المُشرك يُصاب بلَوْثة في عقله فلا يُميِّز بين الحقِّ والباطل ولا يفرِّق بين الهُدى والضلال

alarab
باب الريان 08 أغسطس 2011 , 12:00ص
في مواجهة المُتَسلِّطين: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) ماذا يفعل الضعفاء الذين لا يملِكون القَّوة في مواجهة المتسلِّطين؟! ماذا يفعل الإنسان العاجز الذي ليس معه سلاحٌ ماديّ أمام الإنسان المتجبِّر الذي لا يخشى خالقًا ولا يرحم مخلوقًا؟! تدخُّل القدر الإلهي: هنا يتدخَّل القدر الإلهي. هنا يأتي قولُ الله تعالى: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) لا يظنُّ هؤلاء الطغاة والظلمة والمستكبرون في الأرض بغير الحق أنَّ الأرض خَلَتْ لهم، وأنهم يستطيعون أن يفعلوا ما يشاؤون. هناك مملكةٌ لها مَلِكٌ يحكمها. هذا الملك لا يمكن أن يَدَعَ الظلمة يستبُّدون بالخلق ويفعلون ما يشاؤون، إنه يُمهلهم ولا يهملهم. كما قال عزَّ وجل: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [الأعراف:182، 183]. (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:44،45]. وقوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) لها دلالة عميقة في هذا المقام: الله رب العالمين المدبِّر لهذا الكون. لا يمكن أن يدع المتألِّهين في الأرض يعملون ما أرادوا. قد يُمهلهم فترةً من الزمن ثم يأخذهم أخذ عزيز مُقْتدر. كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ» قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود:102]. ولذلك نزل الوحي الإلهي أمام هذا الوعيد، وهذا التَّهديد من هؤلاء القوم: (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا)، لم يدعهم ربُّهم، ولا يمكن أن يَدَعَهُم. في الساعة الحاسمة يأتي لطف الله، ويأتي قدر الله، كما قال سيدنا موسى حينما وجد البحر أمامه، والجند وراءه وقال أصحاب موسى: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) [الشعراء:61] سيدركنا فرعون: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) [الشعراء:63]. عندما تشتدُّ الأزمة تنفرج، عندما يَحْلَوْلك الليلُ وتشتد ظلماته ينبثقُ الفجرُ. هلاك الظالمين: (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)، الظالمون كانوا يُؤكِّدون: (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) بهذا التأكيد والتشديد. ولكن هناك تشديدٌ وتوكيدٌ ممَّن يملك أن يقول للشيء كن فيكون. الظلم مُؤْذِنٌ بهلاك أصحابه. طبيعة الظلم أنه يُدمِّر، وطبيعة العدل أنَّه يُعمِّر. حتى قالوا: إنَّ الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة، ويُهلك الدولة الظالمة ولو كانت مسلمة. لو كان أصحابها مسلمين يقولون: لا إله إلا الله، ولكنهم ظَلَمَة طُغَاة جبَّارون في الأرض، ينتهكون حُرُمات الناس، ويستحلُّون دماء الناس، ويستبيحون أموالهم. ربنا يهلك دولتهم الظالمة. فالظلم لا بقاء له, قد يستمرُّ زمنًا، ولكن لا بدَّ من نهاية له. نهايته الهلاك والدمار كما قال تعالي: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا) [النمل:52]، (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا) [الكهف:59] لا بدَّ من زوال دولة الظلم. إنما متى؟ فئةٌ من الناس تصبر حتى يأتي الموعد المُحدَّد، وفئةٌ تستبعد وتيأس. المؤمن لا ييأس أبدًا، ويعلم أنَّ ظلم الظالم لا يدوم أبدًا، لأنَّ عدل الله يأبى ذلك. (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ)، وقد أهلك الله الدول والقبائل والشعوب التي ظلمت. هؤلاء ظلموا أنفسهم، وظلموا رسلهم، وظلموا المؤمنين معهم، وظلموا الحقيقة حينما عبدوا ما لا يجوز عبادته، حينما أشركوا بالله ما لم ينزِّل به سلطانًا. كما قال لقمان لابنه: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان:13]، هؤلاء ظلموا، ظلموا من أكثر