الأحد 11 جمادى الآخرة / 24 يناير 2021
 / 
03:49 م بتوقيت الدوحة

حديث الأسر مع أبنائها بـ «الإنجليزية».. ارتقاء معرفي أم «منظرة»؟.. «العربية» تشكو إهمال أبنائها!

هبة فتحي

الجمعة 08 يناير 2021

محمد الحيدر: تعليم أولادي الإنجليزية ضرورة وليس رفاهية

سارة الخواجة: تعلم اللغات يوسع آفاق الطفل.. ووسيلة لتحفيزه للتعرف على الشعوب

دعاء أحمد: نطق ابنتي بالإنجليزية «خرج عن سيطرتي».. وطبيعة المجتمع الخليجي سبب الظاهرة

مي جبوري: طفلتي ذات الأربعة أعوام لا تستطيع التلفظ بأي كلمة عربية!

نسيمة عابدين: بدأت خطوات جادة لتعليم ابنتي «لغة الضاد» حفاظاً على هويتها

إذا تجولت في «مول تجاري» أو حديقة عامة، فسيلفت انتبهاك أن هذه الأم أو تلك تخاطب أولادها باللغة الإنجليزية أو بخليط بين كلمات أجنبية وعربية، وهذا يفتح الباب أمام قضية جدلية طفت على السطح خلال السنوات الأخيرة، خاصة بإهمال «لغة الضاد» التي تحمل هوية وتراث وكيان كل عربي، بدعوى أن التعليم العصري يقوم على الإنجليزية وغيرها من اللغات الأجنبية.
إن لغتنا العربية لغة المعاني الثرية ولغة القرآن، وعلى الرغم من ذلك لم يحالف الجميع الحظ في إتقانها، فهي ليست لغة سهلة في تعلم قواعدها، ولكنها تظل لغتنا الأم ومطالبون دائماً ببرّها وإعلاء قيمتها.   
ومن الجهل أن يعارض أي شخص تعلم اللغات العالمية الأخرى بحجة الخوف من فقدان الهوية العربية، فقد أصبحت اللغات الأخرى جسراً للتواصل بين الشعوب ووسيلة للحصول على مستقبل تعليمي ومهني مميز، لكن ما يدعو للتساؤل هو لماذا أصبح حق اللغات الأخرى جائراً على حق اللغة العربية؟ فالأجيال الحالية تتحدث الإنجليزية كلغة أولى، وتجيد التعبير بها عما بداخلها لدرجة أن تقف متسائلاً بدافع الفضول هل هذا مقصود بداعي التفاخر والوجاهة الاجتماعية واستعراض لمستوى الطبقة التي ينتمي إليها الشخص، أم أن هناك ظروفاً أخرى ربما لا نعلم عنها.
من ناحية أخرى، لماذا يتهكم البعض على من يتحدث الفصحى، في حين تُرسم علامات الإعجاب على وجوهنا حين نسمع عربي الأصل والجنسية وهو يتحدث بطلاقة باللغات الأجنبية الأخرى ويتلعثم في العربية. «العرب» تطرح القضية على مختصين ونماذج من الآباء والأمهات.

لغة لأغلب الجنسيات
محمد الحيدر -والد لطفلين- يرى أن تعليم أبنائه اللغة الإنجليزية أصبح ضرورة وليس رفاهية كما كان في السابق لأن ما يحيط بهم في المجتمع يحتم ذلك سواء كان لإكمال تعليمهم في الجامعات الدولية أو وجود جسر للتعامل بينهم وبين الأفراد غير العرب سواء عمالة منزلية أو العمالة في المحال التجارية المختلفة، وهذا الأمر مُركز في الدوحة ودول الخليج حيث الوافدين من كل دول العالم ومن ثم الإنجليزية لغة مستساغة لأغلب الجنسيات.
وعن تجربته الخاصة في المنزل مع أبنائه، أكد أنه يشجعهم على التحدث باللغة العربية قدر الإمكان خاصة أنهم يميلون إلى التحدث بالإنجليزية وفي حال تم ذلك يسألهم عن المعاني بالعربية لترسيخ أهميتها في أذهانهم منذ الصغر على الرغم من إتقانهم للإنجليزية، معتبراً أن تعليم اللغة العربية جزء من بناء شخصية الطفل حتى يتسنى له التعبير عن نفسه وهويته ويحافظ على شخصيته بعيداً عن أي استقطاب محتمل ومن ثم تماهي الطفل مع أي ثقافة أخرى أو نسيان دينه الإسلامي ولغة القرآن وعروبته.
وأردف قائلاً: «أنصح الأهالي الذين لا يجيدون الإنجليزية بعدم التحدث بها مع أطفالهم، وترك هذا الجانب للمدرسة ومدهم بمفردات اللغة العربية السليمة، لأن الإصرار على التحدث بالإنجليزية معهم على الرغم من عدم إتقانها سيؤدى بهم إلى الضعف في اللغتين».

