مطالب بإعادة صياغة عقود الإيجار بهدف المساواة

alarab
تحقيقات 08 أبريل 2015 , 02:18ص
محمد سيد احمد
أكد قانونيون ومحامون أن العقود المبرمة يجب أن يتساوى فيها الطرفان من حيث الحقوق والواجبات، فيما قال موظفون وعاملون بمؤسسات حكومية خاصة ومستأجرون للعقارات: إن نظرة على العقود تبين أنها مجرد لائحة بالعقوبات بحق الطرف الثاني، حيث يبدو الطرف الثاني هو الحلقة الأضعف، وطالب موظفون بإعادة صياغة العقود بما يضمن التساوي بين الطرفين. العقد شريعة المتعاقدين كما يقال، فبه توثق جميع المعاملات ويعرف كل طرف حقه والحقوق المترتبة عليه، ويجب أن يراعي أي عقد حقوق الطرفين بالتساوي، لكن فيما يبدو أن العقود المحررة في القطاعين العام والخاص دأبت على تغليب مصلحة الطرف الأول وجعلت من الطرف الثاني ضحية بشكل دائم مما يستدعي تسليط الضوء على هذا الموضوع من الناحية القانونية والأخلاقية.
فالطرف الثاني عندما يريد تأجير سكن من شركة عقارية مثلا، يجد أمامه رزمة من الأوراق %90 منها تحمل عبارة «يحق للطرف الأول» فالطرف الأول يحق له طرد الطرف الثاني من السكن في أي وقت يشاء بعد إخطاره بإخلاء المكان لغير سبب، والطرف الأول يفرض على الطرف الثاني شروطه في الدوائر الرسمية بحيث يحق للطرف الأول إنهاء خدمات الطرف الثاني قبل نهاية العقد المبرم بينهما، والطرف الأول عندما يؤجرك سيارة، فعليك أن توقع على شيك أبيض يمكن الطرف الأول من حقوقه وغير حقوقه، وفي المقابل نرى أن عبارة «لا يحق للطرف الثاني» كثرت في العقود حتى بات البعض لا يرى لوجودها ضرورة أصلا، ما دام الطرف الأول هو كل شيء، فهل من لفتة قانونية من طرف الجهات المختصة لتصحيح هذا الواقع حتى يشعر الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات؟

الطرف الثاني مستضعف
يقول عبيدة عبدالعالي: إنه شعر في كل العقود التي وقعها أنها ضد مصلحته كطرف ثان ضعيف لا حول له ولا قوة، فالجهة التي يعمل بها لا ترى فيه سوى خيط معلق في الهواء يمكن أن يطير عند هبوب أول زوبعة دون الالتفات لمصلحته، والظروف اضطرته للتوقيع على هذا العقد رغما عنه، وبالتالي لا بد من الالتفات إلى نظام العقود جميعا وإنصاف الطرف الثاني، إذ من غير المعقول أن تكون معاملة الدول الأجنبية للمسلم أفضل من معاملة المسلمين له.
وذكر عبدالعالي أن الشركات العقارية تمارس على المستأجرين ما يشبه الاستعباد بشكل غريب، فعقود هذه الشركات مجحفة ولا تراعي مصلحة الطرف الثاني مطلقا، فهي لا تتيح له الحصول على سكن غير مفروش، وتلزمه بقبول ما تختاره هي من فرش وأدوات قد لا تناسب وضع عائلته، وعندما يتوجه إليهم طالبا منهم سحب بعض أدواتهم حفاظا عليها يرفضون ثم يوقعونه على ضمان لتلك الأدوات بعدما يأخذون منه شيكا أو مبلغا من المال كضمان لتلك الأشياء، بعد ذلك يوقعونه على عقد كبير مليء بالتعسف والاستبداد في حقه.. وتساءل إذا كنت أقبل مثل هذا النوع من العقود من الجهات الرسمية التي هي الخصم والحكم، فكيف أستسيغه من طرف جهة خاصة يجب أن أتساوى أنا وهي أمام القانون، ففي أي اتفاق ملزم بين طرفين يجب أن توجد شروط وعلامات تحدد نوع العلاقة بينهما لتعطي كل طرف حقه، ومن المفترض أن يكون هذا الاتفاق أو العقد عادلا ومرضيا لكل من الطرفين، لكن المفترض شيء والواقع شيء آخر، فغالبا ما يوجد طرف أقوى من الآخر كعقود مقدم الخدمة والعميل، أو البنك والمقترض، أو بين مؤجر ومستأجر وغيرها من العقود التي يكون فيها الطرف الأول هو سيد الموقف، أما الطرف الثاني «العميل» فهو الضحية، ومن المستحيل أن تتساوى الكفتان بين الطرفين، بل يكون الطرف الأول أقوى من الثاني.

