جميلة آل شريم في حوار لــ العرب : الفن التشكيلي القطري يتسم بالرصانة والأصالة

alarab
المزيد 08 يوليو 2024 , 01:13ص
محمد عابد

 

أكدت الفنانة والناقدة التشكيلية الدكتورة جميلة إبراهيم آل شريم أن حركة الفن التشكيلي القطري المعاصرة تتسم بالرصانة والأصالة بفضل الاهتمام الرسمي من مؤسسات الدولة وخاصة متاحف قطر بقيادة سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني رئيس مجلس أمناء متاحف قطر، ورعايتها للمواهب الإبداعية الجدد وتشجيعهم على متابعة مسارهم الفني مما دفع لظهور تيارات واتجاهات متنوعة، كذلك المشاريع الفنية التي أسهمت بشكل كبير في الكشف عن ملامح الحركة التشكيلية المعاصرة في قطر.
وقالت في حوار خاص لــ « العرب « بمناسبة حصولها على درجة الدكتوراة من جامعة ماديسون استييت بالولايات المتحدة الأمريكية في النقد الفني، إن الفن التشكيلي في قطر يتكئ على تاريخ ممتد ساهم في إيصال الفن اليوم الى ما هو عليه الآن مع رصد تحولات ومعالم المشهد التشكيلي القطري المعاصر بأطيافه وتجاربه البصرية ومحطات تطوره وأجياله التي واكبت المتغيرات وسجلت حضورها الإبداعي وارتقت بالثقافة التشكيلية، وأسهمت في تعزيز الوعي الجمالي ورسخت الحضور الإبداعي القطري بفاعلية على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية والتعريف بالرقي الإبداعي القطري.
 وأوضحت أنها حصلت على الدكتوراة عن دراستها « التاريخ الفني والثقافي القطري وأثره في نقد جماليات الأعمال التشكيلية من الحداثة إلى المعاصرة» منوهة بإدراك أهمية تراث قطر الثقافي في تاريخها الفني.
 وإلى تفاصيل الحوار.....

◆ في البداية نود التوقف على دراسة التاريخ الفني والثقافي القطري وأثرها في نقد جماليات الأعمال التشكيلية من الحداثة إلى المعاصرة؟
¶ اهتم منهج البحث والنقد في هذه الدراسة بتاريخ بروز الفن التشكيلي في قطر منذ الفنان القديم الذي بدأ بالزخارف في المساجد والسفن التقليدية وغيرها، وحتى الفنان اليوم مع تحولات ومعالم المشهد التشكيلي القطري المعاصر بأطيافه وتجاربه البصرية ومحطات تطوره وأجياله التي واكبت المتغيرات وسجلت حضورها الإبداعي وارتقت بالثقافة التشكيلية، وأسهمت في تعزيز الوعي الجمالي، ورسخت الحضور الإبداعي القطري بفاعلية على جميع المستويات المحلية والإقليمية والدولية والتعريف بالرقي الإبداعي القطري. والتي تجمع بين الأصالة والعالمية في آنٍ واحد إزاء مواضيع رئيسة عن الفن المعاصر وفي سياق تفاعلهم مع تيارات فنية عالمية.

قطر مصدر إلهام الفنانين
أما عن أثرها في نقد جماليات الأعمال التشكيلية من الحداثة إلى المعاصرة، فحين شرعت في جمع المعلومات لاحظت حقيقة وقيمة المعلومات والأفكار المتصلة في تبني قيم الجمال الحديث، فهي قضية الاتصال بين الإنتاج الإبداعي وبين مرجعياته وأثره في إدراك أهمية تراث قطر الثقافي في تاريخها الفني. ومن هنا نستطيع القول إنه ليس هناك صورة فنية تخلو من مرجعية لتدعيم حججها الجمالية وان تباينت مستويات هذا التأثير أو قلت في النص الفني، ولا ننسى القاسم المشترك بين فناني قطر هو حنينهم الى البحر والصحراء والذاكرة الشعبية وتعلقهم بطبيعة وتاريخ بلادهم بوصفها المصدر للصور الجمالية الأكثر حضورا وتأثيرا في تكوين الخطاب الجمالي في العمل الفني، مما أدى إلى الاحتفاظ بكل مقومات الشخصية القطرية.