الإنجليزية في العمل.. والعربية بالبيت
«على الرغم من تحدثي طوال اليوم في عملي باللغة الإنجليزية، إلا أنني حريصة عند العودة إلى المنزل على التحدث بالعربية باعتبارها اللغة الأقرب لتعبير أبنائي عن مشاعرهم». بهذه العبارة بدأت سارة الخواجة -طبيبة وأم لطفلين- حديثها وأكدت أنها تدرك أهمية إتقان أولادها للغة الأم، وحرصت على ذلك منذ سنواتهم الأولى قبل تعلم أي لغة أخرى، حيث بدأت بتعليمهم وحفظهم للقرآن الكريم معبرة عن فخرها بتفوق أبنائها عليها من حيث حجم ومخزون المفردات اللغوية التي يستخدمونها للتعبير عن أنفسهم بالعربية.
واعتبرت الخواجة أن إتقان الإنجليزية مهم ليس من باب التفاخر المجتمعي للتعبير عن رقي الطبقة التي ينتمي إليها الطفل، ولكن تعلم لغات أخرى يوسع آفاق الطفل ووسيلة لتحفيزه للتعرف على الشعوب الأخرى، كما أنها أصبحت من شروط الابتعاث في المستقبل للحصول على فرصة تعليمية في الدول المختلفة، ومن هنا رأت أنه يجب ألا يُحصر الطفل في تعلم لغة واحدة، بل يجب تشجيعه على حب اللغات ودراستها ليواكب التطورات من حوله.     
وفسرت الخواجة ميل أطفالها في بعض الأحيان لاستخدام الإنجليزية بطغيان التكنولوجيا، إذ إن معظم الألعاب الإلكترونية بالإنجليزية، كما أن أغلب التطبيقات التي يمكن أن يحصل من خلالها الطفل على المعلومات أغلبها بالإنجليزية كذلك، مؤكدة أنه لا يمكن التغافل عن الغزو المعلوماتي باللغة الإنجليزية، وأن ضبط الأسر لهذا الأمر ضروري للحفاظ على الهوية العربية واللغة الأم.

دور المعلمين الأجانب
تقول دعاء أحمد -أم لطفلة (8 سنوات)- إن ابنتها اعتادت الحديث والتعبير عن نفسها ومشاعرها باللغة الإنجليزية نظراً لتلقيها التعليم في إحدى المدارس الأجنبية، ومن ثم قضاء أغلب الوقت في المدرسة بين المعلمين الأجانب الذين لا يتحدثون إلا الإنجليزية، إضافة إلى أصدقائها في الصف الدراسي، موضحة أن الأمر خرج عن سيطرتها بعد أن اكتشفت أن ابنتها تجد صعوبة في التعبير عما بداخلها بالعربية، حتى أن بعض الأمور التي تطلب أن تفعلها بالعربية لا تفهمها، وبالتالي تضطر إلى استخدام الإنجليزية مجبرة معها لإيصال المعلومة.
وأكدت أن طبيعة المجتمع الخليجي -الذي يضم عدداً ضخماً من الجنسيات- ساهمت بشكل كبير في تفضيل الأطفال التحدث بالإنجليزية لأنها اللغة المستخدمة خارج المنزل طوال الوقت سواء داخل سيارات الأجرة أو المحال التجارية والعمالة المنزلية، وبالتالي اقتصر التعامل بالعربية داخل المنزل، مما خلق صعوبة لدى الطفل التحول من لغة لأخرى في نفس الوقت بشكل كامل.
وعبرت عن أسفها لما وصلت إليه طفلتها من حيث إحساسها باللغة العربية التي لفتت أنها تجد صعوبة كبيرة للتعامل معها بها، لأن الطفلة أصبحت تستسيغ الإنجليزية وتجد صعوبة في الكتابة بالعربية وهي لغتها الأم، مشيرة إلى أن البعص أصبح يفسر ذلك ويصفه بأنه شكل من أشكال الدلال الزائد للطفل دون معرفة أو فهم محاولات الآباء مع أطفالهم والتي عادة ما يرفضها الطفل، وشددت على ضرورة تواجد عاملين عرب في كل المحالات التجارية والمطاعم كنوع من المحاولة التي تساهم في تشجيع الأطفال التحدث بالعربية للتعبير عما يريدونه خارج المنزل.     