لائحة عقوبات
بدوره أكد أحمد عبدالله اليافعي أن المراجع للعقود يجد أنها عبارة عن لائحة من العقوبات الجزائية والتهديد من الطرف الأول للطرف الثاني وقدرة مقدم الخدمة على إلغاء العقد واستحقاق كل المبالغ للطرف الأول وعدم أحقية الطرف الثاني بأي مطالبة، والأدهى من ذلك والأمر أن ممتلكات الطرف الثاني قد تتحول بقدرة قادر وبجرة قلم إلى ملكية الطرف الأول، بحيث يحق له التصرف فيها حسب هواه ومزاجه، والمضحك المبكي أن ذلك يتم استنادا على القانون، وفي هذه الحالات يجب أن يخجل القانون من نفسه حينما يلصق ويبرر به هذا التعسف في حق الطرف الثاني المغلوب على أمره.
ولفت إلى أن المراجع لأي عقد يجد أن لائحة العقوبات المثبتة في العقد كلها تطوق الطرف الثاني، أما مقدم الخدمة «الطرف الأول» فعندما يقصر أو يخل بالاتفاق فلا عقوبة ولا قانون يعاقبه مما يستدعي من الجهات المعنية إعادة النظر في طبيعة العقود المبرمة بين مقدمي الخدمات والزبائن الذين يحق لهم أن يشعروا بوجودهم كطرف، بحيث لا يبقى للطرف الأول جميع الصلاحيات والحقوق، في الوقت الذي يتحمل فيه الطرف الثاني كل الواجبات والعقوبات في حالة ما إذا حصل إخلال بالعقد، فكلما قرأت عقدا وجدت الكثير من عبارة «يحق للطرف الأول «وأكثر منها» لا يحق للطرف الثاني» مما يؤكد أن العقود الموقعة هي عقود عرجاء تقف على رجل واحدة ظالمة، قد نتفهم أن يكون الطرف الأول أقوى وأكثر حقوقا، لكن لا بد أن يكون للطرف الثاني حقوق تنصفه يستطيع من خلالها الدفاع عن مصالحه، وإلا فإن العدالة ستغيب في دولة عرفت بالقوة والصرامة في تطبيق القوانين.
وأردف: مسكين أنت أيها الطرف الثاني ما أصعب وضعك وأعجزك أمام القانون، فإذا توجهت إلى البنك فأنت لا شيء، وإذا اشتريت سيارة من وكالة، فالوكالة ستستوفي حقها مضاعفا من وراء عرق جبينك، فهي طرف أول ويحق له إلزامك بفترة تأمين ستضطرك كل فترة إلى دفع آلاف الريالات من أجل صيانة بإمكانك إجراؤها عند أي ورشة صيانة بمئات الريالات، لكن كل تلك الأمور تظل بسيطة مقارنة بما يتعلق بحياتك وصحتك، وإذا أردت أيها الطرف الثاني أن تعرف حجمك وضعفك، وأنك عبارة عن رقم في مصلحة جهة ما، فما عليك سوى الذهاب إلى أحد المستشفيات لإجراء عملية لك أو لأحد أفراد عائلتك، فهنا ستعلم أن لا ناصر لك، وأن حياتك عبارة عن توقيع، فالمستشفى لن يشرع في إجراء العملية قبل أن توقع أنك تتحمل كافة المسؤولية، وإذا حصل خطأ ما من طرف الطبيب وفقدت حياتك، أو حياة فلذة كبدك فإن المستشفى والطبيب اللذين تسببا في ذلك لا يتحملان المسؤولية، أتدري لما ذا؟ لأنهما «الطرف الأول» الذي هو فوق كل قانون، وأنت «الطرف الثاني» الذي عليك كل الواجبات ولا حقوق لك، من هنا أناشد الجهات المعنية، والجهات القانونية المسؤولة عن عقود العمل وتطبيق القانون إعادة النظر في العقود وإنصاف الطرف الثاني، وأخذ مصلحته في الحسبان حتى لا يظل ميزان العدالة أعرج، فأنا أعي جيدا أن يكون بعض العقود –خصوصا المتعلقة بالجهات الحساسة- واضحة الشروط وصارمة، لكن أن يعم هذا الوضع كل العقود وتكون مصلحة الطرف الأول دائما هي الأهم فذلك ما يتنافى ومبادئ العدالة، فالظلم ظلمات يوم القيامة، وقد حرمه الله على نفسه وهو مالك كل شيء، فكيف لا يحرمه القائمون على تطبيق العدالة والقانون.

الخطأ في العقود
أما سالم محمد فيرى أن الخطأ يكمن في صياغة العقود من البداية، فالعقود ما دامت توقع بالتراضي بين الطرفين فلا معنى لوصفها بالمجحفة بحق طرف، لأن القانون لا يجبر الشخص على التوقيع على ما يرضى به، بالتالي يمكن مناقشة الموضوع من زاوية طبيعة العقود نفسها وما إذا كانت الجهات القانونية التي صاغتها قد راعت مصلحة الطرف الأول على حساب الطرف الثاني، في هذا أعتقد أن المشكلة من البداية، فالمراجع للعقود، لا بد وأن يشعر فعلا بأنها تراعي مصلحة الطرف الأول، لكن ما دام الموضوع قانونيا، والطرف الثاني رضي بالتوقيع على عقد كهذا، فقد أصبح الوضع قانونيا، ولا مسؤولية للجهات المعنية به.

