قضايا الميراث تضع الإخوة خصوماً في المحاكم.. والطمع وضعف الوازع الديني أبرز الأسباب

alarab
تحقيقات 08 نوفمبر 2014 , 06:41ص
أكد مواطنون ودعاة وقانونيون أن الطمع يعد سببا رئيسيا للخلافات التي تنشب بين ذوي الأرحام لدى اقتسام الميراث، مشيرين إلى أن الدين الإسلامي الحنيف وضع قواعد فريدة ليس لها نظير في أي تشريع على وجه الأرض لتوزيع الميراث؛ إلا أن أعدادا من الورثة أهملوا قواعد الإسلام في الميراث عن عمد أحياناً وبسبب الجهل في أحيان أخرى، وسعوا وراء متاع الدنيا الزائل، فدبت بينهم الخلافات، وتقطعت بينهم الأرحام، مما انعكس عنه هشاشة في بنية المجتمع، وضعف القدرة على الإنتاج، وضياع كثير من الحقوق.
وبين المتحدثون لـ «العرب» أن الإسلام حرص على تقسيم الثروة والتركات بطريقة عادلة وتوزيعها بين أكبر قدر من الناس بدلاً من تركزها في يد فئة قليلة وحرمان الباقين منها، مؤكدين أن الكثير من المنصفين في الغرب يدعون بلدانهم إلى الاستفادة من تلك القواعد في توزيع المواريث.
وأشاروا إلى أن العديد من المشاكل بين الورثة وصلت للمحاكم نتيجة تعدد الزوجات وعدم العدل فيما بين الأبناء، ما يتسبب في خلافات كبيرة بعد الوفاة على الميراث، وهناك محاولة لحرمان بعض الورثة الشرعيين من حقهم بالميراث، خاصة الزوجة الأجنبية التي يرى العديد من الوارثين عدم أحقيتها هي وأولادها في الميراث، مؤكدين أن أبناء الزوجة الأولى يتعمدون إخفاء ثروة أبيهم.
ونبه علماء الدين والقانونيون أن عدم ترسيخ العقيدة في قلوب الكثير من المسلمين والافتقار إلى حسن تدبر آيات القرآن العظيم يدفع البعض إلى التشاحن والتصارع على الميراث، لدرجة أن الصراع اصطبغ بالعنصرية والقبلية في أحيان كثيرة، ما يجعل البعض يسعى إلى حجب الميراث عن مستحقيه بدعوى عدم خروجه من دائرة العائلة.
الدوحة - ولي الدين حسن

ولفتوا إلى أنه رغم وجود محاكم لإنصاف المظلومين فإن طول فترات التقاضي تشكل عقبة كبيرة أحياناً في رد الحقوق لأصحابها، وهو ما يعطل عمل الشركات والمؤسسات التي تدخل ضمن التركة، داعين إلى إعادة النظر في قانون الأسرة بما يؤدي إلى التسهيل على المتقاضين في استرداد حقوقهم.

تطبيق شرع الله
بداية يوضح الدكتور إبراهيم الأنصاري الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر: أن التشريع الإسلامي فريد ومعجز وقضية الميراث ليس لها نظير في أي تشريع على وجه البسيطة، لذلك فإن الغربيين يدعون للاستفادة منه في بلدانهم.
ويضيف: رغم وجود هذا التشريع المحكم والمعجز لدينا وسعي الغرب للاستفادة منه إلا أن النزاع على الميراث لا يزال يمثل ظاهرة في المجتمعات الإسلامية لأسباب عديدة، أهمها الجشع والطمع وحب الدنيا وعدم الاتعاظ بمصائر الآخرين.
ويشير الأنصاري إلى أن عدم ترسخ العقيدة في قلوب المسلمين هو من الأسباب التي تدفع البعض إلى التشاحن والتصارع على الميراث، لدرجة أننا نلحظ في بعض البلاد الإسلامية انتشار نوع من العنصرية في هذا الشأن، حيث يحاول البعض بشتى السبل لكيلا يخرج الميراث من دائرة العائلة.
ويقول الأنصاري: إن خلافات الميراث قائمة وقد يصل بعضها إلى حد الاقتتال بين الإخوة، وهذا لا يعود إلى الشريعة الإسلامية الغراء التي حرصت على تقسيم الثروة بطريقة عادلة وتوزيعها بين أكبر قدر من الناس بدلاً من تركزها في يد فئة قليلة وحرمان الباقين منها.
