شباب قطريون يشكون عدم الاعتراف بشهادات الانتساب

alarab
تحقيقات 08 مايو 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد سيد أحمد
يحتل التعليم الجامعي أهمية قصوى عند الطلاب الباحثين عن دور نشط في الحياة العامة بعد إنهاء مرحلة تعليمهم الجامعي، لذا لا نستغرب إذا ما وجدنا كوكبة كبيرة من الشباب القطري يتابعون دراستهم الجامعية داخل وخارج قطر ليساهموا بعد تخرجهم في نهضة بلدهم الذي يحتاج لكل كفاءة علمية قطرية بغض النظر عن الجامعة التي منحتهم الشهادة العلمية، لكن المشكلة الكبيرة التي يعاني منها بعض الجامعيين القطريين هي أنهم وجدوا أنفسهم وقد ذهبت جهودهم المضنية أدراج الرياح وسرق منهم حلمهم الكبير في بناء مستقبلهم بعد سنوات من الكد والمثابرة، بسبب عدم اعتراف الجهات المختصة بالتعليم في قطر بشهادات كثير من الجامعات العالمية التي يتخرج منها هؤلاء الشباب. ويشكو شباب قطريون من عدم الاعتراف بشهاداتهم الجامعية التي قد تكون عن طريق الانتساب أو عن طريق الدراسة النظامية، مما يؤكد الحاجة الماسة لإعادة النظر في هذا الموضوع حتى لا يتسبب في عزوف الشباب القطري عن متابعة تعليمهم الجامعي وزيادة رصيدهم العلمي والمهني من جامعات قد لا تختلف عن جامعة قطر إلا في الاسم، أو أن تلك الجامعات أرادت الاستفادة من تكنولوجيا الاتصال الحديث لتعزيز مكانتها عالميا عبر السماح لآلاف الشباب حول العالم بمواصلة تعليمهم فيها، مستخدمة أحدث المناهج العلمية والتربوية، الأمر الذي جعل الكثير من الشباب العربي وغير العربي يقتنص الفرصة ويكمل تعليمه هناك. من جانب آخر هناك من له رأي مختلف، حيث يرى البعض أن التعليم يجب أن يظل بعيدا عن الفوضى؛ لأنه الشرط الأساسي لنهضة الأمم، والتعليم الجيد هو القادر على خلق جيل جيد، وبالتالي لا يمكن السماح لبعض الشباب بالاتكاء على تحصيل شهادة من أي جامعة لغرض الحصول على ترقية في السلم الوظيفي على حساب الخبرة والمعرفة الحقَّة. وطالب آخرون بالفصل في عدم الاعتراف بشهادة الانتساب على أساس التخصص، حيث يمكن الاعتراف بشهادة الانتساب إذا كانت في العلوم الإنسانية، أما العلوم التطبيقية فيجب أن تظل بعيدة عن الانتساب؛ لأنه لا يمكن الاعتراف بشهادة انتساب في الطب أو الهندسة مثلا. ويرى هؤلاء أن هذا هو الحل المنصف في موضوع الدراسة عبر التعليم المفتوح. سرقة حلم حمد الهاجري يصف عدم اعتراف الجهات المختصة بشهادته الجامعية التي كافح من أجل الحصول عليها كثيرا بسرقة حلم حاول صاحبه بكل ما أوتي من جهد تحقيقه. وأضاف: أنا من ضحايا عدم الاعتراف بشهادات الجامعات الأجنبية، فقد تابعت الدراسة عبر الانتساب في إحدى الجامعات العربية نظرا لظروف عملي التي تحول بيني وبين متابعة الدراسة بانتظام في تلك الجامعة، وكان يدور في ذهني منذ اليوم الأول أن العالم اليوم جعلت منه وسائل الاتصال الحديث قرية واحدة، يستطيع من خلالها أي شخص محب للتحصيل العلمي وزيادة رصيده المعرفي تحقيق حلمه مهما كان موقعه على الكرة الأرضية، لكن هناك عقليات متحجرة على أساليب الماضي ما زالت ترفض مسايرة التطور التكنولوجي الذي أتاح للملايين الحصول على تعليمهم العالي وغير العالي عبر وسائل الاتصال التي يجب أن تسخر لكل ما يساهم في تحقيق التنمية الشاملة التي من شروط تحقيقها الاهتمام بالتعليم. ولفت الهاجري إلى أن مشكلة عدم الاعتراف بشهادة الكثير من الجامعات العالمية أصبحت عائقا حقيقيا أمام توجه الشباب القطري لإكمال دراستهم في