إنشاء مركز لـ «الرقية الشرعية» يحمي المجتمع من مستنقع العلاج الروحاني

alarab
تحقيقات 08 يناير 2016 , 07:18ص
امير سالم
دعا مواطنون ورقاة إلى إنشاء مركز متخصص للرقية الشرعية، وتوفير كوارد نسائية للنهوض بأعمال الرقية للمرضى من السيدات داخل هذا المركز المقترح إنشاؤه.. وأكدوا أن مثل هذه الخطوة سوف تساهم في حماية المجتمع القطري من خطر مدعي العلاج الروحاني، وتعزيز مكافحة الدجل وتوفير أجواء مثالية ومنضبطة للرقية، بالإضافة إلى حماية الرقاة أنفسهم من محاولات المدعين منازعتهم في القيام بهذه المهمة من أجل ابتزاز المرضى وذويهم.

كما اقترحوا في حديثهم مع «العرب» ضرورة وضع إطار مؤسسي للرقية الشرعية بإنشاء مركز رئيسي يتبعه مراكز فرعية في كافة المدن، وأن تخضع كافة المراكز لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أسوة بمراكز حفظ القرآن الكريم، لافتين إلى ضرورة تأهيل رقاة من أبناء الجنسيات المقيمة لعلاج الحالات المرضية المحتاجة للرقية من أبناء بلدانهم.

مواجهة الدجل
في البداية، أكد الراقي الشرعي المعتمد من وزارة الأوقاف عماد عبدالرحمن البكش أهمية إنشاء مركز متخصص للرقية الشرعية للتعامل مع الحالات التي تعاني مشاكل نفسية وغيرها، وأن يعمل المركز على مدار الساعة يومياً أسوة بالمراكز الصحية، لافتاً إلى أن خطوة من هذا النوع سوف تسهل على المرضى تلقي العلاج في أي وقت، والتخفيف على الرقاة الذين يفاجئون في أوقات كثيرة ومتأخرة ليلاً بطلبات عاجلة للرقية، بالإضافة إلى غلق الأبواب في وجه مدعي العلاج الروحاني والدجالين.

ونوه بإمكانية إنشاء مكاتب للرقية الشرعية أسوة بمكاتب المطوع الموجودة في عدة مستشفيات ومنها «حمد العام»، وأن تتوسع هذه المكاتب لتقديم خدمات معاونة للمركز المتخصص للرقية الشرعية، ولا يقتصر دورها على خدمة مرضى المستشفيات مثل مكاتب المطوع، وإنما يمتد إلى المرضى من خارج المستشفيات.

تأهيل راقيات
وقال: «إن مواجهة مدعي العلاج الروحاني لمرضى السحر والمس وغيرهما، يستدعي ضرورة، تأهيل راقيات شرعيات لتولي مهمة رقية الحالات المرضية من النساء»، موضحاً أن المجتمع القطري متحفظ بطبعه، ما يستدعي ضرورة توافر سيدات مؤهلات للقيام بهذا الدور، موضحاً أن وجود راقية مؤهلة للتعامل مع المريضات سوف يسهل كثيراً من العلاج لأن المرأة سر المرأة، وأقدر على التعامل معها مقارنة بالراقي الشرعي الذي يشترط وجود المحرم الشرعي لإتمام الرقية، منوهاً بأن توفير راقية سوف يخفف من الضغوط المتزايدة على الرقاة لتقديم الرقية، فضلاً عن عدم الحاجة إلى وجود المحرم، وتابع: إن بعض الحالات لا يوجد لها محرم وهو ما يقف حائلاً أمام إتمام الرقية، ولن تكون هناك مشكلة لمثل هذه الحالات في حالة وجود رقاة من السيدات.

وأوضح: أن عدد الطبيبات كبير جداً في المراكز الصحية والمستشفيات مراعاة لتفضيل السيدات الخضوع للفحوصات الطبية على أيدي طبيبات وليس أطباء، لافتاً إلى أن هناك ضرورة مجتمعية أيضاً لمثل هذه الخطوة بحكم طبيعة المجتمع القطري المحافظ، منوهاً بأهمية تأهيل راقيات للنهوض بمهمة الرقية الشرعية للحالات النسائية أسوة بما هو متبع في المراكز الطبية والمستشفيات.

وقال: «إن الراقي يقوم بزيارات إلى بيوت المرضى على نفقته الشخصية ويتحمل مشاق وأعباء صحية في رحلات علاج المرضى إلى جانب استنزاف وقته في جلسات الرقية التي تمتد أحياناً إلى عدة ساعات متواصلة وعلى أيام متتابعة»، موضحاً أن الوزارة أنشأت مكاتب دعوية في المستشفيات لعلاج المرضى وتقديم الدعم النفسي والروحي، وتعمل تحت مسمى مكاتب المطوع، وبهدف التعامل مع المرضى المقيمين بهذه المستشفيات ويعالجون من أمراض جسدية، لافتاً إلى أن وزارة الأوقاف نفذت دورات تأهيلية مع مشكلات السحر، وجاءت بنتائج إيجابية، موضحاً أن هناك فريقين للرقية الشرعية أحدهما يعالج المرضى داخل عدة مستشفيات وهي الخور والوكرة وحمد العام، بينما يعمل الفريق الثاني خارج المستشفيات».