وأضاف: رغم حرص الشريعة الإسلامية الغراء على هذا التوزيع العادل إلا أن هناك العديد من أشكال الصراع التي تقع بين الورثة ومن هذا القبيل الاقتتال الذي يحدث بين بعض الورثة على أعيان الميراث، كأن تكون هناك قطعة أرض في مكان مميز ويفوق سعرها سعر قطعة أرض أخرى ضمن التركة، فيتصارع الورثة من أجل الحصول عليها.
وقال الأنصاري: مع الأسف الإنسان يريد أن يحصل على أكبر ما يستطيع ويخسر أقل ما يستطيع، وفي ظل هذا الصراع يكون النساء والإخوة الصغار هم الفئة الأكثر تعرضاً لهضم الحقوق، ناهيك عن الشحناء والبغضاء التي تحل بين الإخوة بسبب هذا الطمع والجشع.
ويوضح أن التوجه إلى المحاكم ليس عيبا ولا ضررا لأن المحكمة هي الجهة المخول لها بالتصرف في ميراث القصر وتعين وصي له كما أن عملية التقسيم تكون معقدة ودقيقة وتتطلب إجراءات كثيرة التصديق على شهادة الوفاة وحصر الوارثين والكشف عن الحسابات البنكية والأراضي والشركات وغيرها من الجهات التي تتطلب جهة رسمية لمخاطبتها كما أن حسن التربية هو الضمانة لعدم وقوع مثل هذه الصراعات بين الورثة، حيث ستحول أخلاقهم النابعة من وحي الشرع الحنيف دون حدوث هذه المشاحنات وتكون السماحة هي الروح السائدة بينهم.
وبين الأنصاري أن الطمع والجشع هما السبب الرئيس لجميع الخلافات التي تنشب بين الإخوة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى إفساد روح المحبة بينهم، أما السبب الثاني لخلافات الميراث فهو الجهل بالدين وبما قسمه الله عز وجل للإنسان، حيث يحاول البعض الاستئثار بالنصيب الأكبر على حساب إخوانه، وتكون النتيجة هي الذهاب إلى ساحات القضاء لكي تقوم المحاكم بتوزيع التركة بينهم مع ما يترتب على ذلك من تغزية لمشاعر البغضاء والكراهية بينهم.

الزوجة الأجنبية
ويقول المحامي عبدالرحمن الجفيري: إن القضايا المتعلقة بالميراث والخلافات المرتبطة بمسائل التركات ظاهرة موجودة والمحاكم خير شاهد عليها وهي ظاهرة حديثة ولم تكن موجودة في المجتمع قبل نحو 10 أعوام أو كانت نادرة الوجود، حيث كانت الأسر تتحرج من اللجوء إلى المحاكم في مثل هذه القضايا، غير أن طغيان الحياة المادية والعولمة التي أصابت كل شيء في الحياة دفعت البعض إلى الطمع فيما آل إلى إخوانهم أو ذوي الأرحام من الميراث بعد وفاة مورثهم، لذلك فإن البعض يحاولون بقدر الإمكان أن يزيحوا الحقوق المقررة لغيرهم بحكم الشرع والقواعد القرآنية الحكيمة.
وأضاف: يحدث هذا بشكل ملحوظ عندما تكون لدى المورث أكثر من زوجة، خصوصاً إذا لم يكن لدى إحداهن أولاد، حيث يحاول أبناء الزوجة الأخرى إزاحة هذه الزوجة من الميراث أو هضم حقها رغم أن هذه حقوق شرعية قررها المولى عز وجل من فوق سبع سماوات ولا يجب على الإنسان سوى السمع والطاعة، لكن أن يقوم البعض بمحاولة إزاحة البعض الآخر وحرمانهم من حقهم الشرعي، فهذه أمور تخالف قوانين السماء وقوانين الأرض أيضاً، ولا يملك الطرف الضعيف سوى اللجوء إلى المحاكم للحصول على حقه المهضوم.
وأضاف الجفيري: مع الأسف رغم وجود قضاء لإنصاف المظلومين فإن طول فترات التقاضي تشكل عقبة كبيرة في رد الحقوق لأصحابها وربما يعود البطء وطول فترات التقاضي في بعض الأحيان إلى أسباب منطقية كأن يكون هناك مبالغ أو عقارات في الداخل والخارج، الأمر الذي يجعل الخبير يستغرق وقتاً طويلاً حتى يتمكن من حصر إجمالي التركة بالكامل.
