

في لحظة ثقافية فارقة، تُوجت الكاتبة والباحثة القطرية شمة شاهين الكواري بجائزة الدولة التقديرية في الآداب، لتضيف محطة جديدة إلى مسيرة إبداعية وفكرية امتدت عبر الرواية، وأدب الطفل والناشئة، والدراسات الفكرية والثقافية، والبحث الأكاديمي. غير أن هذا التكريم، كما تؤكد الكواري، لا يمثل نهاية رحلة، بقدر ما يشكل بداية مرحلة جديدة من المسؤولية الفكرية والإبداعية.
في هذا الحوار، الذي تنشره صحيفة «العرب» على جزءين، أكدت الكاتبة والباحثة القطرية شمة شاهين الكواري أن التكريم يمثل شرفاً كبيراً ومسؤولية مضاعفة، معتبرة أنه لا يشكل نهاية لمسيرتها الإبداعية، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب مزيداً من العطاء. وفي الجزء الأول من حوارها مع «العرب»، تتحدث الكواري عن أبرز محطات تجربتها الأدبية والفكرية، ومشروعها المعرفي، ورؤيتها للعلاقة بين الشرق والغرب، ودور الأدب في بناء الوعي والهوية.
وكشفت الكواري، التي تعد من أبرز الأصوات الأدبية والثقافية في قطر، عن ملامح مشروعها الفكري الذي يتقاطع فيه الأدب مع البحث العلمي وإلى التفاصيل:
◆ بداية ماذا يعني لكِ الحصول على جائزة الدولة التقديرية في الآداب؟ وهل تنظرين إليها بوصفها تتويجًا لمسيرة طويلة أم بداية مرحلة جديدة في مشروعك الثقافي؟
¶ يمثل حصولي على جائزة الدولة التقديرية في الآداب شرفًا كبيرًا ومسؤولية أكبر، خاصة وأن هذا التكريم جاء من مقام سيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وبما يحمل ذلك من اعتزاز وفخر وقيمّ ودلالات معنوية ووطنية خاصة، وهو ليس مجرد تكريم شخصي وإنما تقدير من الوطن لمسيرةٍ آمنت فيها بأن الثقافة والأدب من أهم وسائل بناء الإنسان والمجتمع. ولقد جاء التكريم من دولة آمنت بإن الثقافة جزء أصيل من مشروعها الحضاري، وهو ما يمنحني دافعًا للاستمرار في العطاء، ويجعلني أكثر حرصًا على أن يكون إنتاجي على مستوى هذه الثقة.
وبالنسبة للشق الثاني من السؤال، ففي الحقيقة أراها الأمرين معًا؛ فهي تتويج لمسيرة امتدت سنوات طويلة من البحث والقراءة والكتابة والعمل الثقافي، وهو في الوقت نفسه بداية مرحلة جديدة تتطلب مزيدًا من النضج والعمق.
◆ عندما تستعرضين تجربتك اليوم، ما أبرز المحطات التي قادت إلى هذا التكريم؟
¶ أعتقد أن المسيرة الأدبية تُبنى على تراكم طويل من الخبرات والتجارب، إلا أنه وفي مرحلة من المراحل، مررتُ بتجربة الدراسة الاكاديمية من خلال التحاقي بالدراسات العليا لدراسة ماجستير السياسات العامة في جامعة حمد بن خليفة، في الوقت نفسه الذي أنا فيه أم وربة أسرة مسؤولة تهتم بتربية وتنشئة وتعليم أبنائها بشكل كامل، ثم أنني موظفة يتوجب عليها القيام بمهامها الوظيفية، ولعل تمكني من التوفيق والموازنة بين جميع هذه المسؤوليات الجليلة وبنجاح كبير، من خلال اتباعي فقه الأولويات وتقديم الأهم والأولى، وتحقيق التوازن والقيام بكافة المسؤوليات دون افراط، والذي أثمر في النهاية في النجاح بتفوق في دراستي وحصولي على ماجستير السياسات العامة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى وما تلا ذلك من تكريم بالتفوق العلمي، هي واحدة من أبرز المحطات في حياتي الشخصية والتي أثرت بعد ذلك على مسيرتي الكتابية وبناء مشروعي الفكري..