حالات تستحق الخدمة
وبدوره، قال طالب عفيفة عضو مجلس إدارة الجمعية القطرية لتأهيل ذوي الاحتياجات الخاصة «إن هناك حاجة بالفعل إلى إنشاء مركز متخصص للرقية الشرعية، خاصة إذا علمنا بوجود حالات تستحق مثل هذه الخدمة العلاجية الروحانية المستمدة من السنة النبوية الشريفة، وليست اعتماداً على أعمال الدجل والشعوذة التي تستنزف جيوب الباحثين عن علاج، لافتاً إلى أن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تقوم بدور كبير في خدمة الدعوة وتحقيق مصلحة المجتمع وتطوره، وأنها مؤهلة بما لديها من كوادر للنهوض بهذه المسؤولية المجتمعية الحيوية التي لا يمكن إغفال القيام بها، منوهاً بأهمية تنفيذ دورات لتدريب وتأهيل سيدات قطريات حتى يحصلن على الخبرة اللازمة لتولي مهمة الرقية الشرعية، موضحاً أن غالبية الحالات المحتاجة إلى الرقية من السيدات، ومن باب أولى خضوعهن للرقية على أيدي راقيات بما يساهم في إنجاز هذه المهمة دون حرج خاصة للحالات التي يستدعي رقيتها في البيوت.

إشراف الأوقاف
وقال: «إن مكاتب المطوع تقدم خدمات الرقية الشرعية في عدة مستشفيات، ولكن دورها يقتصر على الحالات المرضية الموجودة بهذه المستشفيات فقط»، متابعاً: يمكن البناء على ما تحقق فعلاً على الأرض بتفعيل دور مكاتب المطوع، وأن تكون تابعة لمركز متخصص في الرقية الشرعية بإشراف كامل من وزارة الأوقاف».

وأكد «عفيفة» أهمية المبادرة بتنفيذ هذا المركز خاصة أن الإمكانيات المالية متوافرة بما يساهم في تأهيل وتدريب الكوادر اللازمة للقيام بمهمة الرقية الشرعية من الجنسين، محذراً في الوقت نفسه من خطورة وقوع الحالات المرضية في فخ الدجالين من مدعي العلاج الروحاني الذين يبتزون المرضى مادياً ويساهمون في زيادة معاناتهم نفسياً وروحياً.

وتابع: إن أفضل حل لتفعيل دور الرقاة في مواجهة الدجالين والسحرة يكمن في إنشاء مركز للرقية الشرعية، وأن يعمل بدوام كامل على مدار الساعة أسوة بخدمة الطوارئ في المستشفيات، وأن يتناوب الرقاة القيام بهذا الدور وفق جدول عمل يومي، ولفت إلى أهمية اعتماد رقاة من أبناء الجاليات غير العربية حتى يتمكنوا من علاج مرضاهم وفق القواعد والتقاليد في بلادهم.

الاستفادة من الخبرات
ومن جانبها، أوضحت السيدة إيمان صالح ناجي أمين السر العام بالمركز القطري الثقافي الاجتماعي للصم، أهمية الاستفادة من خبرات الدول التي قامت بإنشاء مراكز للرقية الشرعية، تخضع فيها الحالات المرضية لجلسات أمام الرقاة، لافتة إلى أن الحاجة تستدعي في بعض الأحيان ذهاب الراقي إلى المريض في بيته الخاص، أو العكس، وهو ما قد يتسبب في حرج مزدوج يمكن تلافيه بإنشاء مركز متخصص يعمل في إطار مؤسسي أسوة بالخدمة العلاجية في المراكز الصحية والطبية ومراكز حفظ القرآن الكريم.

ونوهت بأن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لديها وعي بأهمية الرقية الشرعية، ويمكن أن تضع قواعد وإجراءات وشروطا معينة لقبول رقاة جدد بينهم سيدات للتعامل مع الحالات المرضية من السيدات المحتاجة لهذه النوعية من العلاج، لافتة إلى أهمية وجود راقيات معتمدات حتى يقمن بدورهن على أكمل وجه في التعامل مع المريضات، على أن يتم تكليف كل راقية بإنجاز أعمالها في منطقة معينة حتى يسهل الوصول إليها وقت الضرورة، منوهة بأن خطوة من هذا النوع سوف تغلق المجال أم مدعي العلاج الروحاني والمتاجرين بآلام المرضى من الدجالين والمشعوذين، بالإضافة إلى تلبية حاجة المرضى خاصة أن عدد المصابين بأمراض روحية في زيادة مطردة تفوق قدرات الرقاة الحاليين على التعامل معهم.

عقوبات رادعة
وأعربت «إيمان» عن أملها في أن يتم توقيع عقوبات رادعة ضد مدعي العلاج الروحاني الذين ينتشرون في مجتمعات دول الخليج العربي لممارسة أعمالهم الشيطانية من أجل المال واستغلالاً لمعاناة المرضى، وقالت: «إن قطر تستوعب الوافدين من كافة أجناس العالم الباحثين عن لقمة عيش كريمة، ولكن في الوقت نفسه يجب ردع من تسول له نفسه القدوم إليها من أجل القيام بأعمال السحر وممارسة الدجل».

