العام الماضي بنسبة 23.66 % عند 8.68 مليار ريال، مقارنة بـ11.37 مليار ريال بذات الربع من عام 2024، فيما قفز 36.05 % ربعياً.
وسجل الحساب الجاري – يضم السلعي والخدمات والدخل والتحويلات الجارية – فائضاً بقيمة 36.38 مليار ريال، مقابل 36.82 مليار ريال في الربع الثالث من عام 2024، مُسجلاً انخفاضاً سنوياً بـ1.20 %، وزيادة 33.55 % على أساس ربعي.
وبشكل عام، فقد تحول ميزان المدفوعات لدولة قطر إلى الفائض خلال الربع الثالث من عام 2025 بقيمة 2.40 مليار ريال، مقابل 1.56 مليار ريال عجز الربع ذاته من العام السابق له.