أما على صعيد الكتابة السردية، فلعل واحدة من أبرز المحطات في مسيرتي الكتابية، هي رواية: «ألقاك بعد عشرين عامًا»، وروايتا: «الظل والضوء»، و «في ذاكرتي مكان - الجذور»، والأخيرتان تكمن أهميتهما في قدرتي على الاستفادة من دراستي الاكاديمية والأبحاث التي أجريتها، وتوظيف المصادر التاريخية والذاكرة الشفوية في إعادة بناء التفاصيل الاجتماعية والثقافية في قالب علمي وإبداعي متماسك، وبالتالي استطعت معالجة النص التاريخي غير المدون وحولته إلى سردية روائية تعكس ثقافة المجتمع القطري ؛ أما «رواية شاهين – مجرة الحجر الأزرق» فهي التي ولجت فيها عالم الكتابة لليافعين والتي فزتُ فيها بجائزة الدولة لأدب الطفل، لذا أعتبرها محطة أدبية فارقة، أعتزُ بها.
◆ هل ترين أن الجائزة جاءت تقديرًا لعمل بعينه أم لمجمل مشروعك الأدبي والفكري؟
¶ أرى أنها جاءت تقديرًا لمجمل المشروع الأدبي والفكري، بل والأكاديمي والنشاط الفكري والمجتمعي، لأن تجربتي لم تقتصر على كتابة الرواية، بل امتدت إلى الكتابة في أدب الطفل والناشئة، وإلى البحث الثقافي والفكري، والدراسة الاكاديمية، ناهيك عن العمل التطوعي والمشاركة في النشاط الثقافي العام.
◆ ماذا يمثل هذا الإنجاز للمرأة القطرية العاملة في مجالي الأدب والفكر؟
¶ هذا الإنجاز ليس إنجازًا فرديًا بقدر ما هو تأكيد لما وصلت إليه المرأة القطرية من حضور فاعل في ميادين الثقافة والفكر. فقد أثبتت المرأة الكاتبة القطرية قدرتها على المنافسة والإبداع، وأصبحت شريكًا حقيقيًا في صناعة المشهد الثقافي محليًا وعربيًا.
◆ هل تضاعف الجوائز من مسؤولية الكاتب تجاه مجتمعه؟
¶ بلا شك. فكل جائزة حقيقية تزيد من مسؤولية الكاتب ولا تخففها. فالكاتب بعد التكريم يصبح أكثر التزامًا تجاه قارئه ومجتمعه، وأكثر حرصًا على أن يكون إنتاجه على مستوى الثقة التي مُنحت له. لذلك أؤمن أن الجوائز ليست نهاية الطريق، وإنما هي بداية لمرحلة تتطلب مزيدًا من الاجتهاد والصدق والاستقلال الفكري، والحرص على أن تبقى الكتابة وسيلة لبناء الوعي وخدمة الإنسان.
◆ بعد هذا التكريم، ما الذي تسعين إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة؟
¶ لدي عدد من المشاريع التي أسعى إلى إنجازها، في مقدمتها استكمال مشروعي الروائي والفكري، والتوسع في الكتابة التي تجمع بين الأدب والفكر، وتقديم أعمال جديدة تعالج قضايا الإنسان والهوية والحضارة بلغة أدبية عميقة وقريبة من القارئ في الوقت نفسه. كما أتطلع إلى أن تصل مؤلفاتي إلى شريحة أوسع من القراء داخل العالم العربي وخارجه وأن تحظى بالترجمة للغات العالمية الحية.
◆ يلاحظ في أعمالك حضور دائم لقضايا الهوية والوعي والحضارة، فهل هناك مشروع فكري يجمع بين مؤلفاتك المختلفة؟
¶ نعم، ويتدخل في ذلك طبيعتي الشخصية، واهتمامي بالعلم، ولعل أعمالي المنشورة تكشف عن مشروع فكري متصل يتجاوز حدود السرد الأدبي إلى الإسهام في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق التحولات الاجتماعية لدولة قطر.