من وجه. سُنَن الله الثابتة: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) هذه قوانين من قوانين الله عزَّ وجل، وسُنَّةٌ من سُنن الله الثابتة التي لا تجدُ لها تبديلاً، ولا تجد لها تحويلاً. هلاك الظالمين المستكبرين المعتدين على حدود الله وحُرُمات النَّاس هذه حقيقة، وإسكان المؤمنين الأرض من بعدهم (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) كما قال سبحانه: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأعراف:137]. سُنَّة التداول: هذا صنع الله عزوجل: تبديلُ الأدوار. والدهر يومان: يومٌ لك ويوم عليك. سُنّة يسمِّيها القرآن سنَّة التداول، أو مداولة الأيام بين الناس (دوام الحال من المُحَال)، فبينما قومٌ مرتفعون إذا بهم ينخفضون، بينما قوم أقوياء إذا بهم يضعفون، والعكس بالعكس. (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)[آل عمران:140] هذه سُنَّة التداول، تداول الأيام بين الناس، الله سبحانه غيَّر الأوضاع. الذين كانوا يهُدِّدون بالإخراج من الديار (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا) مع أنَّ الأرض مشتركةٌ بين الجميع، وإنما ادَّعوا أنَّ الأرض أرضُهم هم، وأنَّ هؤلاء لا حقَّ لهم فيها، كأنَّهم دُخَلاء عليها، مع أنها أرضهم، مثلهم تمامًا. غيرَّ الله سبحانه الأدوار فأصبح هؤلاء هَلكى ولم يعودوا إلى هذه الأرض، وأصبح المُهدَّدون هم الوارثين كما قال عزَّ وجل: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ) [القصص:4-6]. الله سبحانه يقول: (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) سُكنى الأرض من بعد أولئك الظلمة المتجبِّرين المهدِّدين للمؤمنين المُسْتضعفين. الوارثون للأرض: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي) مَنِ الذينَ يرثونَ الأرض؟ هم الصَّالحون كما قال عزَّ وجل: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء:105] فعبَّر الله سبحانه عن هؤلاء العباد الصالحين: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) لأنه لا يخاف مقام الله إلا الصَّالحون والمُتَّقون. (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى)[النازعات:40،41]، (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن:46]. وراثة الأرض، وسُكنى الأرض، والتَّمكُّن في الأرض بعد هلاك الظالمين، وبعد أن تزولَ دولتهم، ويزولَ سلطانُهم. هذا لمن خاف مقام الله وخاف وعيده. أي: هو للمؤمنين الصَّالحين الذين يستحقُّون أن يرثوا الأرض، لأنهم لا يريدون أن يعيثوا فيها فسادًا: (لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا)[القصص:83]، لا يريدون أن يعلوا على الناس ويستكبروا عليهم. هذا هو شأن المؤمنين الصَّالحين, حينما يأتي لهم الملك والسلطان ليس لهم هدف شخصيّ في أنفسهم. بعضُ الناس إذا أتاه الملك أو مكَّن له في الأرض يريد أن يخفضَ ويرفع ويعزَّ ويذل، وأن يستمتع بالشهوات ويكرع اللذات ما هكذا يريد المؤمنون. المؤمنون قال الله فيهم: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ)[الحج:41]، ولذلك قال: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) لماذا ذكر الخوف هنا ولم يذكر الرجاء؟ والقرآن عادةً يُزاوج بين الخوف والرجاء: (يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ)[الزمر:9]، (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ)[الإسراء:57] لأنَّ سياق الآيات في حالة الطغيان والتَّمادي في معصية الله، فالخوفُ هو العلاج. والرجاء هنا ليس مطلوبًا. كما يذكر الله سبحانه أحيانًا النُّذر: (إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ)[هود:12]، (وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)[القمر:4،5] لا ينفع التبشير هنا، المطلوب هنا الإنذار والتخويف. أهمية