العقود تختلف
المحامي أحمد السبيعي يؤكد أن العقود تختلف من جهة إلى أخرى، لكن يظل القانون هو سيد الموقف، وأضاف: بناء على نوع العقد تتحدد الحقوق والالتزامات بين الطرفين، ولا يوجد شيء يحق لطرف ولا يحق للطرف الآخر، صحيح أن الطرف الأول يحاول دائما تحصين حقوقه بالقانون، لكن الطرف الثاني ليس مجبرا على التوقيع على عقد يرى أنه لا يحصن حقوقه، أما إذا كانت طبيعة العقود الموجودة، وصيغتها القانونية تهتم دائما بمصلحة الطرف الأول، فهذا يجب أن يتغير حتى تكون حقوق طرفي العقد مصونة.
ولفت إلى أن العقود قائمة على مبدأ الرضا، ويجب أن يكون هناك توافق مسبق على توفيق العقد حتى إذا تنازل الطرف الثاني عن بعض حقوقه، فلا بد من أن يكون على بينة منها، لكنّ هناك حقوقا لا يمكن التنازل عنها، وحتى لو تنازل عنها أحد الطرفين فهذا التنازل باطل من الناحية القانونية، خصوصا إذا كان القانون ينص عليها، وفي هذا لحالة تلغى إرادة طرفي العقد، لأن بعض الحقوق لا يمكن التنازل عنه، أما إذا نص القانون على ذلك فهذا راجع لهما.
وفيما يتعلق بما أثاره بعض المتدخلين من أن المريض الذي تجرى له عملية يوقع على تنازله عن حقه في ملاحقة المؤسسة الطبية أكد السبيعي أن هذا ليس على إطلاقه، فالورقة التي يوقعها المريض أو أحد أقاربه هي لموافقته على إجراء العملية، لكن إذا حصل له مكروه لا سمح الله، فإن الحق المدني وما يمنحه من تعويض يقع على المؤسسة الطبية، والحق الجنائي يقع على الطبيب المعالج إذا ثبت أن إهمالا أو تقصيرا وقع، وهذا ما يجب أن يفهمه الجميع.
وطالب السبيعي من الطرف الثاني أن يقرأ العقد الذي سيوقع عليه ويراجعه بتمهل حتى يعرف طبيعة الالتزامات التي سيوقع عليها، وعلى الطرف الأول تمكين الطرف الثاني من ذلك، وعندما يحدث أي إخلال بالتزامات الطرف الأول تجاه الطرف الثاني فعليه رفع دعوى قانونية لجبر الضرر، وتعويضه من رب العمل تعويضا يعادل الضرر الذي لحق به، فمثلا الفصل التعسفي من جهة ما لأحد عمالها أو موظفيها عندما يتم دون أسباب وجيهة، فمن حق العامل رفع دعوى لاسترداد حقوقه، وعلى هذا الأساس نفهم أن العقود مهما كان اهتمامها بمصلحة الطرف الأول، ففيها أيضا ما يصون حقوق الطرف الثاني، لكن المشكلة تكمن في أن بعض الأشخاص يوقعون على عقود دون معرفة محتواها، وعندما يواجهون الواقع الذي لم يكونوا مستعدين للتعامل معه، يبدؤون في التوجه إلى الجهات القانونية التي لن تستطيع إنصافه نتيجة لتوقيعه بكامل إرادته على العقد.
وختم المحامي أحمد السبيعي حديثه بنصيحة عامة للطرفين في أي نوع من العقود، وهي ضرورة الالتزام بدراسة متأنية للعقد بكل جزئياته، فقد ترد فيه عبارة مختصرة يراها أحد الطرفين بسيطة، لكنها قد تكون مجحفة بحق أحد الطرفين، لخطورة نتائجها التي قد تؤدي إلى خسائر فادحة، فعلى الطرف الأول سواء أكان جهة حكومية أو جهة خاصة أن يتأكد من تضمن العقد كافة العناصر التي تم الاتفاق عليها قبل توقيع العقد في آخر مرحلة، وبأن تكون اللغة المستخدمة في أي عقد واضحة ومفهومة من الطرفين لأن اللغة التي يكتب بها العقد في غاية الأهمية، حيث إنه يشترط في عبارات العقد الوضوح والإيجاز، لذا لا بد من الانتباه إلى أن العبرة في العقود وإن كانت بالمقاصد، إلا أن الألفاظ حساسة جدا، فقد يعصف لفظ بمعنى وقد تترتب على عبارة بسيطة حقوق كثيرة، من هنا أنصح طرفي العقد بأن لا يتركوا مجالا الصياغة للطباع بحيث يقتصر دورهما على التوقيع فقط، بل يجب عليهما مراجعة العقد أكثر من مرة والاستفسار عن كل جملة غير مفهومة من أحد الطرفين، حتى يوقع الطرفان على بنود عقد واضحة.