وأوضح أن الزوجة الأجنبية هي أكثر المتضررات بعد وفاة الزوج إذ يعتبرها البعض ليس لها حق في الميراث كونها من دولة أخرى ويتعمد بعض الأبناء إخفاء أمور كثيرة من الميراث من مبالغ وأراض وشركات عن الزوجة الأخرى حتى لا تتوجه للقضاء لإنصافها علما أن أغلب الأزواج يتوجهون إلى الزوجة الأخرى عندما يشعر أنه كبر في العمر ولا يجد من يعوله ويخدمه ويقدم له الرعاية والحنان وهو ما يفتقده في الزوجة الأولى ويجده في الثانية فيخصص لها نصيب من تركته كمكافئة علي الفترة التي أمضتها معه وضحت بشبابها مقابل رعايته.

الطمع
ويؤكد الداعية الشحات فريد: أن الطمع وعدم تقوي الله من أهم الأمور التي تجعل الوارثين يدخلون في صراع على المادة ويطلبون الحياة الدنيا دون الآخرة ويضرب بذلك مثلا أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما تولى أمور القضاء في فترة خلافة سيدنا أبوبكر لم تصل إليه أي شكوى قضائية وراثية لمدة عام كامل، والدليل على ذلك أن العديد من الناس كانوا يخافوا الله ويتركون نصيبهم ابتغاء وجه ومخافة من الآخرة.
ويقول فريد: إن قضايا الميراث منتشرة في مختلف دول العالم الإسلامي، وهي ليست حكراً على بلد معين أو مجتمع بعينه، بل هي موجودة في كل بلد وفي كل مجتمع، ولها قصص قد لا يصدقها البعض ممن لا يتصورون أن يحدث في أوساط المسلمين مثل هذه الخلافات من أجل مال زائل، خصوصاً أن النظام الإسلامي هو الوحيد الذي يولي الأسرة عناية واهتماماً للمحافظة على ترابطها وتماسكها.
وأضاف: لقد وضع الدين الإسلامي الحنيف قواعد محددة لتقسيم الميراث ولم يجعل ذلك للبشر حفاظاً على المحبة والتواد والترابط الأسري، وإزالة لأسباب الخلاف والشقاق الذي قد يقع بين الورثة بعد وفاة مورثهم، وعلى الرغم من كل هذا العدل الإلهي من رب العالمين، إلا أنه يبدو لنا في الكثير من الأحيان ظواهر غريبة لم يعرفها الأجداد ولا الآباء، تنبئ عن أن هناك خللاً ما، أدى إلى النزاع من أجل المال، رغم أن المال في الأصل هو وسيلة وليس غاية يسعى المسلم لتحقيقها، ومن تلك الظواهر أنه ما إن يوارى جثمان صاحب المال الثرى حتى يتحول الورثة وأبناء البطن الواحد إلى أعداء، يتخاصمون ويتقاتلون من أجل الميراث، وبعض الآباء يلجأ أحياناً إلى توزيع ثروته على أبنائه وهو لا يزال على قيد الحياة حتى لا تنقلب القربى إلى فرقى.
وأكد أن حب التملك والمال من زينة الحياة الدنيا التي فطر الله الإنسان على محبتها والرغبة في الاستئثار بها، لكن الدين الإسلامي هذب الإنسان وأحاط فطرته بسياج الوازع الديني، ومتى قل هذا الوازع أو غاب تولد لدى المسلم التساهل في تطبيق الأحكام الشرعية، ومنها أحكام الميراث، فانجرافه وراء حب المال وحب الدنيا وطول الأمل فيها يخسر مقابله ذوي القربى من الأهل والإخوان لأجل دراهم معدودة، سيرحل غداً ولن يأخذها معه بل ستذهب لغيره.

الوصية الواجبة
ومن جهته قال المحامي أحمد السبيعي: ليس هناك فرق بين قضايا الميراث للزوجات القطريات والأجنبيات في المحاكم والقانون يسري على الجميع، ولكن الجهل بالأمور القضائية وطول الإجراءات يطيل المدة خاصة للسيدات مثل قضايا النفقة والميراث وما غيرها خاصة لو كانت الزوجة أجنبية فيلجأ أولاده من الزوجة الأولى إلى تعطيل الإجراءات لكي ترضى بما خصصوه لها.