الخوف: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي) الخوف هو الذي يدفع الإنسان إلى عمل الخيرات وترك الشرور، وإلى سلوك سبيل المؤمنين والابتعاد عن سبيل المُكذِّبين, سبيل الطغاة والشياطين. كما قال تعالى: (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)[البينة:8]، (وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)[الرعد:21]. الوعد والوعيد: (وَخَافَ وَعِيدِ) أي: خاف وعيدي. يخافُ وعيدَ الله. كما يرجُو وَعْدَ الله. الله يَعِدُ المؤمنين بالمثُوبة في الدنيا والآخرة، وبالجنَّات والرِّضْوان يوم يَلْقَونَهُ. ويُوعِد المسيئين والمُكذِّبين بعقوبته في الدنيا والآخرة، وبناره المُوقَدَة، وبما أعدَّ لهم من عذابٍ شديد. هذا هو الوعيد. الوعد غالبًا ما يكون في الأمور المحبوبة، والوعيدُ في الأمور المخوفة. وقد يذكر الوعد في هذا وهذا: (النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)[الحج:72] من الذين طلبوا النَّصر والفَصْل بينهم وبين خصومهم؟ (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) ما معنى الاستفتاح؟ الاستفتاح: طلب الفتح أي: النَّصر، أو طلب الفتاح، يعني: الفصل والحكم بيننا وبين أعدائنا. من الذي استفتح؟ هل الرسل الذين استفتحوا، أي: طلبوا الفتح والنصر من الله على أقوامهم؟ احتمال. أم هم المُكذِّبون الذين قالوا لرسلهم: (لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا) هم الذين طلبوا الفتح والنصر؟ احتمال أيضًا. هؤلاء الكافرون كثيرًا ما تُسِوِّل لهم أنفسُهم أنَّهم على الحق، من طول ما أمهلهم الله عزَّ وجل سَخِروا من الرسل واستهزؤوا بدعوتهم وآذوهم وآذوا أصحابَهم المؤمنين. والله سبحانه وتعالى لا يُعاجلهم بالعقوبة. يَجْترؤون على الله ويَحْلُم الله عليهم. إهمالُ الله للظالمين: هذا من عجائبِ عَظَمةِ الله عزَّ وجل. فهذا أحيانًا يُطْغيهم، ويُخيّل إليهم أنهم على حق. ولذلك قال قوم نوح: (فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[هود:32]، وقال قوم شعيب: (فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[الشعراء:187]، وقال قوم محمد صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[الأنفال:32] وقال أبوجهل يوم بدر: اللهَّم أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه، فأحِنْه الغداة. أبوجهل يظن أنه أوصل للرحم من محمد، وأقرب إلى الحق من محمد. تزيين الأعمال السيِّئة للكافرين: هؤلاء الناس يُخيَّل إليهم أحيانًا، ويُزَيَّن لهم سوء عملهم ويرونه حَسَنًا:(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ)[فاطر:8]، (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الكهف:104]. ترى الرجل على الباطل ويُخيَّل إليه أنه على الحق، هذا ما نراه في حياتنا. بوش يحارب المسلمين ويعتقد أنه مبعوثُ العناية الإلهية. ويقول: ربِّي أمرني أن أحارب في أفغانستان، ربِّي أمرني أن أحارب في العراق كأنه نبيٌّ يُوحى إليه. نتيجة الاستفتاح للكافرين: هؤلاء الكافرون طلبوا الفتح على الرُّسل. وجاء الفتح ليس -على ما يظنُّون- جاء الفتح من الله بنصر الحقِّ وخُذْلان الباطل، بإزالة دولة الباطل، وإقامة دولة الحق والإيمان. (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، كان من نتائج هذا الاستفتاح: خيبْةُ كل جبَّار عنيد، خيبة هؤلاء الكفار. والعلماء يقولون: هذا إظهار في مقام الإضمار. يريد أن يُبيِّن لنا صفتهم. هؤلاء الذين خابوا هم الجبابرة المعاندون للحق. الخيبة والخائبون: الخيبة: هي فَوْت المطلوب، ألا يُدرك الإنسانُ ما يريده، أن يتحقَّق له عكس ما يريد. يريد النصر فتأتي الهزيمة، يريد النجاح فيأتي الفشل، يريد الربح فتأتي الخسارة. هذه الخيبة. كما يقولون: (أطال الغَيْبة وأتي بالخَيْبة) خيبة الله على هؤلاء الكفرة. القرآن ذكر الخيبة لعدّة أناس. قال: (وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى)[طه:61]، (وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)[طه:111]، (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)[إبراهيم:15]، (وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)[الشمس:10]. المتجبِّرون في الأرض: من الجبَّار؟ المُتَّصف بالجَبَروت، وهذه من صفات الله وأسمائه: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)[الحشر:23] الجبروت والتكبُّر صفةُ مدْح بالنسبة إلى الله عزَّ وجل. ولكنها صفة ذمّ بالنسبة للخلق. الإنسان يذمُّ إذا كان جبَّارًا. الله جبَّار يظهر القوَّة والتَّعالي على الظلمة والطغاة ويأخذهم أخذًا أليمًا شديدًا، هذا جَبَروتٌ في محله. وهو المتكبِّر على هؤلاء المتعالي عليهم. وأما الإنسان فلا ينبغي له أن يكون جبارًا ولا متكبِّرًا. الأنبياء ليسوا جبابرة: ولذلك قال تعالى لرسوله: ( نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ)[ق:45]، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ)[الغاشية:21،22]، وقال عن سيِّدنا يحيى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا)[مريم:14] وقال المسيح عليه السلام حينما أنطقه الله بالمهد صبيًا: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا)[مريم:32]، سيِّدنا موسى حينما استغاثه رجلٌ من شيعته على رجل من عدِّوه: (فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ)[القصص:15] ولمَّا استغاثه الرجل مرة أخرى: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ)[القصص:19] الجَبَروت في الأرض ليس من شأن المصلحين: الجبابرة طُغاة مُسلَّطون على عباد الله. ولذلك حَكَمَ الله تعالى عليهم بالخيبة: (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ). الراغب الأصبهاني يقول: الجبَّار من الخلق من عنده نقيصة يُخْفيها يريد أن يجبرها بالتَّعالي على غيره، بادِّعاء ما ليس عنده. الإنسان فيه عَيْبٌ، يريد أن يستر العيب، يظهر نفسه عظيمًا قويًا مقتدرًا ولذلك تجد الجبابرة جميعًا عندهم نقائص خفيَّة يعرفها المخالطون لهم. (وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) الله سبحانه ذمَّ قوم هود، فقال: (وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)[هود:59]. الوقوف في وجه الجبابرة المعاندين: الله يذُّم الشعوب التي تَتَّبع الجَبَابرة وتسير في ركابها وتحْرِقُ البخور بين أيديها، كما شاع على ألسنة بعض الناس: (الذي يتزَّوج أمي أقول له: يا عمي. إذا كان لك عند الكلب حاجة فقل له: يا سيدي) هذا هو الذي يُضيِّع الأُمم. يجب أن تقف في وَجْهِ الجبابرة، وفي الحديث الشريف: «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد تُوُدِّع منهم». عذاب الجبَّارين المعاندين: (مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) ولكنَّ الشيء الذي يشربه أشدُّ من العطش. يُعاقَبُ بما هو أشد: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) لا يقدر على بلعه من شدَّة حرارته ومرارته. (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) يأتيه الموت من يمين وشمال، يأتيه من أمام ومن خلف، يأتيه من فوق ومن تحت، تأتيه أسباب الموت. (وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) لو مات لاستراح، ولكنَّ الله سبحانه لا يريد أن يُريحَه، هذا الذي آذى رسله في الدنيا، وآذى المؤمنين معهم. هؤلاء الذين ارتكبوا الموبقات، هؤلاء الذين اقْترفوا السيئات، هؤلاء الذين فعلوا الأفاعيل لا بدَّ أن يثيبهم الله جزاء ما فعلوا: (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) [الكهف:49] الآخرة لا موتَ فيها: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) لأنَّ الآخرة لا موت