طفلتي تبكي !
في السياق نفسه، تقول مي جبوري -أم لطفلين- إن طفلتها الأصغر (4 سنوات) لا تستطيع التلفظ بأي كلمة عربية، وفي حال حاولت فعل ذلك تتحدث وكأنها غير عربية الأصل على عكس الطفل الآخر 6 سنوات، وأرجعت مي ذلك إلى احتمالية أن استعداد كل طفل يختلف عن الآخر فيما يتعلق باستيعابه للغتين في آن واحد.
وأشارت إلى أن الطفلة تميل إلى التحدث بالإنجليزية بسبب التحاقها بالروضة في عمر مبكر للغاية، فكانت تسمع كل المحادثات بين المعلمات بالإنجليزية وحين عودتها تواصل الحديث بالإنجليزية، مؤكدة أنها حاولت استقطاب ميولها للغة العربية من خلال إلحاقها بدروس قرآن أو مشاهدة أفلام كارتون بالعربي، ولكن دائماً ما ترفض ويصل الأمر إلى البكاء أحياناً.
وقالت مي إن الأمر يزداد خطورة عندما يتحدث الطفلان الإنجليزية حتى داخل المنزل ويعبران عن أنفسهما مستخدمين بعض العبارات التي ربما لا تتناسب مع الثقافة العربية والتي لا تفهم بعضها أحياناً، مؤكدة أنها في محاولات دائمة لتشجيع طفلتها التحدث بالعربية ولكن الأمر دائماً ما ينتهي بالفشل نظراً لعنادها الشديد في هذا الأمر. 
وأضافت: «اهتمامي بتعلم أطفالي الإنجليزية كان واضحاً، ولم أكن أتوقع عزوفهم عن العربية بهذا الشكل، خاصة مع رغبتي في احتفاظهم باللهجة العراقية وهذا أمر مهم كذلك خاصة في ظل اختلاطهم بلهجات مختلفة، وقد أصبح مخزون العربية لديهم مزيجاً من اللهجات مختلفة وهذا ما أسعى كذلك إلى تعديله».  

الأجداد خليط متعدد 
من جهتها، تقول السيدة نسيمة عابدين -أم لطفلة- إن حديثها مع الزوج والبنت داخل المنزل بالإنجليزية يتم بشكل تلقائي نتيجة أن جدة الطفلة من الأم تايلندية صينية وجدتها من الأب فلبينية إسبانية، ليفرز هذا الخليط متعدد الجنسيات حديثاً عائلياً بالإنجليزية، فالتقطت الطفلة ذات العامين اللغة الإنجليزية كلغة أولى، فضلاً عن أن المربية الخاصة بالطفلة داخل المنزل أثناء وقت دوام الأم تتحدث الإنجليزية بطلاقة كذلك.  
وأضافت أنها بدأت خطوات جادة في تعليم الطفلة اللغة العربية، بهدف الحفاظ على هويتها العربية والإسلامية، مؤكدة حرص زوجها على هذا الأمر، ومن ثم اتخذا قراراً بالتحاقها بروضة تقوم بتعليم العربية إلى جانب الإنجليزية، معتبرة أن الجو العام داخل المجتمع يشكل عنصراً فعّالاً نحو اتجاه أغلب الأجيال الحالية للتحدث بالإنجليزية رغبة منهم ومن الأهل في الالتحاق بالجامعات العالمية ومن ثم ضمان مستقبل تعليمي ومهني أفضل.
وشددت على حرصها أن تتعلم الطفلة اللغة العربية بشكل صحيح، حيث ترفض حديث العمالة المنزلية مع الطفلة بالعربية غير المتقنة لأن هذا الأمر سيزيد عربية الطفلة سوءاً، مضيفة أن السنوات الأولى من عمر الطفل مهمة كي يتقن لغته الأم ومن ثم ينفتح ويتعلم لغات إضافية تُسهل عليه التعامل مع محيطه سواء الأسري كما هو في حالتهم أو مستقبلاً من خلال الحصول على فرص تعليمية ووظيفية مميزة.