جامعات عربية ودولية لا تقل مستوى عن جامعة قطر، التي تسبب مقررها العلمي في هجرة الكثير من الطلبة الجامعيين إلى جامعات خارجية لإكمال تعليمهم العالي. من هنا –يقول حمد- يتعين على المجلس الأعلى للتعليم ووزارة العمل معالجة هذه المشكلة حتى لا يعزف الشباب القطري عن التعليم الجامعي في حالة ما إذا تواصل تجاهل جهودهم الدراسية عبر عدم الاعتراف بهم. وأشار الهاجري إلى أن شهادات هذه الجامعات معترف بها في دول المنشأ وفي أغلب بلدان العالم الأخرى، والقوانين والتعليمات في تلك البلدان لم تتعارض مع طريقة التعليم في مثل هذه الجامعات، لذا أقترح على الجهات المعنية بمعادلة الشهادات أن تسمح للطلبة القطريين باستغلال هذه الفرصة العظيمة لإكمال تعليمهم الجامعي والحصول على شهادات هم بأمس الحاجة إليها، لأن التعليم الجامعي يجب ألا يتوقف عند حدود التعليم التقليدي وإنما يجب أن يتاح لكل طالب علمٍ راغبٍ بمتابعة تعليمه وتحصيله العلمي بكل الأساليب المتاحة التي تتماشى مع ظروفه الخاصة، سواء أكانت تلك الظروف عملية تحول بينه وبين الانتظام في التعليم المباشر، أم اجتماعية، أم غيرها من الظروف التي غالبا ما تكون السبب وراء الدراسة عبر الانتساب. فالشاب القطري الموظف في إحدى الدوائر الحكومية أو الجهات الخاصة –يضيف الهاجري- لا يستطيع ترك وظيفته والذهاب إلى الانتظام في جامعات خارجية، فضلا عن صعوبة حصوله من جهة عمله على سنوات مجانية لمتابعة دراسته بشكل منتظم، بناء على هذا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار طموح الشباب القطري وسعيه إلى مواصلة تعليمه الجامعي حتى لو كان ذلك عن طريق الانتساب، فهناك فئات كثيرة من الشباب القطري تصرف الكثير من الأموال والوقت والجهود في سبيل إكمال تعليمها في جامعات أخرى، بعدما لفظتهم جامعة قطر وآثرت التمسك بمنهجها الذي لم يعد بالإمكان تجاوزه مهما كانت عبقرية الطالب وجديته، من هنا أتساءل عن الفرق بين حضور الدراسة مباشرة والحصول على نفس المقررات التي تدرس في تلك الجامعات ومراجعتها والتقدم لنفس الامتحان الذي يقدم للطلبة المنتظمين في هذه الجامعات والخضوع لنفس الشروط والمعايير؟ هذه الحقائق يجب أن يدركها القائمون على معادلة الشهادات حتى لا يتسببوا بصدمة للشباب القطري الذي يطمح للحصول على التعليم بكل الوسائل المتاحة. جيل الثانوية أما علي المري فيرى أن عدم اعتراف الجهات الحكومية بشهادة الانتساب -التي أصبحت معظم دول العالم تعترف بها- لا يخدم المصلحة الوطنية، منبها إلى أن الاستمرار في هذا النهج ربما يؤدي إلى خلق جيل جديد يسمى بـ «جيل الثانوية وبس». وأضاف: لا أعتقد أن الاستمرار في عدم الاعتراف بشهادة الانتساب يخدم المصلحة الوطنية على المدى البعيد، ومن الأجدى لنا أن نترك الشباب الذي لم يستطع الاستمرار في المناهج التعليمية المعقدة يستفيد من متابعة الدراسة في جامعات ذات مناهج علمية مبسطة. حل منصف ويرى المري أن الحل المنصف في هذا الموضوع يمكن أن يكون في الفصل بين نوعية التخصص العلمي، حيث يتم الاعتراف بشهادة الانتساب إذا كانت في العلوم الإنسانية، كالآداب والقانون وغيرها من العلوم التي تعتمد على التلقي والحفظ، أما العلوم التطبيقية كالهندسة بكل مجالاتها والطب، فهذه المجالات الحيوية يجب أن تبقى بعيدة كل البعد عن الانتساب، ونتفهم عدم اعتراف الجهات المسؤولة عن التعليم بشهادات الانتساب فيها، سواء أكان حاملها مواطنا أم غير مواطن، وهذا في نظري حل يمكن أن