الشيخ أبو العينين شعيشع وتصوير معاني القرآن
الصفحات المتخصصة
08 يوليو 2011 , 12:00ص
د. نعيم محمد عبدالغني
في يوم الخميس الحادي والعشرين من رجب عام 1432 هـ الموافق الثالث والعشرين من شهر يونيو رحل عن عالمنا الشيخ أبو العينين شعيشع –رحمه الله- الذي مكث في هذه الدنيا تسعة وثمانين سنة قضى أغلبها قارئا للقرآن بصوت عذب أسرت حلاوته القلوب، وروت عذوبته النفوس.
ولد الشيخ أبو العينين شعيشع في كفر الشيخ بمصر، وذاع صيته منذ صغره، وكان أصغر قارئ يدخل الإذاعة المصرية، إذ كان عمره في ذلك الوقت تسعة عشر عاما، ليكون من الرعيل الأول للإذاعة المصرية، رعيل العمالقة، إذ لا يدخل الإذاعة في ذلك الزمان إلا من كان قارئا متقنا، له حفظ متين، وإتقان مبين، يجيد أكثر من قراءة، وله صوت عذب، وعلى دراية بالنغم.
وهذه الشروط الصعبة كان –ولا يزال- يقف على حفظها لجنة قوية لا تحابي أحدا ولا تجامله، فمن لم يسرع به حفظه وصوته لن تنفعه واسطة أو محسوبية، فالقرآن سيتلى عبر الأثير ليسمعه عموم المسلمين، ولا بد من التشدد في الانتقاء والاختيار، ومن ثم فقد رسب في امتحانات الإذاعة القاسية كثير من القراء الكبار، ولكنهم دخلوا في النهاية بعد دأب وتدريب وممارسة، فمثلا الشيخ إبراهيم عبدالفتاح الشعشاعي دخل الإذاعة سبع مرات ورسب في الامتحان، وكان من اللجنة والده القارئ الشيخ عبدالفتاح الشعشاعي الذي رفض أن يتوسط لابنه، واكتفى بأن يوجهه ويعلمه، حتى ينضج ويستوي على سوقه، فتعجب السامعين قراءته، ويكتب في سجل من خلد القرآن ذكره.
إن قراء الإذاعة المصرية لا يزالون متربعين على عرش التلاوة في العالم بأسره، وقد تأثر بهم وتعلم منهم الكثير، بل لقد أسلم على أيديهم بشر لا يحصون عددا، وأرى أن الله –سبحانه- قد هيأ جيلا من القراء من أصحاب الأصوات الندية التي سجلت القرآن بطرق متميزة في الأداء، جعلت الأجيال تسير في فلكها حتى لا نجد قارئا اليوم إلا وقد أخذ من هؤلاء القراء الكثير في طريقة التلاوة، ولعل هؤلاء القراء تأثروا بمشايخ كبار لم نسمع منهم أو نسمع عنهم، لعدم وجود التسجيلات في ذلك الوقت.
أحيانا أتأمل جمال الصوت والأداء، وأقرأ أن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان ندي الصوت، حيث يروى عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، فَمَا سَمِعْتُ أَحْسَنَ صَوْتًا مِنْهُ. اقرأ ذلك فأتمنى لو سمعت صوت النبي وقراءته، وأتتبع أوصافه الشريفة عليه الصلاة والسلام فأعلم أن صوته كانت به صحلة، وأنه وضع معيارا لجمال الصوت، فقال هو من إذا قرأ حسبتموه يبكي من خشية الله، وأنه أثنى على أبي موسى الأشعري وقال إنه أوتي مزمارا من مزامير داود.
والأصوات أنواع فمنها الحاد القوي، كصوت النقشبندي والحصري وعبدالباسط، ومنها ما كانت به بحة خفيفة أو صحلة تعطي الصوت دفئا وحنانا مثل الشيخ المنشاوي وأبوالعينين شعيشع، وأنواع كثيرة لكن كلها تصنف في أوجه تشابه كبرى، تماما مثل الوجوه، تقول إن هناك نوعا من البشر يشبهون بعضا في تقاطيع الوجه مثلا، وفي طبقات الصوت أيضا، ولكن يبقى لكل واحد ما يميزه من خصائص لا تشترك مع أحد كبصمة الأصبع، وبصمة الصوت، وبعض ملامح الوجه.
كل هذا أتأمله وأنا أسمع كبار القراء، الشيخ رفعت والمنشاوي والحصري ومصطفى إسماعيل وأبوالعينين شعيشع وغيرهم الكثير، أسمع هؤلاء فأراهم يفهمون ما يقرؤون، ويلتزمون بمبادئ القراءة ولا يحيدون عنها، ثم إن عندهم نغما منضبطا لا يطغى على أحكام التجويد، ويصورون معاني القرآن تصويرا لا يحتاج معه إلى تفسير.
