

شهد اليوم الأول من منتدى الدوحة 2025، الذي انطلقت فعالياته أمس، نقاشات عميقة وصريحة في أربع جلسات رئيسية، ركزت على أبرز التحديات السياسية والإنسانية والأمنية التي تواجهها المنطقة والعالم.
واجتمع عدد من المسؤولين الحاليين والسابقين، وقادة منظمات إنسانية، وأمناء عامون لتكتلات إقليمية، وباحثون وإعلاميون بارزون، ليضعوا أربعة ملفات حارقة على طاولة نقاش واحدة، وهي مستقبل غزة في ظل وقف إطلاق نار هش، أزمة التمويل الإنساني العالمية غير المسبوقة، وإمكانية بناء جسور ثقة حقيقية مع إيران، ودور الإعلام الجديد بين ثورة المعلومات وخطر التضليل.

أزمة الدعم الإنساني غير مسبوقة
في جلسة بعنوان «التفاوت الاقتصادي والشمول: الوصول الإنساني والاستجابة للأزمات»، حذّر مسؤولون من تفاقم الفجوة التمويلية التي تهدد الدول والمجتمعات الهشة.
وكشف سعادة السيد يوسف بن علي الخاطر، رئيس مجلس إدارة الهلال الأحمر القطري، أن الاحتياجات الإنسانية العالمية لعام 2024 بلغت 94 مليار دولار، فيما لم يتوفر سوى 25 مليار فقط.
وأوضح أن الهلال الأحمر القطري نجح في تنفيذ 166 مشروعاً بأكثر من 233 مليون ريال قطري استفاد منها أكثر من 6 ملايين شخص في 26 دولة، بفضل تنويع مصادر التمويل والشراكة مع صندوق قطر للتنمية والقطاع الخاص.
ومن جانبها قالت ليزا دوغتن من مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إن الأمم المتحدة لم تتمكن من تغطية سوى 23% من الاحتياجات المطلوبة، محذرة من أن تراجع المساعدات يزعزع استقرار الدول الهشة ويخلق حلقة مفرغة من الفقر والعنف.
أما تاجادا دوين ماكينا، الرئيسة التنفيذية لميرسي كوربس، فأكدت أن أكبر الخسائر طالت تمويل بناء السلام والتنمية طويلة الأمد، مشيرة إلى أن تكلفة الاستجابة للكوارث تفوق تكلفة الوقاية منها بسبعة أضعاف.
وفي السياق نفسه، كشف فادي شحادة، رئيس مؤسسة باكس اللبنانية، عن إطلاق منصة رقمية جديدة تعتمد الذكاء الاصطناعي وتقنية البلوك تشين وصور الأقمار الصناعية، تتيح للمجتمعات المحلية عرض مشاريعها مباشرة على المانحين العالميين دون وسطاء، في خطوة تُعد نقلة نوعية نحو التمويل المباشر واللامركزي.
مسؤولية دولية مشتركة بشأن قطاع غزة
في جلسة رفيعة المستوى بعنوان «حسابات غزة: إعادة تقييم المسؤوليات العالمية وسبل السلام»، أدارتها الدكتورة كومفورت إرو، الرئيسة التنفيذية لمجموعة الأزمات الدولية، أكد المشاركون أن وقف إطلاق النار الحالي في قطاع غزة ما زال هشاً، وأن استمرار سقوط الضحايا المدنيين أمر غير مقبول.
وشدد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، على وجود فرصة حقيقية للانتقال السريع إلى المرحلة الثانية من تثبيت وقف النار، داعياً إلى إدخال مساعدات إنسانية واسعة النطاق عبر الأمم المتحدة باستقلالية تامة، وضمان عودة الخدمات الأساسية لسكان القطاع.
وحذّر من أن انهيار السلطة الفلسطينية مالياً سيكون كارثة على الفلسطينيين وعلى المنطقة بأكملها، مؤكداً أن أي ترتيبات انتقالية يجب أن تضع السلطة الفلسطينية في قلبها. من جهتها، أكدت الدكتورة منال رضوان، الوزيرة المفوضة في الخارجية السعودية، أن حل الدولتين هو الطريق الوحيد لتحقيق الأمن للجميع، مشيرة إلى أن التحالف العالمي لتنفيذ هذا الحل ينسجم تماماً مع خطة السلام العربية- الإسلامية- الأمريكية ذات النقاط العشرين.
وشددت على أن «غزة ليست قضية منفصلة، بل جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية»، محذرة من أن غياب ضمانات الحقوق السياسية والأمنية للفلسطينيين يعني غياب الأمن لإسرائيل أيضاً، وانتقدت موقف الحكومة الإسرائيلية الحالية الرافض لحل الدولتين.
جسر الثقة مع إيران ممكن وبسيط
جلسة «إيران والبيئة الأمنية الإقليمية المتغيرة» شهدت مشاركة لافتة من الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، ووزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف.
وأكد البديوي أن دول الخليج لا تريد انهيار إيران، بل ازدهارها، مشيراً إلى أن الناتج المحلي لدول المجلس بلغ 2.4 تريليون دولار عام 2024، وأن الخليج مستعد لمشاركة تجاربه التنموية مع طهران، شريطة احترام حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ظريف من جهته جدد استعداد إيران الدائم للحوار، مستذكراً مبادرة «منتدى الحوار الإقليمي» التي طرحها عام 2017، داعياً إلى إضفاء طابع مؤسسي على الحوار الخليجي- الإيراني وبناء رؤية مشتركة للمستقبل.
أما ناتالي توتشي، مديرة المعهد الإيطالي للشؤون الدولية، فحذرت من أن مصير المنطقة بيد أبنائها وليس القوى الخارجية، ودعت إلى خطوات عملية لبناء الثقة.
الإعلام بين ثورة التواصل وخطر المعلومات المضللة
شهد يوم أمس جلسة بعنوان «قوة الإعلام والبحث عن الحقيقة» بالتعاون مع مكتب الإعلام الدولي.
وشارك في الجلسة نيل باتيل مؤسس شبكة تاكر كارلسون، وروري ستيوارت، وأليكس بروسيتز، ونيكا سون-شيونغ، أشادوا بشجاعة الصحفيين في غزة، وأكدوا أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت ثورة في سرعة وانتشار الأخبار، لكنها في الوقت ذاته فتحمل خطر نشر المعلومات المفبركة بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
ودعا المتحدثون الجمهور إلى الابتعاد عن المنصات غير الموثوقة، والتأكد من المصادر الرسمية، وتوظيف التقنيات الحديثة في خدمة إعلام هادف وبنّاء.
ويواصل منتدى الدوحة 2025 دوره كمنصة حوار دولية جادة تجمع صناع القرار والخبراء لمناقشة أكثر القضايا إلحاحاً على الساحة العالمية.