الأمراض قدر إلهي يذكرنا بنعمة الصحة والعافية
محليات
07 نوفمبر 2015 , 02:01ص
الوكرة - العرب
قالت الداعية ليندا مومني إن الأمراض والأسقام من سنن الحياة التي لا بد منها ولا انفكاك عنها؛ حيث كتبها الله جلّ جلاله وقدّرها لتُذكّر الناس بالنعمة المنسية على الدوام: نعمة الصحة والعافية، ولولا الأمراض لما تذكّر أحدٌ افتقاره إلى خالقه وحاجته إليه في كشف البلاء وتخفيف الشدّة.
وتحدثت المحاضرة عن اسم الله «الشافي» وذكرت أنه ورد في الحديث الشريف الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد مريضاً يدعو له ويقول: «اذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً».
وأوضحت في محاضرة ألقتها بفرع الوكرة النسائي لمؤسسة عيد الخيرية، أن اسم الله الشافي جاء من الفعل: شفَى، يُقال: شفى الله المريض يشفيه شفاءً فهو شافٍ، والمعنى أن الله تعالى عافاه وأبرأه من مرضه وعلّته، وشُفي المريض، أي: برئ وتعافى، واستعاد صحّته وعافيته. ويُقال: استشفى فلان، إذا طلب الشفاء، وأشفيت فلاناً، إذا وهبت له شفاء من الدواء، جاء في الصحاح: «استشفى: طلب الشفاء، وأشفيتك الشيء، أي أعطيتكه تستشفي به، ويقال: أشفاه الله عسلاً، إذا جعله له شفاء»، وفي تهذيب اللغة: «أشفى زيد عمراً، إذا وصف له دواء يكون شفاؤه فيه».
وذكرت أن من استعمالاتهم للشفاء من الناحية المعنوية قولهم: الجواب الشَّافي، أي القاطع الذي يُكتفى به عن المراجعة، ومنه كذلك: شُفي غيظي أو شُفي غليلي، وذلك حين ينال ثأره من عدوّه، وفي محكم التنزيل: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} والمقصود: إذهاب ما وقر في قلوب المؤمنين من موجدة القهر والذل مما كانوا ينالونه من الأذى منهم.
وأوردت قول ابن الأعرابي أن العرب تقول: أشفى، إذا سار في شفا القمر، وهو آخر الليل، وأشفى، إذا أشرف على وصية أو وديعة. ويُقال: شفَى غليلي كوب ماء: أروى ظمئي وأزال عطشي، وشفاء الجهل التعلّم، ومنه حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: «ألا سألوا إذ لم يعلموا؛ فإنما شفاء العيّ السؤال».
يتبيّن لنا أن الأمراض تعتري النفوس كما تعتري الأبدان، وفي هذا توسيعٌ لمفهوم «الشفاء» الذي تضمّنه اسم الله الشافي.
وأكدت ليندا مومني أن الله سبحانه وتعالى هو الشافي للأرواح والقلوب، سواءٌ ما يتعلّق بالشبهات والشكوك والوساوس، أو ما يتعلّق بالشهوات التي تضطرم نارها وتُقلق صاحبها، حيث أنزل تعالى للناس ما هو شفاءٌ ورحمة للمؤمنين من أمراض الشهوات والشبهات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}، وقال سبحانه: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (فصّلت:44).
وقالت إن الله وحده هو الذي يشفي عللُ الأبدان وأمراضها، وما قدَّر في هذه الحياة من مرضٍ قط إلا وأوجد ما يقابله من الأدوية التي تشفيه وتقضي على أسبابه، صحّ بذلك الحديث عن النبي –صلى اله عليه وسلم: «ما أنزل الله داء إلا قد أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله» رواه أحمد.
ونبهت على أن من جملة المقرّرات الشرعيّة الحضّ على التداوي والندب إليه، وقد سئل النبي –صلى الله عليه وسلم: «هل علينا جناح أن لا نتداوى؟ فقال: (تداووا عباد الله، فإن الله سبحانه لم يضع داء إلا وضع معه شفاء إلا الهرم)»، رواه أصحاب السنن، وهذا من الأخذ بالأسباب المأمور بها.
وأوضحت أن الله عز وجل قد جعل الشفاء في الكثير من الأسباب والوسائل، كالدعاء وسؤال الله فهو من أعظم العبادات التي يُتقرّب بها إلى الله تعالى، وذكرت أن من الآداب الشرعيّة عند زيارة المريض أن يُقال له: «أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك» 7 مرّات، وكان من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم رب الناس مُذهب البأس اشفِ أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاءً لا يغادرُ سقماً».
والرقية باب شرعيّ من أبواب الشفاء الفعّالة، حتى كان بعض السلف الصالح يستغنون بها عن غيرها من أنواع العلاج الحسّي، وثبتت الأحاديث في قدرتها على علاج الأمراض الحسيّة كلدغة العقرب والحمّى وغير ذلك.
وأضافت أن من جملة الأسباب: العلاج بالعسل، قال تعالى: {يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل:69)، ومنها كذلك الحبّة السوداء والحجامة، وأمور أخرى كثيرة اعتنى العلماء بجمعها في باب «الطب النبوي».
وأوضحت أن من آثار الإيمان باسم الله الشافي:
- إخلاص اللجوء إلى الله والتعلق به حال المرض، لأن الشفاء منه سبحانه وتعالى وحده دون ما سواه، وهذا لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب ولكنّه –أيضاً- يمنع من التفات القلب إلى الأسباب ونسيان خالقها والأمر بها.
- العلم بأن الله سبحانه وتعالى قد يؤخر عن العبد شفاء البدن لأجل شفاء الروح، فيُقدّر المرض لتنقية المؤمن وتزكيته وتمحيصه، ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مرض أو وجع يصيب المؤمن إلا كان كفارة لذنبه، حتى الشوكة يشاكها، أو النكبة ينكبها –أي المصيبة) رواه أحمد وأصله في الصحيحين، مما يورث الرضا بأقدار الله.
- عدم اليأس من تأخّر البرء إيماناً جازماً بأن قضاء الله للعبد خيرٌ من قضاء العبد لنفسه، وتسلية النفس بتذكّر أحوال أنبياء الله تعالى الذين ألمّت بهم الأمراض والأوجاع فلم يُقابلوها إلا بالصبر واحتساب الأجر.
وتستمر سلسلة محاضرات عيد النسائي فرع الوكرة، بعد غد الاثنين بمحاضرة جديدة للداعية سجى مجاهد.