إن الشيخ أبا العينين شعيشع كان من هذه الثلة المباركة، حيث كان يتمتع بصوت متفرد بين هؤلاء الكبار، صوت صعب على الأجيال تقليده، صوت قريب من صوت الشيخ محمد رفعت رحمه الله. ولن أتكلم عن قصة حياته، فقد كتب فيها قبل ذلك، ولكن أسجل ملاحظات فنية على أداء الشيخ في تصوير المعاني، وسيكون تحليلي معتمدا على بناء الجملة القرآنية لنرى مقدرة الشيخ في التصوير.
أولاً: حسن اختيار المقاطع
إن الشيخ يبدأ بداية حسنة، فيبدأ من أول سورة أو من أول قصة، ولا يبدأ مثلا من منتصف قصة قرآنية، كأن يقول مثلا: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)، لأن السامع إذا لم يكن حافظا فإنه يحتاج لمعرفة القصة من بدايتها، ولنأخذ مثلا على ذلك، حيث قرأ الشيخ سورة القصص من أولها ذاكرا قصة سيدنا موسى مع فرعون، وقرأ أيضا في آل عمران من قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ) ثم ذكر قصة السيدة مريم عليها السلام، أو أن يقرأ من بداية التوجيهات القرآنية مثل تسجيله الذي بدأ فيه بقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ).
ثانياً: حسن توظيف طبقات الصوت
يجيد الشيخ تنظيم طبقات الصوت ما بين القرار والجواب وجواب الجواب، والقرار هو الطبقة التي يكون فيها الصوت منخفضا، والجواب يكون الصوت فيها عاليا، وجواب الجواب يكون الصوت في أعلى درجاته، ولا يستعجل الشيخ أن يأتي بجوابات لإظهار إمكاناته الصوتية وأنه يملك صوتا قويا، إذ ليست قوة الصوت دليلا على جماله، بل كان صوته قويا، ويظهر هذه القوة في موطنها، ثم تكون القرارات مناسبة لمعنى من المعاني، وتكون أحلى بكثير من الجوابات، فالشيخ في بداية القراءة لا يستعجل أن يأتي بالصوت العالي، بل يقرأ بقرارات منتظمة، متدرجا في طبقات صوته مع المستمع حتى يأتي على الجواب ثم جواب الجواب، وبذلك يكون السامع متهيئا لسماع الجواب والقرار معا.
ثالثاً: مواطن استخدام القرار
ليست هناك مواطن معينة وإنما يعتمد ذلك على طريقة الأداء، ولكن يجمل بالقارئ أن يستخدم القرارات في بداية القراءة، وإثر جواب عال، وعند الدعاء والرجاء، وفي قراءة الشيخ لربع (إن الله اصطفى آدم) ظل يقرأ قرارا، راويا بداية القصة، حيث إن الله اصطفى آدم ونوحا، وذكر دعاء امرأة عمران التي وهبت ما في بطنها محررا، وكانت ترجوه ذكرا لكنه المولود أتى أنثى، وهنا يبدأ الشيخ في التخلي عن القرار واستخدام الجواب ثم جواب الجواب، وكان موفقا، لأن حدث الولادة المنتظر يحتاج إلى تغيير النغمة بصوت عال، ليدل أولا على حدث الولادة، ثم على نوع الجنين الذي أتى أنثى على عكس ما ترجوه امرأة عمران، ومن ثم تألمت لما حدث، حيث كانت ترجو ذكرا ليكون في خدمة الله تعالى، وهنا تأتي براعة الشيخ في استخدام الجواب في التضرع إلى الله وكأن امرأت عمران تعتذر إلى الله أنها لم تأت بذكر، ولكن القرار أتى مرة أخرى في قوله تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً)، ثم أتى بهذه النغمة بمقام صوتي يدل على الفرح، وفي هذا تطييب لخاطر امرأة عمران التي دعت وقالت نذرت لك ما في بطني، وهي لا تعلم ما في بطنها إن كان ذكرا أو أنثى.
رابعاً: تكرار المقاطع الصوتية
يكرر الشيخ المقاطع الصوتية التي يرى أن تكرارها يفيد في تصوير المعنى، وفي التكرار، أحيانا يأتي بنفس المقامات الصوتية ونفس الوقفات، وأحيانا يغاير بينها حسب تصويره للمعنى، ففي قوله تعالى: (فتقبلها ربها بقبول حسن) قاله في البداية من مرتبة القرار، ثم بعد ذلك أعاده في مرتبة الجواب، وكأنه يعظ الناس أن ينتبهوا إلى أن ميلاد الذكر والأنثى بيد الله الذي يقبل من العمل ما كان خالصا، وكل ما يأتي من عند الله هو رزق منه سبحانه وتعالى، ولذا فإن الشيخ نجح في توظيف القرار عندما قرأ قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) فهي الحكمة التي ساقها الله على لسان السيدة مريم عندما سألها زكريا متعجبا عن الأكل الذي وجده عندها، وكان هذا السؤال في مرتبة الجواب بتعجب.
