سلمى الجمل لـ«العرب»: «الجزيرة» هي العين الصادقة للمشاهد
حوارات
07 نوفمبر 2016 , 01:06ص
الحسن آيت بيهي
من التلفزيون السوري إلى قناة «روسيا اليوم» إلى «الجزيرة» تحاول الإعلامية الفلسطينية سلمى الجمل أن تضع بصمتها في الإعلام العربي والمساهمة في تقديم الخبر الصادق للمشاهدين.. وجدت ضالتها في «الجزيرة» التي التحقت بها قبل أربع سنوات، حيث تؤكد أنها كانت تعيش في داخلها منذ تأسيسها والتحقت بها بصدفة كانت أكثر من رائعة.. في هذا اللقاء الذي خصت به «العرب» تتحدث سلمى الجمل عن رحلتها مع الإعلام وعن تغطياتها الميدانية وقناة «الجزيرة» والدوحة وزيارتها الأولى لفلسطين في أغسطس الماضي وغير ذلك والذي نقدمه في الحوار التالي:
قبل أيام تم الاحتفال بالذكرى الـ20 لتأسيس شبكة الجزيرة الإعلامية، ماذا تمثل لك هذه المناسبة كأحد أعضاء الطاقم الإعلامي لهذه الشبكة؟
عندما بدأت الجزيرة قبل عقدين من الزمن كنت لا زلت في المرحلة الثانوية من دراستي، وكان عندي شغف في منزل الطفولة والأهل.. فوالدي كان سياسياً فلسطينياً ويعمل في مجال الإعلام والثقافة وكانت الأخبار ترافقنا منذ الصغر لأن أبي كان دائم البحث عن الأخبار من خلال الترانزستور الصغير لالتقاط راديو مونتي كارلو بهدف الابتعاد عن الإعلام المحلي العربي الذي كان في خدمة سلطة الحاكم، وقد بقي هذا المشهد راسخاً في ذهني منذ طفولتي، وكنت أسال والدي لماذا لا تتابع أخبار تلفزيون سوريا التي كنا نقيم فيها كلاجئين فلسطينيين، وكان يجيبني ما يأتي من هذا الراديو الصغير أفضل بكثير من أخبار التلفزيون.
استمرت هذه الحالة إلى أن فتحت قناة الجزيرة عام 1996 وكان حدثاً هاماً في منزلنا وكان اللاقط غير مجهز لالتقاط القناة وذهبنا إلى بيت خالتي خصيصاً لمشاهدة الجزيرة وعندما فتحنا الشاشة كنت أنظر إليها بشغف كبير، وأقول: إن الجزيرة كانت تعيش في داخلي منذ عقدين وكنت أراها كهدف يجب أن أصل إليه.. نعم هي نجمة ولؤلؤة في هذا المحيط الإعلامي الذي أنظر إليه بإعجاب وكنت أقول: إن الجزيرة هي هدفي والغاية التي أرسمها والحمد لله وصلتها.
التحقت بالجزيرة عام 2012 وقبلها عملت في عدة قنوات، فكيف كانت البداية؟
- في بدايتي، عملت في الإذاعة لفترة وجيزة عام 2004 ثم في التلفزيون السوري وفي عام 2005 كانت هناك محاولة لتغيير الإعلام في سوريا وكانت هناك بذرة من خلال قناة «الشام» والتي تم وأدها في بدايتها وفي تلك الفترة جاءني عرض من قناة «روسيا اليوم» حيث قررت الانتقال إلى روسيا وعملت هناك رفقة زوجي وفي عام 2012 جاء الوقت الذي التحقت فيه بالجزيرة بتوفيق من الله.
كيف ذلك؟
- في تلك الفترة كانت الجزيرة تبحث عن مذيعين وأخبرني أحد أصدقاء زوجي بذلك، وتقدمت بسيرتي الذاتية وتم اختياري بتوفيق من الله سبحانه.
هل هي صدفة أم كانت خطوة مدروسة؟
- والله هي صدفة لكنها كانت صدفة جيدة جدّا وخدمتني وسمحت لي بتحقيق هدفي وأرجو أن تكون تلك الخطوة قد خدمتني، والحمد لله أنا أحب الجزيرة وأعتقد أن الجزيرة تحبني لأنني انضممت إليها بسرعة كبيرة كما قيل لي آنذاك، حيث إنني في غضون أقل من شهرين كنت في الدوحة وباشرت عملي.