تعلم اللغات أمر ضروري
لا يختلف الأمر مع عبد الخالق محمود -والد لطفلين- عن النماذج السابقة، إذ إنه يتحدث مع أطفاله بالإنجليزية في كثير من الأحيان في المنزل، بهدف تطوير مهاراتهم اللغوية كنوع من الدور التكميلي بجانب المدرسة المصنفة خاصة أو دولية، واصفاً هذا الأمر بالضروري لرفع مستوى الأطفال لتأهيليهم في المستقبل للالتحاق بجامعات ذات مستوى راقٍ حيث يشغل هذ الأمر بال جميع الأهالي.
وشدد على أنه يوازن بين رغبته في الارتقاء اللغوي للأطفال بتعلم لغة جديدة بجانب احترام اللغة الأم وتمثيلها تمثيلاً جيداً من خلال تعريفهم تعاليم الدين الإسلامي بالعربية وتحفيظهم القرآن، واعتبر أن إتقان لغة أجنبية يزيد من قدرة الأطفال على التواصل الجيد مع باقي شرائح المجتمع داخل الدوحة، نظراً لأنها لغة التواصل مع الجيران والأصدقاء غير العرب وهذا شائع نتيجة العدد الكبير للجنسيات التي تحتضنها الدوحة، وبالتالي تصبح اللغة الإنجليزية لغة عالمية تربط الجميع وتجعلهم يتواصلون دون عائق.
ولفت إلى أن استخدام الإنجليزية داخل المنزل ضروري في حال تواجدت مساعدة في المنزل، فمعرفة الطفل للغة سيجعله قادراً على التعبير عن نفسه وما يحتاجه بشكل جيد خاصة لو تواجد الوالدان خارج المنزل، وبالتالي الأمر لم يعد رفاهية وإنما أصبح فرضاً في ظل طبيعة المجتمع ونمط العيش به.

د. شريفة العمادي: أغلب الأسر تهتم بالإنجليزية من باب «الوجاهة الاجتماعية»

تقول الدكتورة شريفة العمادي -المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة- إن أغلب الأسر في المجتمعات العربية بشكل عام والقطرية بشكل خاص أصبحت تهتم بتعليم وتحدث أبنائها الإنجليزية من باب الوجاهة الاجتماعية على اعتبار أنها تعكس المستوى الاقتصادي والاجتماعي للأسرة، مضيفة أن هناك فريقاً آخر يفضل التحدث مع أبنائه بالإنجليزية حتى قبل سن المدرسة كي يتسنى لهم الالتحاق بالمدارس الأجنبية التي أصبحت هي الأخرى وجاهة اجتماعية في كثير من الأحيان، باعتبارها تقوم بتدريس المنهج كاملاً باللغة الإنجليزية لتحقيق مستقبل أفضل من الناحيتين الوظيفية والاجتماعية من وجهة نظرهم. 
وأوضحت العمادي أن المتخصصين اللغويين اختلفوا في تحديد العمر المناسب لاكتساب لغة جديدة، حيث أثبتت بعض الدراسات وجود ظاهرة الإعاقة اللغوية عند الأطفال الذين تعلموا لغتين في وقت مبكر، بينما أثبتت دراسات أخرى أن أطفال اللغة الواحدة كانت قدراتهم الكتابية أفضل، ومن ثم عانى أطفال اللغتين من بعض الصعوبات اللغوية، مؤكدة أن تعلم الطفل لغته الأم جيداً يساعد فيما بعد على اكتساب لغة أخرى دون مشكلات، لذلك فإن غالبية دول الاتحاد الأوروبي تبدأ في تعليم اللغات الأخرى في عمر متأخر.   
وأكدت المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة على أنه لا يمكن إنكار  فوائد تعلم اللغة الإنجليزية في وقت مبكر، نظراً لمساهمتها في رفع قدرة العقل على التخزين وتوسع مدارك الطفل وقدراته الاستيعابية، ولكن بشرط ألا يؤثر ذلك سلباً على تعلم اللغة الأم أو يؤدي إلى إهمالها لأنها تعبر عن هوية الطفل واعتزازه بعروبته وثقافته، لافتة إلى أهمية اكتسابها من خلال الاختصاصيين وليس عن طريق العمالة المنزلية على سبيل المثال كما يحدث في معظم الأوقات لأنها ستكون مشوهة، وفي هذه الحالة لن يفلح الطفل في اكتساب لغة سليمة سواء على مستوى لغته الأم أو أي لغة ثانية.
ونصحت د. شريفة العمادي الأهل بضرورة تواصلهم مع أطفالهم باللغة الأم التي يجيدونها، لأنها أفضل في توصيل مشاعر حبهما للأبناء خاصة في حال عدم إجادة الوالدين للغة الإنجليزية، مشددة على أن الاهتمام بدروس اللغة العربية والدين الإسلامي ضرورة حتمية للأطفال الذين يدرسون في مدارس أجنبية للتخفيف من هيمنة اللغة الإنجليزية، إضافة إلى إشراك الأبناء مع المحيط الاجتماعي بقدر الإمكان حتى يتمكن من اكتساب هويته الثقافية.

_
_
  • المغرب

    5:12 م
...