فيها: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى)[الدخان:56] صَوَّر الرسول صلى الله عليه وسلم الموت بمعنى من المعاني: «يُؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد: يا أهل الجنَّة، فَيَشْرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلُّهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فَيَشْرئبون وينظرون، فيقول: وهل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت»، كما قال تبارك وتعالى: (وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى* الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى* ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى) [الأعلى:11-13] لا هو ميت فيستريح، ولا يحيا حياة يستحق أن تعاش. أوصاف العذاب في الآخرة: (وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) ينتظره فوق ذلك عذابٌ غليظ. الله سبحانه وصف عذابَ الآخرة بعدَّة أوصاف، أحيانًا: (عَذَابٌ أَلِيمٌ) [البقرة:10]، (عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ )[الحج:55]، (عَذَابٌ شَدِيدٌ)[آل عمران:4]، (عَذَابٍ غَلِيظٍ)[هود:58]. كلُّها أوصافٌ لهذا العذاب بجهةٍ من الجهات، نسأل الله أن يَقِينا عذابه، وأن يجعلنا من أهل النعيم. مَثَلُ أعمال الكفار: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) ثم قال تعالى ضاربًا المَثَل بأعمال الكفار، الأعمال التي يمكن أن توضَعَ في قائمة الخير. قد يُطْعِم الكافر جائعًا، قد يغيثُ ملهوفًا، قد يفعل خيرًا للناس، قد يبذل بعض المال للناس. ما نتيجة هذه الأعمال التي لم تؤسَّس على أساس مكين؟ بنيانٌ ولكن بُنَي على الرمال!! يقول الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ). القرآن يضرب الأمثال لتوضيح الحقائق: المعقول يُظهره الله سبحانه في صورة المحسوس حتى يكون واضحًا بين الناس: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ)[البقرة:261]، (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا)[البقرة:264]، (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم:24] يضرب الله الأمثال ليوضِّح لنا الحقائق حتى تكون جليَّة أمام الأعين، واضحة أمام العقول. فهنا يضرب لنا مثلاً بأعمال الكفار التي لم تُبْنَ على أساس إيمانيٍّ بالله. ما مصير هذه الأعمال يوم القيامة؟ (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ) كفروا بالله وعملوا أعمالاً طيّبة. يقول تعالى: (أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ) أصل الرماد: ما يكون من أثر احتراق الشيء، والمقصود هنا: الرمل والتراب. (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) يوم من الأيام العاصفة التي تقتلع بها الأشجار وتقع أعمدة الكهرباء. في الأمس حدث إعصار في لندن أوقع هلعًا هائلاً. (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) بعثر هذا الرماد وذرَّاه في كلِّ ناحية فجعله هباءً منثورًا. (لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) لا يستطيع الكفار أن يحصلوا منه على أيِّ شيء، (ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ). لماذا لا يكافئ الله الكافرين على أعمالهم الخيِّرة؟ لأنها فقدت شرط القبول. شروط قبول العمل: الأعمال لا تقبل عند الله إلا بشروط, حتى العمل من المسلم. المسلم لا يقبل عمله إلا بشرطين: الإخلاص لله، وأن يكون عمله على السُّنَّة على المنهج الشرعي. لما سُئل أبوعلي الفُضَيل بن عياض عن أحسن العمل؟ قال: أحسن العمل: أخلصه وأصوبه، قيل له: ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إنَّ الله لا يقبل العمل ما لم يكن خالصًا صوابًا، فإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وخلاصُهُ: أن يكون لله، وصوابه: أن يكون على السنة. على المنهج