وأضاف السبيعي القضايا المتأخر الفصل فيها تمثل عدالة بطيئة لا ينتظرها المتقاضون، لأن العدالة البطيئة نوع من الظلم يتعارض مع فلسفة التقاضي، إلا أنه في كثير من الأحيان تحتاج بعض القضايا إلى وقت أكبر للفصل فيها حتى لا يتم إهدار معيار العدالة، كما أن هناك قضايا معقدة ومتشابكة، مثل بعض قضايا الميراث، بسبب مماطلة أحد المدعين، وعدم تعاون الخصم في التجاوب مع القضية.
ويشير إلى أن حركة النهضة التي تعيشها قطر وتزايد أعداد المقيمين ساهم في زيادة عدد القضايا التي تنظرها المحاكم، خاصة القضايا التجارية والمدنية وقضايا الأسرة لافتا إلى أهمية تفعيل دور المحامين في تسريع الفصل في القضايا والتخفيف عن المتقاضين، فضلا عن إنشاء مجمع كبير للمحاكم يضم جميع المحاكم بجميع درجاتها تسهيلا على المحامين والمتقاضين، وتعديل بعض الإجراءات للتيسير على المتقاضين، وفرض غرامات كبيرة على إساءة استخدام الحق في التقاضي وتعمد تمديد أجل الدعوة.
أن التربية لها الدور الأكبر في الحد من الخلافات على الميراث بين الأبناء، وتشمل التربية بالقول، والعمل، والممارسات، والسلوكيات، التي من شأنها أن تحدد مدى المحبة والتواصل أو الجفاء والتباعد بين الإخوة، خاصة بعد وفاة الأب، موضحاً أن أهم الممارسات الإيجابية تندرج تحت إطار التربية «بالقول» والتي تتم من خلال تقديم التوجيه، والنصح، والجلسات التربوية الحانية، التي تجمع بين الأبناء والبنات، وتوصيهم بالتقوى والأمانة، مع الحرص الدائم على الدعاء لهم في الغيب بأن يجمع الله كلمتهم ويؤلف بين قلوبهم، لافتاً إلى أهمية التحدث مع الأبناء البالغين وإشعارهم بالمسؤولية تجاه الأموال والممتلكات، وتعريفهم بالموجودات من الإرث، وطريقة التعامل معه التي جاءت مفصلة في الشريعة الإسلامية، مع التنبيه على الإسراع في توزيع الميراث، لأن التأخير غالباً ما يسبب بمشكلات كثيرة، مشيراً إلى أهمية الحرص على عدم تدخل أزواج البنات أو زوجات الأبناء في مسائل الميراث، وفي حالة تعدد الزوجات فإن مسؤولية تربية هؤلاء الأبناء تكون مضاعفة على الأب، إذ لا بد من الحرص على العدل والموازنة، وعدم التفضيل بين أبناء امرأة على أخرى، لأن هذا يوغر الصدور ويؤجج العداوات.

المحاكم الفيصل
وفي السياق ذاته قال المحامي محسن السويدي: إن معظم القضايا الموجودة على الساحة بالنسبة لقضايا الميراث تلجأ إليها الأسرة لسببين أولهما وجود قصر وتركات متعددة كبيرة وفي دول مختلفة عربية كانت أو أجنبية حتى تتمكن المحكمة من تخصيص جهات مختلفة لحصر تلك التركة وتعين شخص وصي على ميراث القصر أما السبب الثاني هو تعدد الزوجات فمن الطبيعي أن يختلف الأبناء من أب واحد خاصة إذا كانت الزوجة الأخرى أجنبية من دولة أخرى عربية كانت أو أجنبية فينتج عن الخلاف إسناد الأمر إلى المحاكم الذي يلجأ كل فريق إلى كافة السبل لعدم حصول الآخرين على ميراثه اعتقادا منة أن ذلك الميراث يخص والدة للزوجة الأولى فقط وأن الزوجات الأخريات ليس لهم حق في الميراث.
ويؤكد أن سبب تأخر القضايا في المحاكم القطرية يرجع إلى أن بعض المدعين ليس لديهم عنوان ثابت، ومن جهة أخرى فإن أكثر القضايا العالقة بالمحاكم هي القضايا الوراثية والتجارية بسبب تفاصيلها الكثيرة وقضايا التركات من أكثر القضايا انتشارا في منطقة الخليج والمعروفة بطولها في المحاكم بسبب مستجداتها الدائمة، وكثيرا ما تدخل فيها تفاصيل جديدة باستمرار ما يعرقل الفصل النهائي في مثل هذه القضايا، وهذه أسباب التأخير، وهناك نسبة %90 من القضايا يعود فيها التأخير لعدم وجود سير سلس لمجريات القضايا، بالإضافة إلى تباعد أماكن المحاكم المتفرقة هنا وهناك، وعدم وجود مجمع محاكم متكامل في مكان واحد.
