«فرنسا».. شارع الذهب والبهجة والزغاريد بالإسكندرية
منوعات
09 يناير 2015 , 06:24ص
ملابس وتحف ومشغولات ذهبية وحشود من البشر يجوبون أزقة وحواري شارع فرنسا بالمنشية في قلب الإسكندرية، كل يبحث عن غايته، يمتد هذا الشارع من ميدان التحرير بالمنشية وحتى حي الجمرك ببحري وتذهب إليه الفتيات والسيدات لاختيار المصوغات الذهبية فهو معروف بأنه شارع الذهب بالإسكندرية؛ حيث فاترينات المجوهرات والذهب والفضة تترامى على جانبيه، تذهب إليه عرائس الإسكندرية لتنتقي شبكاتها وسط زغاريد قريباتهن. وتذهب إليه السيدات والفتيات لشراء جهاز العروس من مفروشات وستائر وأقمشة ويذهب إليه العريس مصطحباً عروسة لاختيار أثاث عش الزوجية من أعرق محلات الموبيليا.
تعود تسمية الشارع بذلك الاسم لفترة الحملة الفرنسية رغم بعده عن الطابع الفرنسي تماماً والطريف أن هناك عدة شوارع في المغرب العربي تحمل نفس الاسم في تونس وفي الجزائر، وفي مدينة مراكش المغربية يشتهر شارع فرنسا بفنادقه الفخمة. ويقع شارع فرنسا فيما كان يطلق عليها المدينة التركية التي تم بناؤها في أواخر القرن الـ16، واستمرت محتفظة بذلك الاسم حتى القرن الـ18 وتتخذ فيها المنازل شكل صف متداخل مع المساجد الصغيرة، وكانت مليئة بالبازارات والمساجد.
إن السير في شارع فرنسا كما يصفه المؤرخ الإنجليزي فورستر له سحر لطيف خاصة في المساء مثيراً لبهجة التجوال في «قاع المدينة» بلا هدف، على عكس ما ذكر الأديب الإنجليزي لورانس داريل شارع التتويج المواز لشارع فرنسا الذي يقع خلفه الحي الشعبي «قاع المدينة» وهو مدخل للعالم البدائي وهي صورة مغالية إلى حد كبير.
يمين شارع فرنسا كان يوجد شارع «بيرونا»، وكان يوجد على الجدار المقام في مدخله بقايا من النحت المصري يمثل الآلهة سخت التي لها رأس أسد، ويصب الشارع في ميدان صغير يحوي المحكمة الأهلية القديمة. أما في الشوارع التي على يسار الشارع، فكانت تصطف بعض المساجد مثل مسجد الشيخ إبراهيم باشا، في الركن الشمالي الغربي من الميدان يوجد مسجد طربانة ومسجد الشوربجي والذي يرجع تاريخ بنائه إلى 1757.
يعكس هذا الشارع الأوضاع الطبقية في الإسكندرية فيمكن بنظرة واحدة للمارة أن تتعرف على الحالة الاجتماعية للمدينة؛ حيث يتوافد على هذا الشارع الطبقة الراقية بسياراتهم الفارهة لشراء احتياجاتها من المصوغات الذهبية والفضة والمجوهرات، أما البسطاء فهم يأتون إليه لشراء أقمشة يقومون بتفصيلها لكسوة الصيف أو الشتاء أو لشراء الملابس الجاهزة الرخيصة.
يقول فتحي رجب صاحب محل النجف للمجوهرات «قديماً كان شارع فرنسا خاصاً بتجار الأقمشة والموبيليا، وكانت الصاغة داخل الزنقة، وكان الشارع شهير بمحلات تجار المانيفاتورة اليهود ولما بدؤوا في بيع محلاتهم أيام التأميم بدأت عملية الإحلال وبدأت محلات الصاغة المصريين تأخذ مكانها، ومنذ ذلك الوقت يشهد الشارع زحاماً غير طبيعي أيام المواسم والأعياد وتكون نسبة شراء الذهب مرتفعة، وأصبح الإقبال على موديلات الذهب عيار 21 لرقة تصاميمها بعد أن كان الطلب على عيار 18».
أما محمد إبراهيم مصطفى أحد أقدم الصاغة في شارع فرنسا، فيقول «الشارع ده قلب الإسكندرية التجاري، وهو مقسم لأجزاء يبدأ بمحلات الذهب ثم القماش ثم الأثاث، والشارع الموازي له هو سوق (الصيرفية) وهو خاص بالمشغولات الذهبية، وأيضاً سوق المغاربة وحالياً به الإيشاربات والإكسسوارات، وسوق العقادين وسوق الخيط وهو حالياً غير موجود. في العيد تأتي الناس من إسكندرية والمحافظات المجاورة لها لشراء الذهب والملابس وتستمر حركة البيع حتى الساعة 4 فجراً وكأنك في عز النهار وبخاصة في سوق ليبيا للملابس، كذلك توجد محلات الأحذية، حتى مصانع الملابس تستمد لوازمها من هذا الشارع». ويضيف أن التسمية جاءت من أن معظم الموجودين به قديماً كانوا فرنسيين ومعهم جماعات من الأرمن والجريك وكان به تجار الأقمشة والصاغة وكانت المحلات على شكل أكشاك خشبية داكنة اللون وكان أكثرهم متخصصين في الألماظ وإلى الآن توجد أسماء محلات مثل «كارفور صاهجيان» و «مسلميان» وقد تملكها الصنايعية العاملون بها.
ونظراً لتكدس محلات المجوهرات الثمينة في هذا الشارع فإن الحراسة شيء هام جداً، حيث يوجد بكل محل إنذار ليتمكن الجواهرجي من الإبلاغ عن أي حادث سرقة، كما توجد كلاب بوليسية للحراسة ليلاً، وفي الغالب تلتزم محلات المجوهرات كلها بالعمل من الساعة 11 صباحاً وتغلق حوالي 12 مساءً. ويشير مصطفى إلى أنه عندما يشك في زبون يريد أن يبيع قطعة ذهبية فيعرض عليه سعراً أقل من سعرها، فإذا وافق على البيع يبلغ عنه ويتم التحقيق معه من جانب الشرطة.
وينفي الجواهرجي خالد الرفاعي وجود ورش لإنتاج المشغولات الذهبية في هذا الشارع ويقول «يوجد ورش لإصلاح المشغولات وهي ورش صغيرة لكن المحلات تعتمد على إنتاج الورش الكبرى في القاهرة، فيأتي الشغل من القاهرة عن طريق وسيط (قومسيونجي) وهناك مصانع لها أفرع في الإسكندرية لتوزع هنا». ويضيف «يتميز الشارع أيضاً بمحلات الفضة التي تطورت صناعتها ولها أشكال مثل الذهب تماماً وبدأ الإقبال عليها من 8 سنوات ويتم استيرادها خاصة الخواتم ودبل الخطوبة الرجالي».
ويقول الرفاعي إن الذهب الأبيض والذهب السويسري عليهما إقبال من الطبقة الراقية لأنه يضم موديلات وتصميمات رقيقة، أما الطبقات الأقل فهي تفضل الذهب الأصفر ومنهم من يحب الأطقم أو الأساور والسلاسل، وبشكل عام هناك من يشتري الذهب لكي يبيعه وهناك من يشتري لمجرد إعجابه بالشكل وتمر علينا نوعيات كثيرة، ويأتي إلينا سائحون من مختلف أنحاء العالم فالأجانب يحبون المشغولات ذات التصاميم المصرية أما الخليجيون فهم يحبون الذهب الهندي.