يساهم في الخروج من هذه المشكلة التي تعترض مسيرة حياة الكثير من شبابنا. مواطنة مسلوب حقها إحدى الطالبات القطريات عرفت نفسها بـ «المواطنة المسلوب حقها» تروي معاناتها من نفس المشكلة، مطالبة الجهات المختصة بمراجعة القوانين التي يرغمون الآخرين على الرضوخ لها بغض النظر عما إذا كانت في مصلحة التعليم أم لا. وأضافت: أنا وحيدة أمي وللأسف لم أستطع الحصول على مجموع نقاط بالثانوية لأني كنت أعالج بمستشفى حمد حيث خضعت للعلاج بالكيماوي، ونتيجة لذلك تركت الدراسة فترة من الزمن ثم رجعت لها بعد أن منّ الله علي بالشفاء. ورغم أنني أحببت إكمال دراستي نظرا لقوتي في الإنجليزية و «الماث» وكل المواد المطلوبة، فإن تخصصي كان في الأدب الفرنسي ولم يكن عندنا «ماث»، وكان مستقبلي متوقفا على أن أدرس 3 أشهر على حسابي، وبعدها أتحول إلى بعثة على حساب الدولة، لكن لم يكن عندي من المال ما يكفي للدراسة على حسابي لمدة الأشهر الثلاثة، ولم أشأ أن أمد يدي لأحد، بالإضافة إلى عدم رغبة أمي في أن أسافر وحدي وعدم قدرتها على الذهاب معي لأسباب أخرى، رغم هذه المعوقات مجتمعة حاولت مع المجلس الأعلى للتعليم ليساعدوني دون فائدة، لذا قررت مواصلة الدراسة عن طريق الانتساب لمدة ثلاثة أشهر على الأقل حتى أستطيع بعد ذلك مواصلة دراستي هنا أو خارج البلد، لكن المجلس الأعلى للتعليم لم يوافق كعادته، وإن وافق فسيضع شروطا غير منطقية، منها على سبيل المثال: «الانتساب عندنا ممنوع، بس لو كنتِ أنتِ هناك برة البلاد ودرستِ انتساب راح نوافق على شروط من خلالها راح نقرر إذا نضمك للبعثة أم لا». والشرط الثاني: «ما راح نوافق لأنكِ تدرسين على طول برة أو على طول داخل، ما يصير تأخذين كورسات أونلاين وبعدها تنقلين للجامعة الأم». وأشارت هذه الطالبة إلى أن هذه هي حالتها منذ العام الدراسي 2008- 2009 وحتى هذه اللحظة، لكنها أبدت استغرابها من عدم اعتراف المجلس الأعلى للتعليم وإدارة معادلة الشهادات بما يقدمه المواطنون من شهادات صادرة عن جامعات عريقة! في الوقت الذي تعترف فيه تلك الجهات بشهادات نفس الجامعات التي يحملها أجانب يعملون في قطر، حتى إنهم يعترفون بشهادات جامعات قد لا نسمع عنها إطلاقا، مما يعني أن هذه المشكلة المستفحلة في قطر يجب أن تنتهي ويعاد النظر فيها، حتى لا يأتي اليوم الذي نفقد فيه الأمل في حصولنا على فرصة إكمال تعليمنا. وتضيف الطالبة قائلة: من الغريب أنني حاليا أنوي متابعة دراستي عبر الانتساب في إحدى الجامعات الأميركية المعترف بها أميركياً وعالميا، لكن المجلس الأعلى للتعليم لم يوافق أيضا لأنه لا يعترف بتلك الجامعة أو لأنها لا تناسب مقامهم، مما أدخلني في حيرة بحيث أصبحت لا أعرف إلى أين أذهب وإلى من نتوجه لإكمال مشواري الدراسي، علما بأن المعدل الذي حصلت عليه في الثانوية لا يسمح لي بدخول الجامعات الموجودة في قطر، فهل من المعقول أن يكون الطلاب جميعا في هذه الدولة لديهم القدرة على تجاوز معدل وبلوغ مستوى معين حتى يكملوا تعليمهم في جامعة قطر؟ أين الطبيعة البشرية واختلاف القدرات والملكات لدى بني البشر؟ هناك ذكي جدا، وذكي، وهناك من هو دون ذلك ويجب أن يتاح للجميع ما يناسب قدرات كل واحد منهم حتى لا نعترض على حكمة الله من اختلاف قدرات خلقه. ونزولا عند رغبة هذه الطالبة فقد تركناها تكمل حديثها باللهجة المحلية حتى يصل إلى أكبر قدر ممكن من المعنيين، وأردفت: «الجامعة الهولندية وافقوا علي بس ما عندي فلوس ادخل لها، مشكلتي بس لو يوافقون على أني أدرس أونلاين والله والله يا ليت عالأقل بس هالجم شهر وبعدها يحولوني بعثة. أنا مشكلتي بس لأني درست أدبي فرنسي وما عندي ماث، وهم الجامعات يبون فاونديشين عالأقل وفيه ماث لأني بالإنجليزي شاطرة وكل المواد، والماث بس ما درسته بالثانوية عشان جذي». التركيز على المواطنين بدوره يرى عبدالله خالد أن عدم اعتراف الجهات الحكومية بشهادة الانتساب بالنسبة للمواطن مفهوم جدا؛ لأن الدولة لديها سلطة تعليمية على مواطنيها فقط، ويمكنها أن تلزمهم بمناهجها التعليمية حفاظا على تحصيل علمي متميز، لكنها في المقابل لا يمكن أن تلزم مواطني دول أخرى على ذلك، فالأجنبي الذي يعمل في قطر ولديه مؤهلات علمية من هذه الجامعات غير المعترف بها لا يوظف حسب شهادته فحسب! وإنما يتم توظيفه بناء على خبرته في مجال العمل المطلوب، وبعدما يثبت القدرة على القيام بأداء الوظيفة المطلوبة منه على أكمل وجه لن يكون من الإنصاف البحث عن طبيعة الجامعة التي تخرج منها. وطالب عبدالله بفصل هذا الموضوع العلمي عن الموضوع العملي، فالجهات المسؤولة عن التعليم في قطر ترغب في خلق جيل جديد عبر وضعها مناهج تعليمية عالية، وفي اعتقادي أن العيب فينا نحن وليس في الحكومة التي تختار للطلاب أعرق الجامعات العالمية وتحثهم على الالتحاق بها، وتعطيهم منحا دراسية ربما تكون الأعلى قيمة على مستوى العالم، لا بل إن حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى، وسمو ولي العهد الأمين الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، يقدمان منحا للطلاب القطريين في جامعات مثل: كامبردج وأكسفورد، وهارفارد، فما الذي يريده الشباب القطري إذاً أكثر من هذا؟ علينا الاعتراف بأن هناك شريحة من الشباب تريد اختصار الطريق نحو الترقية والحصول على درجات عالية في سلم القطاع الوظيفي، عبر تقديمها لشهادات من جامعات ربما لا تهتم بالمجال العلمي أكثر من اهتمامها بالحصول على الأموال التي تدفع لها مقابل الحصول على شهادة جامعية قد لا يقوم صاحبها بأي جهد علمي أو دراسي فيها سوى إعداد بحث للتخرج، وهذه المهمة أصبحت هي الأخرى تسند إلى أشخاص يتولون القيام بها عن سعادة الطالب الطموح نحو رتبة مدير إدارة، لذا علينا أن نفكر بعقولنا ولا نقارن بين مناهج الوافدين التعليمية وكيفية حصولهم على شهاداتهم، وبين مسيرة التعليم عندنا التي تثبت يوما بعد يوم أنها متميزة. لا لفوضوية التعليم عبدالله صالح يوافق من سبقه ويقول: لا لفوضوية التعليم لأن التعليم -كما يرى عبدالله- هو مستقبل البلد وعن طريقه تتقدم الدول أو تتأخر، لذا نتفهم جدا حرص الجهات الحكومية على المسيرة التعليمية التي نريد لها أن تستمر في تقدمها، ولا نريد لها الرجوع إلى الوراء، فكثير من شهادات الانتساب التي يحاول البعض فرضها كأمر واقع لا تعتبر درجات علمية حقيقية، كون الجامعات التي تمنحها غالبا ما تكون جامعات خاصة لا تعترف بها الدول التي توجد على أرضها، فكيف إذاً نلزم الحكومة بتشجيع أجيال المستقبل للذهاب إلى تلك الجامعات التي يتميز خريجوها بعدم الكفاءة في العمل للأسف، لأنهم ببساطة لم يتلقوا تعليما وإنما حصلوا على شهادات مقابل دفعهم نقودا كان الأولى بهم الاستفادة منها في تلقي دورات تكوينية في مجالات تفيدهم في عملهم، من هنا أشدد على عدم السماح لسماسرة الشهادات الدوليين بالتأثير على تعليمنا وقدرتنا على خلق جيل يمتلك ناصية العلم الحقيقي ودرجات علمية نحصل عليها بكل جدارة واستحقاق.