الصفحات المتخصصة
08 يوليو 2011 , 12:00ص
? محمد صبره
انقطعت الكهرباء في الجامع المطل على دوار الكُتب وقت صلاة الفجر، واسترجع المصلون ذكريات الصلاة على الأضواء الخافتة في الصحراء وفي الأماكن النائية التي لم تصلها الحضارة والمدنية الحديثة ويعيش سكانها على نور الشمس نهارا وضوء القمر ليلا.
في الظلام يحلو للمحبين أن يخلو بعضهم ببعض فيتناجوا ويتهامسوا دون أن يسمعهم أحد. وصلاة الفجر وما قبلها وما بعدها أفضل الأوقات لأن يخلو المسلم بنفسه ويتخلص من مشاغل الدنيا لحظات، ويتضرع إلى ربه داعيا وذاكراً وتالياً للقرآن.
لم يمنع انقطاع الكهرباء محبي القرآن من ممارسة عادتهم اليومية في تلاوة ما تيسر من آيات الذكر الحكيم تيمناً وتبَركاً والتماساً لفضل قوله تعالى: {إن قرآن الفجر كان مشهودا}.
بعضهم أضاء مصباح هاتفه الجوال وسلطه على المصحف وراح يقرأ ما تيسر له. وأحدهم لا يعرف القراءة ومعه هاتف فجلس بجوار من يعرف القراءة، هو يضيء صفحات المصحف وصديقه يقرأ في مشهد يجسد إحدى صور التعاون على البر والتقوى.
عجوز سبعيني وهَنَ عظمه وتقوست ظهره واشتعل رأسه شيبا وكسا البياض لحيته لم يمنعه الظلام من تلاوة الوِرْد اليومي الذي تعود عليه قبل أن يذهب للعمل. لم يكن معه هاتف فيه مصباح ولم يجد صديقا يضيء له فأمسك بمصحف وجلس بجوار إحدى نوافذ المسجد التي يتسلل منها ضوء خفيف للداخل. فتح المصحف فوجد صفحاته مكتوبة بالخط العثماني الذي لم يتعود على قراءته. هو مسلم آسيوي لا يعرف إلا القراءة في المصاحف المكتوبة بالخط الباكستاني فماذا يفعل؟
عاد لأرفف مكتبة المسجد ليبحث عن مصحف مكتوب بالخط الباكستاني، الظلام المحيط بالمكتبة لم يساعده على رؤية المصحف الذي يناسبه، راح يحمل المصحف إلى المكان الذي يدخل فيه الضوء الخافت من نافذة المسجد، فتح المصحف فوجده بالخط العثماني أيضا، عاد من جديد للمكتبة وحمل مصحفاً آخر وجده مكتوباً بالخط الباكستاني الذي تعود عليه، فرِح وجلس بجوار النافذة يقرأ، لكنه فوجئ بأن خط المصحف صغير وبصره وهو في السبعين لا يساعده على قراءة خط صغير في مكان مُظلم فماذا يفعل؟
حَمَل المصحف إلى خارج المسجد وراح يبحث عن أقرب مصدر للضوء فوجد عامود كهرباء مضيئا، جلس بجواره ليقرأ ما تيسر له من كلام رب العالمين.
حُبُّ القرآن والتعود على سماعه وتلاوته نعمة يرزقها الله من يشاء من عباده المؤمنين. ومن أحب القرآن أَدمن تلاوته وسماعه، ووجد فيه خير أنيس يشرح الصدر ويملأ القلب راحة وسعادة ويبعث الأمل في النفس. وصدق من قال في القرآن: «إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمورق، وإن أعلاه لمثمر»
إن بركات وحسنات وفضل صلاة الصبح في جماعة وتلاوة ما تيسر من القرآن قبلها أو بعدها لا تعد ولا تحصى.
أُجزِم بأن من تعود على صلاة الفجر في جماعة وقرأ أذكار الصباح، وما تيسر من القرآن الكريم سيكون من أسعد الناس وأكثرهم صحة وعافية ونشاطاً وسرورا وأيسرهم رزقاً.
تذكرت وأنا عائد من صلاة الصبح قول أحد السلف: (عجبت لمن يُصلي الصُبح بعد طلوع الشمس كيف يُرزق).
وتذكرت نصيحة شيخنا د.حسن عيسى عبدالظاهر –رحمه الله– التي كان ينصح بها المصلين في معظم خطب الجمعة بأن يحافظوا على تلاوة القرآن ولو صفحة من المصحف كل يوم.
إن تلاوة صفحة من المصحف لن تستغرق دقائق معدودة، لكنها تعود على قارئها بعشرات الآلاف من الحسنات، فإن له بكل حرف حسنة كما بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفا من كتاب الله كَتَبَ الله له حسنة».
? من أسرة «العرب»