بالنسبة لقدومك للجزيرة هل وجدت نفس الصورة التي كانت في ذهنك حول القناة وأنت تشاهدينها من الخارج، وكيف رأيت الجزيرة من الداخل؟
- أعتقد أن خبرة سنة في الجزيرة توازي ثلاث سنوات في أي قناة أخرى.. والحقيقة أن الجزيرة هي مشروع استراتيجي فأن ينتج الوطن العربي مشروعاً بهذه الريادة وهذه القوة وهذا التأثير، فذلك يستحق التقديرمن كل العرب .
أنا أرى بأن الجزيرة متميزة في كل شيء وعندما تنظر إليها من بعيد تكون معجباً بهذا الحضور والقوة والمصداقية رغم كل التشكيك وحملات التحريض التي تتعرض لها فهي لا زالت الخبر الموثوق والأكثر مصداقية عند المشاهد العربي، وعندما تأتي إلى الجزيرة تعرف لماذا ترمى بالحجارة؟ ولماذا تصدق من طرف المشاهد العربي؟ ولماذا هذه الشعبية لأن في داخلها تكتشف أن المهنية هي العنصر الذي يحكم العاملين فيها والذي يتميز فلأنه فعليا يستحق التميز ولأن الأولوية لصدقية الخبر وإعطاء المشاهد الأخبار الحقيقية والصادقة والتي تصل إليه بدقة وتخبره ما يريد أن يسمعه ويشاهده في كل مكان، فالجزيرة هي العين الصادقة للمشاهد في كل مكان.
ماذا عن حرية المبادرة في غرف الأخبار، وهل هناك خطوط حمراء تحكم عملكم داخل الجزيرة؟
- قيل الكثير حول هذا الأمر.. ولكن بكل صدق ومنذ عملي في الجزيرة لم يسبق أن جاء شخص ما وقال لي بأن هذه من المحرمات أو تلك من المباحات.. بل حتى في بعض الملفات التي يعتقد أنها شائكة يطلب مني أن أديرها بذكاء في الاتجاه والطريقة التي نخرج من خلالها بفائدة تفيد المشاهد بكل ملابساته، وبكل الفخاخ الموجودة وحساسية بعض الأخبار في التناول لكننا نتناولها بطريقة ذكية، ولكن لا أحد يقول لي إن هذا محرم، وهذا لا أو لا تسألي هذا السؤال ولكن نصوغ الخبر ضمن الأجندة المعروفة لدينا.
أية أجندة؟
- أجندة الخبر الصادق المبني على الرأي والرأي الآخر والتي تؤطر عمل «الجزيرة» ككل.
لكن في بعض الأحيان المذيع يتحامل على جهة ما بناء على موقف مسبق من هذه الجهة..
وهذا دليل على الحرية.. فبعضنا يتحمس لبعض الأفكار ويرى أنه يجب أن يذهب بعيدا في طرح وجهة نظره كما يراها.
يعني هي مبادرات فردية..
- أكيد.. ولكن ضمن الموضوعية وقدسية الخبر وإعطاء المعلومة الصحيحة التي يجب أن نكون مسلحين بها حتى نحاجج بطريقة قد تصل أحيانا إلى الاستفزاز..
طيب.. أنت قدمت النشرات الإخبارية وكذا التغطيات الميدانية، فأيهما الأفضل بالنسبة إليك؟
- الاستوديو هو ملعبنا وبيتنا الأساسي ولكن الرتابة أحيانا تدفعك إلى طلب التغيير وهي حاجة فعلية لكي يتحرك الإعلامي ليراه المشاهد في مكان آخر، والذي يسعد برؤية الجانب الآخر لدى الإعلامي بعيدا عن الاستوديو والنشرات المعدة في قوالب ونظام معين فالتحرك في مشاهد أخرى بالميدان هو حاجة تخدم الإعلامي، وأنا أتحدث عن نفسي وأرى أنني أكون بحاجة إلى أن أغادر الاستوديو بين الفينة والأخرى وأكون في الميدان، على الأقل مرة في السنة علماً أننا في الجزيرة دائماً ما يكون هناك حرص على أن نكون في قلب الحدث ومكان الخبر حتى نظهر للمشاهد حجم الاهتمام بالأخبار، خاصة تلك التي تكون ساخنة.