◆ نود التعرف على أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة العلمية؟
¶ أظهرت الدراسة تطور الحركة التشكيلية في قطر كنشاط ذهني يواجه سرعة التأثر والتأثير بالإضافة الى جغرافيتها وأهميتها الاستراتيجية سياسيا وثقافيا واجتماعيا، ومرجع ذلك هو الثقافة البيئية والمرجعيات الإنسانية المولدة دلالات تعبيرية وتأملية يستمدها الفنان جماليا بوصفه كائنا اجتماعيا نحو تعزيز أفكاره على نحو فني تصاعدي وتصبح جزءا رئيسا متصلا بزمانه ومكانه ولغته الإبداعية كقيم جمالية قادرة على توجيه دفة المنجز نحو الإبداع الفني وذلك بسبب الانفتاح على الأساليب العالمية مما مهد الى سرعة ظهور اتجاهات متنوعة في حركة الفن التشكيلي القطري المعاصر مما انعكس على مسيرة الحركة النقدية التشكيلية.

◆ ما هي أهم المفاهيم والنظريات في النقد الفني التي ظهرت في الفن التشكيلي القطري طبقا لهذه الدراسة ؟
¶ الفن اليوم دخل في سلسلة من التطورات والتجديد في الاتجاهات مما أدى الى انقسام الحركة التشكيلية والنقاد، وقد اعتمدت في دراستي على الخطوات المتعارفة في النقد الفني والتي تتمركز في البحث في التنظير بالنقد حيث اعتمدت على المنهج الوصفي والتحليلي والنقدي للأعمال المختارة مع مجموعة مختارة من فناني قطر لإثراء مصداقية التحليل النقدي التشكيلي في إنجاز هذا البحث، فأظهرت الدراسة تأثر الفنان القطري باتجاهات الفكر والانفتاح على الثقافة العالمية ولكن على أسس عربية أصلية لها جذور تاريخية والتي أصبحت تشكل جزءا لا يتجزأ من الإطار الثقافي الذي يعيش فيه الفنان القطري المعاصر.

◆ لو أردنا أن نتعرف على ملامح من تجربتك النقدية بعيدا عن الدراسة الأكاديمية؟ وكيف عززت الدراسة لديك روح الناقد؟
¶ بدأت في مجال الفن التشكيلي منذ عام 1985م؛ ومنذ ذلك الوقت عملت في مجالات فنية مختلفة كالتّعليم، والنّقد الفنّيّ، والكتابة وقمت بنشر العديد من المقالات الفنّيّة في قطر والخارج. كما لعبْتُ دورًا مهمًّا في توثيق مشاركة الفنّان القطريّ، وخصوصًا دور الفنّانات القطريّات في تطوير المشهد الفنّيّ الحاليّ الحديث.. وأعتقد شخصيًّا أنّ أهمّيّة الكتابة في تجربتي النقدية من خلال تقديم قراءات نقديّة للفنّانين حيث ترتكز وظيفة النقد على تدريب الناس على هذه القراءة ليستمتعوا بهذه الأعمال الفنية، كما تضمنت كتاباتي البحث في قضيّة من القضايا الفنّيّة للتجربة الفنية وتأملها جيدا ووضع الأطر الكفيلة بإخراجها على الوجه الفنّيّ الأكمل، كما بنيت تجربتي على التنقيب بحثا عن الاتجاهات الأصلية في الفن، وكشفها وتشجيعه بما يخدم الحركة الفنية.

◆ في ظل التطورات التقنية والتكنولوجيا الرقمية، كيف ترين دور النقد الفني التقليدي في تقييم وتحليل الأعمال الفنية المعاصرة؟
¶  التطور الحديث والسريع على مستقبل الفن بالعالم قد دخل في سلسة من التطورات والتجديد في الاتجاهات، ولم يعد هناك التزام بالقواعد الكلاسيكية، مما أدى الى انقسام الحركة التشكيلية والنقاد وأصبح للنقد اتجاهاته الفنية المتنوعة.. إن مهمة الناقد تغذية اتجاه معين من الاتجاهات ويوجهه ويشجعه ويربط بين العمل الفني وبين العالم الكبير ويبين مدى ارتباطه بتجربتنا الخاصة في الفنون التشكيلية العربية.