الانضباط غائب
وبدوره، أكد فهد المري حاجة الرقية الشرعية إلى مزيد من الانضباط والتنظيم، وأن تعمل في إطار مؤسسي عملي وداخل مراكز متخصصة في المدن الكبرى، موضحاً أن هناك من يسترون وراء الرقية الشرعية للقيام بأعمال ابتزاز واضحة للمرضى، وهم يعملون بحرية مطلقة رغم أنهم دجالون يستحقون الردع والمساءلة، وقال: «إذا تحقق الانضباط المفقود، وبات العمل مؤسسياً لن يتسرب مثل هؤلاء العابثين للتلاعب في المجتمع واستغلال معاناة أفراده، ولن تكون هناك مشكلة تتعلق بنقص عدد الرقاة.

واقترح المري أن يكون مركز الرقية الشرعية خاضعاً لإشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وأن تتولى وحدها مهام تأهيل الرقاة رجالاً ونساءً، أسوة بمراكز تحفيظ القرآن، وقال: «حال وجود مركز متخصص للرقية فمن الطبيعي أن تكون الخدمة خاضعة للرقابة، وأن تستوعب المرضى الروحانيين سواء من القطريين أو من باقي المقيمين من أبناء الجنسيات الأخرى خاصة الآسيوية التي ترتفع بها معدلات الإصابة بالأمراض النفسية والروحانية، وهو ما يؤدي إلى طرد الدجالين وعدم إتاحة الفرصة أمامهم لابتزاز المرضى. وتابع: إن مواجهة مدعي العلاج الروحاني والدجالين من محترفي أعمال السحر لا يجب أن تكون إجراءً فردياً من جهة بعينها، وإنما ينبغي أن يكون الحل جماعياً بمشاركة كافة أطياف المجتمع لمنع تغول مثل هذه الفئة من المتلاعبين والمتاجرين بآلام الناس.

فرق بين الراقي والدجال
وقال أحد الرقاة رفض الكشف عن اسمه لـ «العرب»: «إن هناك فرقا بين الراقي الشرعي، والساحر أو الدجال، موضحاً أن المريض يمكنه اكتشاف هذا الفرق بسهولة، لأن الراقي الشرعي معتمد من وزارة الأوقاف ومصرح له بمزاولة الرقية الشرعية، وهو من يقرأ آيات القرآن والأحاديث النبوية في جلسات العلاج، لافتاً إلى أن الدجال يتمتم طلاسم ورموزا بلغة غير مفهومة ويتعمد سؤال المريض عن أشياء غريبة مثل اسم الأم أو طلب ذبح طائر مثلاً دون أن يذكر اسم الله عليه، كما يستعين بالجن مدعياً معرفة الغيب، ويقوم بإشعال البخور خلال الجلسات وإدخال كلمات غير معروفة بين آيات القرآن الكريم، موضحاً أن السحرة الأجانب ينتشرون بدول الخليج العربي ويمارسون أعمالهم الشيطانية ويطلبون المال من المرضى مقابل علاجهم، منوهاً بأن عدد هؤلاء الدجالين في تزايد مستمر وهو ما يتطلب توفير أعداد إضافية من الرقاة لمواجهة السحرة.

مشاكل حياتية
وكان الداعية عبدالله محمد النعمة، الخطيب والراقي الشرعي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أكد لـ «العرب» في وقت سابق، أن المشاكل الحياتية تحتاج وقتاً إضافياً لحلها وبما يفوق قدرات الرقاة المعتمدين، موضحاً أن بعض الرقاة قد لا يعطون الوقت الكافي للمريض أو المريضة مما يتسبب في تأخر الشفاء نتيجة الضغط المتزايدة عليهم من أعمال الرقية المضافة إلى مهامهم الرئيسية.

وأوضح النعمة أنه يقوم بمعالجة 3 حالات يومياً وأن الوقت لا يتسع لها جميعاً، لافتاً إلى أن وجود 16 راقياً فقط في بلد يحتاج مزيداً من المؤهلين للقيام بعلاج المرضى الروحانيين، موضحاً أن الفترة الماضية شهدت زيادة عدد الرقاة من 8 إلى 12 إلى 16 راقياً يعملون بشكل متواصل لإنهاء مشكلات مرضية يتعرض لها كثيرون حالياً.

تشدد مبرر
وقال النعمة: «إن وزارة الأوقاف تضع نصب أعينها بعض الأمور الخاصة بالمجتمع القطري وتتشدد في قواعد قبول واعتماد الرقاة، لأنهم يدخلون منازل المواطنين لعلاج الحالات المصابة ومعرفة بعض الأسرار العائلية، وبالتالي لا بد أن تكون الوزارة واثقة في الراقي وأمانته في حفظ هذه الأسرار»، وقال: «إن التشدد في قبول الرقاة له ما يبرره، وأن الرقاة المعتمدين لدى الوزارة تتوافر فيهم الشروط والضوابط المطلوبة».