ماذا عن أولى تغطياتك الخارجة بعيداً عن الاستوديو؟
- أول تغطية لي مع الجزيرة كانت مع اللاجئين من سوريين وعراقيين وغيرهم، وذلك بعد حادثة غرق الطفل «إيلان» حيث ذهبت إلى الضفة الأولى من بحر إيجة وذهب زملاء آخرون إلى مناطق أخرى، وقمنا بتغطية مشهود لها، وقد رفعت هذه التغطيات من قيمة قضية اللاجئين وحركت الضمير الإنساني بهذه القضية.
وماذا عن تغطية معركة الموصل؟
- كان التحدي أكبر خاصة وأن التفكير بالذهاب إلى أربيل يقلق كثيراً من الإعلاميين فما بالك التواجد في الصفوف الأمامية.. بصراحة كانت هذه المرة الأولى لي وقد اكتشفت جانباً لا أعرفه في شخصيتي؛ لأنها المرة التي أغطي فيها حرباً حيث اكتشفت بأني لا أخاف وهذا غريب رغم أنني كفلسطينية يقال عنّا بأننا شعب الجبارين، وصراحة لم أشعر لحظة بأنني خائفة ولا يجب أن أذهب بل على العكس ونحن في أربيل عندما نستيقظ وأتوجه إلى المكتب لنرى إلى أي نقطة ساخنة سنذهب إليها خلال المعركة كنت أتحمس كثيراً رغم النيران التي كانت محيطة بنا من كل جانب، بل إنني خلال التغطية تعرضت لقذيفة هاون تم تطويرها من طرف «داعش» وأنا أستضيف أحد المتحدثين، ولكن ـ الحمد لله ـ مرت بسلام.
ما طموحك اليوم، وهل تفكرين في تقديم برنامج بالجزيرة خاصة مع الانطلاقة الجديدة للجزيرة ومنح مساحات أكبر للبرامج؟
- لِمَ لا؟.. أنا طموحة وأرى أن المستقبل لا زال يحمل لي الكثير ولأنني موجودة في المكان الصحيح الذي يعطي الفرص الحقيقية.. هناك مجموعة من البرامج مع الدورة الرئيسية رغم أنني لا أريد أن أغادر استوديو الأخبار، لكن لِمَ لا؟ فتقديم برامج خاصة وأن روح الجزيرة دائماً متجددة ،تسمح بدخول أفكار جديدة فالمساحة تتسع للكل..
ما طبيعة البرنامج الذي تريدين تقديمه ويجذبك؟
- أعتقد أنها البرامج التفاعلية خاصة مع ثورة الإعلام الجديد والتي تجذب الشباب خاصة وأن مثل هذه البرامج ستسمح بمخاطبة الشباب وفَهْم ما يريدونه، خاصة وأن هذه الوسائل متاحة ويجب استثمارها.. المنوعات أيضاً مهمة وأنا أسعد بمشاهدتها ولكن أفضل الأخبار عليها.
هل أنت مستعدة لترك الجزيرة لو جاءك عرض آخر؟
- هذا سؤال غريب.. ولكن لا أعتقد.. نحن لسنا في مطعم نبيع الطعام حسب الذائقة، ولكن نقدم أفكاراً وأخباراً ويجب أن تؤمن وتنسجم مع الخط التحريري للقناة.. وللجزيرة خطها ومشروعها التحريري مع الإنسان وصادقة وتقف برأيي مع قضايا الإنسان في الملفات الأصعب وعلى خط النار.. وأنا من الصعب أن أعمل مع قناة لا تنسجم معي فكريّا والجزيرة تنسجم معي فكريّا وطموحي في الجزيرة يوصلني إلى ما أريد.
أربع سنوات في الدوحة، كيف ترينها وما هي الصورة التي ترسمينها لها خاصة وأن قطر مقبلة على حدث كأس العالم 2022؟
- الجزيرة ستكون حاضرة في هذا الحدث وهي في قلب الحدث، وأكيد أنها ستغطي هذا الحدث بكل تفاصيله الصغيرة وستذهب إلى أقصى حد وستسخر كل الإمكانيات الضرورية.
الدوحة بعد أربع سنوات فيها أعتقد أنها من أجمل سنوات عمري راحة وعملاً وعائلتي معي وأنا جئت من بلد أجنبي وعرفت الفرق.. البلد يتطور بسرعة كبيرة ومذهلة وهو ورش مفتوحة وشغوف بالوصول إلى منتهى الأشياء..
