تفسير سورة «الشمس»

alarab
الصفحات المتخصصة 08 يوليو 2011 , 12:00ص
? الشيخ فريد أمين الهنداوي
بسم الله الرحمن الرحيم (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا. وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا. وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا. كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا. إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا. فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا. وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا) * بين يدي السورة سورة «الشمس» مكية، وعدد آياتها خمسَ عشرة آيةً. نزلت بعد سورة «القدر» وقبل سورة «البروج». سميت بهذا الاسم لافتتاحها بقسم الله تعالى بالشمس، وعنون لها البخاري سورة «والشمس وضحاها». والسورة كلها محكمة، ليس فيها ناسخٌ ولا منسوخ. * معاني الكلمات (وَضُحَاهَا): أي: وبضوئها إذا طلعت، وقام سلطانها، وانبسط نورها، قال المبرد: الضحى مشتقٌ من الضح ِّ وهو نور الشمس. (تَلاهَا): تبعها في الطلوع بعد غروبها. (جَلاَّهَا): كشف الشمس وأتم وضوحَها. (يَغْشَاهَا): يغشى الليل الشمس، فيطفئ ضوءها فتغيب وتظلم. (طَحَاهَا): بسطها ومدَّها، وجعلها فراشاً ومهاداً لنا. (سَوَّاهَا): أنشأها وأبدعها وأحكم خلقها. (فَأَلْهَمَهَا): عرَّفها ومكَّنها. (أَفْلَحَ ): ربح وفاز وظفر. (زَكَّاهَا): طهَّرها من دنس الذنوب والمعاصي. (دَسَّاهَا): أصل الدس: إدخال الشيء في الشيء بضرب من الإكراه، ومعناه: الإخفاء، أي: دسَّها وأخفاها في المعاصي. (فَدَمْدَمَ): الدمدمة: إطباق الشيء على الشيء، يقال: دمدم عليه القبر، أي: أطبقه، والمراد به هنا: إطباق العذاب عليهم. (عُقْبَاهَا): عاقبتها وتبعتها. * التفسير (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا): أي: أُقسم لك يا محمدُ بالشمس وضحاها أي: وبضوئها الذي يملأ الكون فينير جنباته، وهو قَسمٌ ثانٍ. (وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا): أي: وأقسم بالقمر إذا طلع وتبع الشمس بعد غروبها، قال أهل التفسير: وذلك يكون في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة. والقَسمُ بالشمس والقمر تنبيهٌ على ما فيهما من المنافع العظيمة. (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا): أي: وأقسم بالنهار إذا جلا الأرض وأضاء الكون بنورهِ، وهذا قَسمٌ رابعٌ. (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا): أي: وأقسم بالليل إذا غطى الأرض بظلامه وسترها، وهذا قسم خامس. (وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا): أي: وأقسم بالسماء، و (وَمَا بَنَاهَا): أي: وأقسم بالذي بنى السماء وأحكم بناءها، وهذا على أن (ما) موصولة، بمعنى الذي، ورجح هذا القول ابن جرير. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي: والسماء وبنيانها، ورجح هذا القول الفرَّاءُ والزجَّاج. وهذان قَسَمان سادس وسابع. (وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا): أي: وأقسم بالأرض، (وَمَا طَحَاهَا): أي: وأقسم بالذي طحاها، أي: بسطها من كل جانب ومهدها ومدَّها، وجعلها صالحة لسكنى الإنسان والحيوان، ميسَّرة للزراعة والفلاحة. وهذا على أن (ما) موصولة. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، أي: وأقسم بالأرض وطحوِها. وهذان قَسمان ثامن وتاسع. (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا): أي: وأقسم بالنفس البشرية، (وَمَا سَوَّاهَا): أي أقسم بالذي سواها وأنشأها وأبدعها، وركب فيها قواها الظاهرة والباطنة، وهذا أيضا على أنَّ (ما) موصولة. ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، والمعنى: وأقسم بالنفس وتسويتها. وهذان قَسمان عاشر وحادي عشر. (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا): أي: ألهم كل نفس وعرَّفها طريق فجورها وشرها لتجتنبه وتحذره، وعرفها أيضا طريق تقواها وصلاحها لتعمل فيه، وتسير في هداه، كما قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وقال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) أي: طريق الخير وطريق الشر. (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا): هذا هو جواب القسم، أي: قد فاز وربح وظفر من زكى نفسه، أي: طهرها ونقاها بطاعة الله وابتعد بها عن محارمه ومعاصيه فاستقامت على أمره ونهيه. (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا): أي: وقد خاب وخسر من طاوع هواه، وعصى أمر مولاه، فأورد نفسه موارد الهلكة، فأضلها وأغواها وابتعد بها عن طريق الخير والصلاح. ثم ضرب الله تعالى مثلاً لمن طغى وعصى، فكان عاقبته الخسران والبوار. (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا): ثمود هي قوم صالح -عليه السلام- الذين بُعث فيهم، فكذبوه ولم يؤمنوا بما جاء به، وما كان تكذيبهم إلا بسبب طغيانهم وبغيهم. ثم بين سبحانه أمارة هذا التكذيب، فقال: (إِذِ انبَعَثَ أَشْقَاهَا): أي: إذ قام أشقى هذه القبيلة وهو قُدار بن سالفٍ، فنشط بسرعة ليعقر الناقة، وكان عزيزاً شريفاً في قومه، مطاعاً فيهم. روى «البخاري» في صحيحه (4942) عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يخطب وذكر الناقة والذي عقرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذ انبعث أشقاها، انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبى زمعة». (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا): أي: لما هموا بعقر الناقة قام فيهم نبي الله صالح -عليه السلام- فقال لهم: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء، واحذروا أن تمنعوها من سقياها، أي: من أن تشرب وتأخذ نصيبها من الماء، كما قال تعالى: (لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ). (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا): أي: فكذبوا نبي الله صالحاً -عليه السلام- في وعيده وتحذيره لهم، وقتلوا الناقة. (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا): أي: فأنزل الله عليهم العذاب والهلاك، وأطبقه عليهم، ودمرهم على بكرة أبيهم بسبب ذنوبهم وطغيانهم وبغيهم، فسوى القبيلة في العقوبة لا فرق بين صغير وكبير، ولا ذكر ولا أنثى، ولا غني ولا فقير، ولا شريف ولا وضيع. وقيل: سوى الأرض عليهم، فجعلهم تحت التراب ودمر مساكنها على ساكنيها، كأن لم تغن بالأمس، وهذا القول هو الأقرب لسياق الآيات. (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا): أي: لا يخاف الله تعالى عاقبة إهلاكهم وتدميرهم؛ لأنه تعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ولأنه تعالى مالك الملك والملكوت. وقيل: لم يخف الذي عقر الناقة -وهو قدار بن سالف- عاقبة ما صنع. وقيل: ولا يخاف رسول الله -وهو صالح عليه السلام- عاقبة إهلاك قومه، ولا يخشى ضررا يعود عليه من عذابهم، لأنه قد أنذرهم.