وقال الخصومة في قضايا الإرث والدعاوى فيها بشكل عام من القضايا التي تتداخل وتتشعب وتتفرع فضلا عن أنها تحتاج إلى الكثير من الإجراءات والمخاطبات لإثبات الأملاك وتحديدها ومعرفة الأرصدة وخلاف ذلك من إجراءات مطولة تستغرق وقتا، وهو ما يجعل الدعاوى تطول في بعض الأحيان فضلا عن الطعن على الأحكام واستئنافها أمام محاكم الاستئناف ومن ثم أمام المحكمة العليا.
وأوضح أن تطبيق الوصية الواجبة من المتوفى لأحفاده سواء من الزوجة الأولى أو الثانية هي أهم شيء في الموضوع مشيرا إلى دور محكمة الأسر في إنهاء العديد من الخلافات في فترة زمنية قصيرة نظرا لسرعة البت في الموضوع.

الترابط الأسري
وأوضح الخبير التربوي عبدالله بلال مدير لجنة التقييم بحملة دلني: إن الترابط الأسري في ظل الوالدين أمر مسلم به، فوجود الوالدين أو أحدهما يمثل الرابط الفولاذي الذي يجمع أفراد العائلة، ويحافظ على تماسكها، ويحميها من الانفلات وهو المسؤول في معظم الظروف عن فض النزاعات وتهدئة النفوس بين الأشقاء مهما كبرت هذه الخلافات أو صغرت، وعند فقدان أحد الوالدين -غالباً الأب- يبدو هذا الرابط الأسري وكأنه مصنوع من خيوط العنكبوت، فترى إخوة الأمس أعداء اليوم، لا يتزاورون ولا يكلم بعضهم بعضاً، بل وقد يحيك أحدهم المكائد للآخر، متسائلة «لماذا تتغير أحوال وتصرفات الأبناء عندما يموت الوالدان؟»، وتظهر خلافاتهم ومشاكلهم العائلية أمام العامة، بل وتصل إلى المحاكم لتصبح قضايا مزمنة.
وأضاف بلال أن من يشاهد الصراع الذي يحدث مع بعض أبناء الأسرة الواحدة والعداوة التي تنشب بين أفرادها لا يتصور أن هؤلاء كانوا في يوم من الأيام متماسكين ومترابطين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، بل إن الكثير من الأبناء يتبادلون فيما بينهم الملابس والمقتنيات الشخصية مع بعضهم، وقد لا يتخيل أي منهما لحظة واحدة أن تصل العداوة إلى قلوبهم ويصلوا إلى حد الجفاف والكراهية.
وأشار إلى أن السبب الأول والمهم هو وجود أخطاء تربوية قد تكون في بعض الأحيان «عفوية»، لعل من أهمها التفرقة بين الأبناء كتفضيل أحدهم على الآخر أو تفضيل الولد على البنت، وهذا الخطأ بذرة الكره الأولى التي يبذرها الوالدان أو أحدهما في نفوس أبنائهما، وهم لا يدركون خطورة هذا الشيء في المستقبل، وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من التفرقة في المعاملة حتى القبلة إذا قبلت أحد الأبناء لا بد أن تقبل الآخر مثله، وهي من الأمور البسيطة التي لا يفطنها إلا العاقل من الناس كيف بالأمور الأخرى، مضيفا: «ما نستقبله من خلال الاستشارات التي تمر علينا كمستشارين تربويين واجتماعيين في بعض الحالات يتعلق بمسألة تفضيل الولد عن البنت في كثير من العوائل أو تفضيل الابن البكر، حتى لو مات الوالدان نجد الابن هو صاحب التصرف وصاحب السلطة، والسبب من المؤكد تصرف الوالدين في حياتهما منذ صغره وتدليله، وعندما يكبر توكل له المهام والتصرف التام، فيصبح هو المسؤول الشرعي عن الوالدين، وتعطى له الوكالة الشرعية، وهذا ما يساعده في التصرف بالميراث، ويعطيه الحق في حرمان إخوانه وأخواته من الحق الشرعي لهم، ومن هنا بعد موت الوالدين تنشأ المشاكل والصراعات والوصول للمحاكم من أجل الميراث».