خامساً: حسن ربط المعنى
بالقرار والجواب
ويستخدم الشيخ الجواب في ربط الأحداث في هذه القصة بصورة بديعة، فعندما ولدت امرأة عمران جاء قوله تعالى: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)، وعندما دعا زكريا ربه بأن يهبه ولدا رغم أن سنه كبير وامرأته عاقر، حيث إنه تعلم أن الرزق ليست له قوانين معلومة، بل أقدار مقسومة، فمريم كان يأتيها رزقها رغدا، وذكرته أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وفي هذه اللحظة الانفعالية لا يناسب إلا أن يأتي بالصوت المرتفع من طبقة الجواب ليناسب الحدث، ليقول: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)، ثم يأتي الشيخ بالنغمة نفسها التي أتى بها عندما بشرت امرأة عمران بالأنثى وعندما بشرت السيدة مريم بعيسى عليه السلام، حيث كانت جوابا فيه معنى التعجب والاستفهام: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ؟).. (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ)، وفي الآيتين وقف عند كذلك، وبدأ بالجملة الفعلية (الله يفعل ما يشاء) و(الله يخلق ما يشاء)
سادساً: توظيف الغنة والمد في نغمات يطرب لها السامع
يجيد الشيخ توظيف الإمكانات الصوتية في علم التجويد لتصوير المعنى، حيث إن المد لا يأتي بترعيد الصوت ليكون، بقصد الطرب وهو من أخطاء التلاوة التي يقع فيها كثير من الناس، ونبه عليها ابن الجزري، وإنما يأتي بما يسمى (بالعُرَب) أي زخرفة خفيفة تناسب مقام الآية، وتدفع عن السامع الملل، إذ لو ظل القارئ على وتيرة واحدة من التلاوة لملته الأذن، وإنما الذي يشد الأذن التنوع والتطريب الذي لا يؤثر على أحكام التجويد، وهذا في نظري التغني بالقرآن.
سابعاً: إجادة الوقف
الشيخ كان مجيدا للوقف في كل ما سمعت من قراءات، ولكن من المعاني الجميلة التي صورها بوقفه الممتاز، عندما قرأ (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ)، حيث وقف الشيخ على كلمة مريم، وكان بإمكانه أن يقف عند نهاية الجملة الشرطية كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا، ولكن الشيخ أتى بالجملة الثانية ووقف على كلمة مريم، ليدل على أن موقف تعجب زكريا من الرزق الذي يساق إلى مريم لا يستدعي وقوفا، بل إن زكريا عليه السلام أبدى دهشة فورية، بسؤاله عن مصدر الطعام، وكرر الشيخ هذا المقطع بأكثر من مقام، فجاء بمقام النهوند مع قرار عندما ذكر كلمة (يا مريم) وكأنه يقول هنيئا لك يا مريم رزقك، ثم جاء بمقام الحجاز مع نغمة عالية ليبدي الدهشة، ويختم هذه الآية بمقام البياتي مع قرار يؤكد قانونية رزق الله التي ذكرت آنفا.
ومن حسن الوقف أن الشيخ يقرأ الجملة بأكثر من وقفة كي يبين معنى معينا، فعندما قرأ قوله تعالى: (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء) وقف أكثر من وقفة، فقرأ ليبين معنى الاستفهام والتعجب من أن يكون لها غلام مطلقا: قال رب أنى يكون لي غلام؟ ثم قرأ ليبين قمة التعجب مع ذكر السبب والجواب الذي يتلخص في كلمة كذلك التي وقف عليها، لبيان أن القدرة الإلهية لا تحتاج إلى كلام كثير، فالملائكة قالوا كذلك، ليقرأ الشيخ هذا المقطع وقد وقف بصوت عال على كذلك: (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ)، أما قوله تعالى: (الله يفعل ما يشاء) فقد أحسن الشيخ في فصلها عن كذلك، إذ أعطت معنى عاما في قدرة الله، وليس مختصا بهذا المقام فقط، وكان من الممكن أن يقرأ، كذلك الله يفعل ما يشاء، بل فصل الجملتين، ليجعل جواب التعجب بكلمة، والدرس المستفاد في جملة (الله يفعل ما يشاء) وهي جملة مفيدة بدأت بلفظ الجلالة الله في موقع المبتدأ والخبر يفعل ما يشاء، وهكذا كانت نغمات الشيخ عندما يذكر الدروس المستفادة بعد أي حدث كبير.
ثامناً: الحميمية في القراءة
عندما يقرأ الشيخ فإنك تحس بحميمة في قراءته، ليصور لك الحدث، ففي قوله تعالى: إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين، يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) يقرأ الشيخ بصوت خفيض وكأن الملائكة تهمس في أذن مريم بهذه البشارة ليهدأ روعها، ويقف الشيخ عند قوله تعالى: (إِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ)، وذلك في أدنى مراتب القرار، ثم لما كان الاصطفاء شيئا كبيرا ويتطلب عملا يناسبه، جاء بالجواب العالي في قوله تعالى: (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ).