الاستثمار في التعليم العالي محاط بالمعوقات

alarab
تحقيقات 08 نوفمبر 2015 , 01:41ص
حامد سليمان
«قطب أوحد للتعليم الجامعي في قطر»، ربما هو التعبير الأقرب لحال جامعة قطر بالنسبة لغيرها من الجامعات الخاصة الموجودة بالدولة، فهذا الصرح الأكاديمي يستقطب قرابة 14 ألف طالب، وهو عدد لا يقارن بما يمكن أن تستقطبه الجامعات الأخرى في الدولة.

 ولكن إلى متى تظل جامعة قطر هي الوجهة الأولى للتعليم العالي في البلاد؟ وهل قطر باتت في حاجة للتوسع بأفرع جديدة للجامعة التي أصبحت وجهة للطلاب من كافة أنحاء الدولة؟ أم بات المجتمع في حاجة إلى دخول المستثمرين في هذا المجال بقوة؟ وما معوقات الاستثمار بهذا القطاع؟ أسئلة طرحتها «العرب» على عدد من التربويين ورجال الأعمال من أجل الوقوف على أهمية وجود المزيد من الصروح التعليمية الجامعية في البلاد.

ووفق تربويين ورجال أعمال، فالاستثمار في التعليم العالي أمر محفوف بالمخاطر، خاصة إن قارناه بقطاعات كالعقار والقطاع المصرفي وغيرها من أوجه الاستثمار التي تزيد فيها مساحة الأمان بصورة واضحة، مشددين على أهمية توسع جامعة قطر من خلال أفرع جديدة بمناطق كالخور والشمال والشيحانية والوكرة وغيرها، خاصة أن الزيادة السكانية الكبيرة لها تبعاتها السلبية على الطلاب في حال عدم توافر أفرع قريبة، مشيدين بتجربة الأعلى للتعليم في التوزيع الجغرافي للطلاب، وأثرها في توفير وقت الطفل وولي الأمر.

ولفتوا إلى أن الجامعات الخاصة في قطر تلقى دعما ومساندة من الدولة، وهو من باب حرص القيادة الرشيدة على توفير مختلف نوعيات التعليم وأعلاها، لافتين إلى أن الدعم لرجال الأعمال القطريين يمكن أن يوجه من خلال توفير الأرض أو غيرها من الصور، في حال ارتأت الدولة حاجة لدخول المستثمرين لهذا القطاع.

جامعة عريقة

في البداية قال الدكتور عبدالحميد الأنصاري أستاذ السياسة الشرعية في كلية القانون بجامعة قطر وعميد كلية الشريعة والقانون سابقا: «جامعة قطر من الجامعات المتميزة التي تشهد إقبالا كبيرا من المواطنين والمقيمين، ومن الجنسين على حد سواء، فهي الجامعة الوطنية التابعة للدولة، إضافة إلى ما تقدمه من مستوى تعليم جيد».

وأضاف: «توسع جامعة قطر من خلال افتتاح أفرع في المناطق الخارجية تعد من الأفكار الجيدة، خاصة أن عدد السكان في زيادة مستمرة، والكثير من أبناء قطر يحرصون على الالتحاق بها، وهذا ولا شك يسهل على الطلاب والطالبات في المناطق البعيدة التعلم بهذه الجامعة العريقة».

وأردف الأنصاري: «الطالبات في الخور أو الوكرة أو الشمال وغيرها من المناطق يعانون من أجل الوصول لجامعة قطر، فسكان مناطق الدوحة المختلفة يعانون من أجل الوصول لمقر الجامعة، فما بالنا بسكان المناطق الخارجية البعيدة عنها، فالأمر مؤرق بالنسبة لأغلبهم، لذا فالتوسع وافتتاح أفرع جديدة بات حاجة ملحة، خاصة مع الزيادة السكانية المتوقعة في البلاد، والتي نشهدها بصورة مستمرة».

وأوضح أستاذ السياسة الشرعية في كلية القانون بجامعة قطر أن اختيار الجامعة سواء كانت خاصة أو عامة أمر شخصي، شأنه شأن التخصص الذي يختاره الطلاب على حسب ميولهم، فالطالب أو الطالبة لديهم قناعة بالجامعة كما التخصص، وهم يقررون مسارهم التعليمي وفق طموحهم الشخصي.

وأشار إلى أن بعض الشباب القطريين يرون أن الحصول على الشهادة الجامعية من صرح أكاديمي عالمي له فرع في قطر أو السفر للخارج لهذا الغرض سيمنحهم نوعا من المكانة أو السمعة في المجتمع، ولكن في رأيي الشخصي هذا لا يقلل من مكانة جامعة قطر، التي تشهد حضور واسع من السكان، ولا يؤثر على مكانة الجامعات الخاصة، فالأمر عائد في المقام الأول لرغبة الطالب وطموحه، ولديه كافة الخيارات، وإن كان الطالب أو الطالبة لديه التقدير الذي يسمح له بالانضمام لجامعة عالمية، فلا بأس من التنوع في نوعية التعليم في المجتمع، وهذا جانب من جوانب الحرية، وهو نوع من التنافس بين كافة الشباب.

وأوضح الأنصاري أن التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي تحول إلى جانب استثماري سمح بالمزيد من التنافسية بين المدارس في توفير أفضل تعليم للطالب، ولكن التعليم العالي لم تصل له موجات الاستثمار، فلم نجد رجال أعمال يقبلون على افتتاح جامعات، منوها بأن الاستثمار في التعليم العالي مكلف جدا، ويمكن ألا يكون لرجل الأعمال مردود عالي.

وبين أنه كما يقال في قطاعات الاستثمار المختلفة «رأس المال جبان» ولا يوجد من يلقي باستثماراته في قطاع غير مضمون، فرجال الأعمال يفضلون قطاعات كالعقارية والمصرفية وغيرها، مما ثبت تحقيقها نجاحات مختلفة، فمالهم ما دام مستثمر فيها فالمكسب مضمون، ولن يغامروا بالاستثمار في التعليم العالي الذي لا يعلم مدى نجاحه.

ولفت أستاذ السياسة الشرعية في كلية القانون بجامعة قطر أن تعداد سكان قطر ليس بالكبر الذي يضمن حضورا واسعا للطلاب في أي جامعة خاصة، فحتى القائمة منها في الدولة لم تكن لتحقق كل هذا النجاح لولا دعم الدولة، سواء عن طريق المنح أو غيرها من الامتيازات كالمدينة التعليمية وما توفره من إمكانات تستفيد منها الجامعات الخاصة وفروعها، وكذلك المنح المقدمة للطلاب أنفسهم.

وأشار الأنصاري إلى أن الاستثمار في التعليم العالي محفوف بالمخاطر، على عكس الاستثمار في المراحل التعليمية الأولى كالابتدائية والإعدادية والثانوية، فلا منافس قويا لهذه المدارس على غرار جامعة قطر بالنسبة للتعليم العالي، فكلها مدارس تستقطب الطلاب، وكل ولي أمر يميل إلى مستوى تعليم معين، ومن ثم يحدد توجهه على حسب التوزيع الجغرافي، ولكن كيف لرجل أعمال أن ينافس جامعات قائمة منذ عشرات السنين، أو جامعات دولية تحظى بسمعة عالمية متميزة.

ولفت أستاذ السياسة الشرعية في كلية القانون بجامعة قطر وعميد كلية الشريعة والقانون سابقا إلى أن الاستثمار في التعليم العالي لا يمكن أن يتحقق إلا في تخصصات نادرة غير مطروحة في جامعة قطر وغيرها من الصروح التعليمية الكبرى في البلاد، بما يكفل للمستثمر عدم وجود أي منافس آخر في هذا المجال، متوقعا أن الوضع يمكن أن يتغير مستقبلا، ومن مؤشرات التغير كلية المجتمع التي تستقطب إعداد كبيرة من الطلاب والطالبات.

التوزيع الجغرافي

ومن جانبه قال خالد المهيزع صاحب ترخيص ومدير مدرسة حمزة بن عبدالمطلب الإعدادية المستقلة بنين: «لا شك أن افتتاح أفرع لجامعة قطر بالمناطق الخارجية سيسهل على ولي الأمر وعلى الطالب كثيرا، فغالبية الطلاب يتكبدون عناء كبيرا في رحلة الوصول والعودة من مدارسهم بصورة يومية، خاصة مع الزحام في الكثير من المناطق التي تزيد فيها الكثافة السكانية».

وأضاف: «المعاناة مضاعفة بالنسبة للفتيات في مختلف مناطق الدولة خاصة الخارجية منها، كالشمال والخور، والأمر لا يتعلق باعتراض الأسر على انتقال الفتيات من وإلى الجامعة، ولكنه في غالب الأحيان يكون عدم قدرة، فالكثير من الآباء والإخوة الشباب يكونون منشغلين سواء بالعمل أو الدراسة، وهذا لا يسمح لهم بنقل الابنة، ويصعب قبول الأسرة بانتقالها مع سائق كل هذه المسافة».

وتابع المهيزع: «الجامعات الأجنبية تقبل عددا قليلا من الطلاب إن قورن بجامعة قطر التي تحظى بقبول كبير، حيث تنال الجامعة الوطنية النصيب الأكبر من بين طلاب التعليم العالي، وغالبية الأسر تفضل جامعة قطر لما توفره من أجواء ملتزمة بآداب المجتمع إلى حد بعيد، فالاختلاط ممنوع بها على عكس غيرها من المؤسسات الأجنبية، ونظام الفصل بين الجنسين مفضل لدى المجتمع القطري».

وأوضح صاحب ترخيص ومدير مدرسة حمزة بن عبدالمطلب الإعدادية المستقلة بنين أن افتتاح أفرع لجامعة قطر ربما يكون الحل المثالي للزيادة السكانية الكبيرة، ورغبة الكثير من الطلاب للالتحاق بها، خاصة أنها تشهد حضورا واسعا من المواطنين والمقيمين على حد سواء.

وشدد على أن مناطق الشمال والخور والشيحانية وما جاورها تعد الأبرز من بين حاجة السكان لأفرع من جامعة قطر، لافتا إلى أن فرع واحد في الخور يمكن أن يلبي حاجة سكان الخور والشمال في الوقت الحالي، لأن الكثافة السكانية لم تصل إلى معدلات عالية، ولكنها من المتوقع أن تزيد مستقبلا لنصبح في حاجة لفرع منفصل في كل مدينة، وكذلك يمكن عمل فرع للطلاب في الشيحانية والريان وما حولهما من مناطق، منوها بأن حتى المناطق القريبة نسبيا من الدوحة كالوكرة بات أهلها يواجهون الكثير من المصاعب في الوصول للجامعة نظرا للزحام الشديد والاختناقات المرورية على بعض الطرق، ما يزيد من الحاجة إلى أفرع في الوكرة خلال الفترة المقبلة.

وأكد المهيزع أن التوزيع الجغرافي الذي اعتمده الأعلى للتعليم في المدارس المستقلة كان له أثر كبير على الطلاب، فخفف على الطالب الكثير من الأعباء؛ لأن الطفل أصبح في مدرسة قريبة من منزله، يعود في وقت مبكر، بدلا من الخروج للدراسة بعد الفجر والعودة إلى المنزل بعد العصر، وكذلك ولي الأمر لم يعد يتكبد عناء كبير في نقل أبنائه أو الاستيقاظ مبكرا، وهذا الأمر ستزيد تبعاته الإيجابية على الطلاب مع خطط افتتاح المزيد من المدارس مستقبلا.

صعوبات الاستثمار

أما من الناحية الاستثمارية فيوضح رجل الأعمال محمد كاظم الأنصاري أسباب غياب القطاع الخاص عن التعليم العالي قائلا: «الاستثمار في التعليم العالي دقيق جدا، ويحتاج في الوقت نفسه إلى رأسمال ضخم نوعا ما، فللمنافسة في مجال كهذا عليك أن تحظى بأفضل الخبرات من التخصصات التي ستعمل فيها الجامعة، فلو استعنت بأساتذة جامعيين دون المستوى ستكون الغلبة للجامعات القائمة في الدولة والتي لها باع طويل في هذا المجال، ناهيك من أن المبنى لا بد أن يكون مرخصا ومطابقا للمواصفات التي وضعتها وزارة التربية والتعليم، إضافة إلى الرخص الأخرى المطلوب من الوزارة وغيرها من مؤسسات الدولة».

وأضاف: «لا شك أن الدولة تولي اهتماما كبيرا بقطاع التعليم وتخصص له جزءا كبيرا من الموازنة العامة بصورة سنوية، فإن ارتأت الحكومة الرشيدة ضرورة لإشراك القطاع الخاص في التعليم العالي، فمن الممكن أن تمنح قطعة أرض للمستثمر أو غيرها من التسهيلات التي تقف عائقا أمام رجال الأعمال الراغبين في ضخ أموالهم في هذا القطاع ولكن يخشون مخاطره».

وتابع: «غرفة تجارة وصناعة قطر تسهم في التعريف بالاشتراطات المطلوبة للاستثمار في قطاع التعليم، وهي أيضا متوفرة في المؤسسات التعليمية المتخصصة، فقطاع التعليم هام جدا، والدولة في حاجة دائمة لتطويره، وكل المستثمرين في المدارس الأجنبية يشكون من تكدس الطلاب، ووصول المدارس لطاقتها الاستيعابية القصوى، وهذا يعني أن ثمة زيادة سكانية يجب أن تراعى في المدارس، وكذلك لا بد من افتتاح نوافذ تعليمية جامعية جديدة يمكن أن تستوعب الزيادة المتوقعة في عدد السكان خلال السنوات المقبلة، التي تعمل فيها الدولة على مشروعات كبرى تتطلب عددا كبيرا من العمالة الوافدة، ما يزيد من عدد الطلاب المفترض التحاقهم بمختلف المراحل التعليمية العامة والعليا».

وأشار إلى أن غرفة تجارة وصناعة قطر لها يد طولى في التعريف بقطاعات الاستثمار المختلفة، وإرشاد رجال الأعمال لما هو أنسب، إضافة إلى تعريفهم بما تحتاجه الدولة من استثمارات آنية ومستقبلية، فالغرفة شكلت من أجل التيسير على رجال الأعمال، ولما لقطاع التعليم من أهمية يتعين على الغرفة أن تعرف المستثمرين القطريين بسبل الاستثمار فيه، وتشجعهم على ذلك، فالتعليم يعد قاطرة الدولة نحو المزيد من التقدم والرقي.

وأكد الأنصاري على أن جامعة قطر باتت التجمع الطلابي الأبرز بالنسبة لطلبة التعليم العالي ودون منازع في الدولة، فالجامعة الوطنية تحظى بحضور قرابة 14 ألف طالب في مختلف التخصصات، وهذا يتطلب المزيد من التوسع في المناطق الخارجية كالوكرة والخور وغيرها، فالجامعة بلغت طاقتها الاستيعابية القصوى، وهذا يتطلب إما افتتاح أفرع أو عمل جامعة وطنية أخرى يمكن أن تقدم خدماتها لأبناء المناطق الخارجية.