زرت فلسطين أول مرة في حياتك في أغسطس الماضي ، كيف كان إحساسك ؟
- أنا خُلِقت وعشت في سوريا كلاجئة فلسطينية.. والدي ووالدتي ولدوا في فلسطين عشت في سوريا وكانت فلسطين دائماً حاضرة في المنزل وفي الأفكار وتشبعنا بفلسطين الرمز والوطن والحق العادل.. لم أستطع دخول فلسطين إلا قبل شهرين حيث قررت رفقة عائلتي زيارة الناصرة بلد والدتي وتحديداً قرية «لوبيا» التي تبعد عن الناصرة حوالي 10 دقائق بالسيارة.
عندما ذهبت ودخلت بالجواز الروسي الذي أمتلكه رفقة عائلتي.. خلت نفسي وكأنني أحلم ووجدت نفسي في واقع وتجربة كانت مليئة بالمشاعر العائلية.. التقيت بأختي التي تعيش في الناصرة منذ 17 عاماً، والكثير من أفراد عائلتي من الأخوال والخالات وكانت مؤثرة ومهمة لي من ناحية الأهل والمشاعر الوطنية والإحساس بفلسطين، لدى أولادي الذين ذهبوا لكي يتعزز لديهم الشعور بالانتماء لفلسطين وعندما ذهبت إلى القدس كانت بالنسبة لي لحظة تدفق روحاني قريب وغزير، وكل شيء هناك ينضح بالروحانيات في المسجد الأقصى والزوايا وكنيسة القيامة حيث أحسست أنني أخذت الطاقة التي أحتاج إليها وأخذت من عبق الروح.. نعم هي فلسطين التي أنتمي إليها وهي تعيش داخلي، وقد دفعتني هذه الزيارة إلى إعادة البحث عن أشعار محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد واستعدت كل الأشعار الفلسطينية التي درستها وتداعت إليّ وأنا أزور عكا والجليل والقدس، ووجدت نفسي لا إراديا أفتح تلك الأشعار لأعيد قراءتها بطريقة مختلفة.. فلسطين في القلب التي حفرت في قلبي وسنعود ولو بعد سنين طويلة.
تحديات التغطية الميدانية
كان الحافز الأساسي هو شغفنا بالعمل الذي نقوم به.. وكنا نعمل في مكتب أربيل بعد إغلاق مكتب بغداد، وكان من الطبيعي أن نكون متواجدين في حدود تواجد قوات البشمركة، وكانت المعارك في محيط الموصل، وشغف الحصول على المعلومة كان هو الحافز وهذا جعلني لا أفكر في أية حالة خوف، وكان لديّ الاندفاع للوصول إلى عمق الجبهات وهو فعليّا ما قمنا به في أكثر من منطقة، حيث ذهبنا إلى بعشيقة في اليوم الثالث من المعارك وأذكر كان محوراً ملتهباً جدّا ورأينا سيارات الإسعاف تحمل الجرحى ووصلنا حتى آخر نقطة يسمح لنا فيها بالتقدم وكان الوجوم على وجوه الجنود بسبب أعداد القتلى والجرحى ومنع التصوير في ذلك المكان وذهبنا إلى ساتر ترابي يفصل القوات المتقاتلة وكان طيران التحالف قريباً جدا منا عندما يضرب بالقنابل الذكية التي شاهدناها قريباً وكيف تسقط في الجهة المقابلة، والتحدي كان كبيراً والمحيط كان عدائيّا سواء الهواء الملوث بعوادم السيارات والنفط الذي يحرق من طرف «داعش» بل وحتى الإنترنت كان عدوَّنا حيث كنا في بعض الأحيان نريد أن نحصل عليه ولا نفلح ونلجأ إلى الطرق البدائية من أجل القيام بعملنا، والأمر كان تحدِّياً كبيرا، وكانت هناك تحديات أخرى في بعض الأحيان كانت قوات البشرمكة يقولون لنا: أنتم في الجزيرة تبثون كل الأخبار حتى أخبار داعش وهذا الأمر لا يلقى استحسانهم ونجيبهم أننا ملتزمون بوجود الرأي والرأي الآخر، وهذا لا يعني أننا ننقل رأي تنظيم الدولة ولكن أخبارهم ومن كل الجهات..