وإذا ما تأمل القارئ مؤلفاتي سيجد أن هنالك خيطًا فكريًا يربط بينها جميعًا، يتمثل في التحقق من القيم وترسيخ الهوية، والدعوة إلى الوعي وبناء الشخصية، والتحقق من التوازن الجامع بين الأصالة والانفتاح.
علم الاستغراب
◆ جاء كتاب «العلاقة بين الشرق والغرب.. علم الاستغراب» بعد تجربة طويلة في الكتابة الإبداعية، فما الذي دفعك إلى هذا المسار الفكري؟ ولماذا اخترتِ «علم الاستغراب» تحديدًا؟
¶ أنا قارئة نهمة بطبيعتي وقد اتضحت معالم ذلك عليّ من البداية، حيث بدأت مشوار القراءة منذ أن كنت في التاسعة، بينما بدأتُ في مشوار الكتابة الروائية لما كنتُ في الحادية عشرة، ومنذ ذلك الزمن لم أنقطع عن أي منهما. وأنا التي لطالما آمنتُ بأنه لكي أتمكن من الكتابة ساعة واحدة في اليوم فإنه يتوجب عليّ قبلها القراءة لساعات في فترات طوال متفرقة. وهكذا فإنني لطالما انفتحت على القراءة الواعية وفي جميع المجالات طوال سنين عمري، كما أنني وبطبيعتي إنسانة نهمة للدراسة مقبلة على العلم والتعليم، وفي مرحلة من حياتي لم أكتف بالحصول على البكالوريوس، بل أقبلتُ على الدراسة سواء من خلال الالتحاق بالدورات المطروحة أو حضور الندوات في المعاهد الفكرية والشرعية أو من خلال الالتحاق بجامعة حمد بن خليفة لاستكمال الدراسات العليا، لذا جاء كتاب «العلاقة بين الشرق والغرب.. علم الاستغراب» ثمرة طبيعية للحصيلة الفكرية والمسيرة العلمية التي انتهجتها في حياتي
◆ كيف يمكن للعالم العربي أن يستفيد من دراسة الغرب بصورة علمية؟ وهل ما زالت صورة الغرب في الوعي العربي بحاجة إلى مراجعة؟ وكيف تصفين العلاقة بين الشرق والغرب في ظل التحولات العالمية الراهنة؟
¶ هذه أسئلة كبرى في مجموعها، وأرجو في أن أكون قد وفقت في الإجابة عنها من خلال الكتاب، وفي العموم لا يمكن لأي أمة أن تنهض وهي تجهل العالم الذي تعيش فيه، وأرى حتمية دراسة الغرب بصورة علمية تمكن من فهم أسباب تطوره، وآليات صناعة المعرفة فيه، ونظام مؤسساته، وتجربته الحضارية.
أما بشأن الحاجة إلى مراجعة صورة الغرب في الوعي العربي، فبالتأكيد هذه حاجة قائمة، وما زالت كثير من الصور المتداولة عن الغرب مبنية على الانطباعات العامة أو التجارب الجزئية، بينما هي في الواقع أكثر تعقيدًا وتنوعًا، فالغرب ليس كتلة واحدة كما أن الشرق ليس كيانًا متجانسًا.
وبالنسبة لسؤالك الأخير، فأعتقد أن العالم يتجه اليوم إلى مرحلة تتزايد فيها المصالح المشتركة والتحديات العابرة للحدود، وهو ما يجعل الحوار بين الحضارات أشدّ ضرورة من أي وقت مضى.
◆ هل ما زالت الصور النمطية تحكم نظرة كل طرف إلى الآخر؟
¶ نعم، ما زالت الصور النمطية تؤثر في نظرة الشرق إلى الغرب، كما تؤثر في نظرة الغرب إلى الشرق، وإن كانت بدرجات متفاوتة عما كانت عليه، ثمّ لسوف تبقى كذلك، ما لم يتمّ بث الوعي في الجهتين. وغالبًا ما تُبنى هذه الصور على الإعلام أو المواقف السياسية أو هي المعرفة الجزئية والتأثر العاطفي بالخطابات السائدة، لا على الدراسة والعلم والوعي وانتشار المعرفة الصحيحة.