◆ كفنانة، كيف تنظرين إلى العلاقة بين النقد الفني والممارسة الإبداعية؟
¶ سؤالك يذكرني بنظير له؛ حين سئل الكاتب المشهور « هربرت ريد «عن رغبته كناقد للفن - فكان جوابه يفضل ممارسة القراءة في الأدب والنقد وقد كان رصيده من الممارسة الفنية منعدما في الوقت الذي ضاع صيته في النقد الفني وبدا أعمق من كثيرين من الممارسين للفن بشمول نظرته التي اكتسبها من إلمامه بطبيعة الفن التشكيلي وهنا تكون العلاقة بين الفن والنقد ويبدو أن النقد الفني يرتكز على دراية بالفن وخبرة واسعة بنشأته وتطوره وثقافة عريضة تمكنه بتعدد النظرات في التعبير الفني وهو السبيل للرؤية الفنية السليمة.

◆ ما هي أهم التحديات التي تواجه الفنان في ظل تعدد وجهات النظر النقدية؟
¶ لقد ورثنا من خلال المتاحف والمعارض التشكيلية تلك الخطابات النقدية والتي ساهمت في إيضاح مفاهيم جمالية جديدة؛ عبر ذلك الانسجام بين تاريخ الفن والنقد بل أصبح من الصعب الفصل بينهما عند عمليات التحليل في النقد، أما التحديات التي تواجه الفنان في ظل تعدد وجهات النظر النقدية فلاشك أن الأزمات التي تقبل على الإنسان كفيلة بإحداث تغييرات جذرية في ملامح القيم الجمالية، كما أن عملية إصدار الحكم الجمالي متغيرة بتغير الذوق العام فلا يوجد معيار شامل وأساسي في الجمال لأن الجمال نسبي متغير مع تغير الزمان والمكان.. لذلك يسعى الفنان عند طرح عمله إلى جذب المتلقي في الإطالة لفترة زمن تذوق العمل الفني وعن السبب الذي يجعل العمل الفني جديرا بالمشاهدة والاستمتاع في ظل تعدد وجهات النظر النقدية ويكون هذا هو التحدي الأعظم للفنان في ذلك الشيء سواء نجح الفنان أو فشل في تحقيقه.

◆ باعتبارك إحدى الفنانات البارزات في قطر ما هي رؤيتك لواقع الفنون البصرية حاليا؟
¶ حركة التشكيل القطري المعاصرة تتسم بالرصانة والأصالة وليس خافيا عن الجميع وبفضل الاهتمام الرسمي من مؤسسات الدولة وخاصة متاحف قطر بقيادة سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني رئيس مجلس أمناء متاحف قطر، واهتمامها بالمواهب الإبداعية الجدد وتشجيعهم على متابعة مسارهم الفني مما دفع لظهور تيارات واتجاهات متنوعة كذلك المشاريع الفنية والتي أسهمت وبشكل كبير في الكشف عن البناء والملامح المكونة في مجريات الحركة التشكيلية المعاصرة في قطر. وإنني متفائلة بحركة التشكيل المعاصر إذ أن هناك كماً من الفنانين الشباب وغيرهم ممن استطاع أن يكمل المسيرة بفضل رصانة وثراء التأسيسات المفاهيمية والجمالية إذ تشكل تطور كل ما هو مبدع في حركة التشكيل اليوم في تجارب الطاقة الإبداعية للفنان القطري المعاصر.

◆ وكيف يمكن للنقد الفني أن يساهم في هذا تطوير الفنون في قطر؟
¶ النقد الفني يساهم في تطوير أهم الأسس التي تكون واعية فكريا، كما تكون ميزانا لتذوق الأعمال واقتنائها والحفاظ عليها، لذلك لابد لنا من التعاون والشراكة والتي تشمل مدارسنا ومتاحفنا والمكتبات ودور النشر والمجتمع والمؤسسات العامة والخاصة. وفرض تشديد حضور النّاقد والنّقد في المؤسّسات التّشكيليّة في معارضنا الفنّيّة.
وارى انه كلما راعينا أصول مادة النقد الفني في التعليم حققنا جيلا من المتذوقين للفن بحيث يمكن لهذا الأمر أن يساهم في تطوير الفنون البصرية في قطر والتي ترتكز الى درجة عالية من العلم والفهم وغرس المعايير السليمة للجمال. ولهذا لابد أن نقوم بتأسيس ثقافة نقديّة في عالم التّشكيل، والارتقاء بهذا المشهد محلّيًّا من خلال وجود آفاق استراتيجيّة لهذه المشاريع الثقافية.