التذوق الممزوج بالتدين يمثل أرضاً للفن التشكيلي الإسلامي
تحقيقات
07 سبتمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - أمير سالم
أكد الفنان علي يوسف جاسم المتخصص في علم الفن التشكيلي الإسلامي المعروف بكتابة الآيات القرآنية بطريقة الحفر الغائر على الخشب، ضرورة تقديم الدعم الحكومي الكافي لضمان رواج هذا الفن، وأعرب عن أمله في إنشاء مؤسسة حكومية تتولى تخريج الكوادر المحترفة من الدارسين القادرين على توارث هذا الفن وتطويره والذي كان سبباً في نشر الإسلام بين محبي الخط العربي في أنحاء العالم الغربي وكذلك نشر «العربية» لغة القرآن الكريم.. ورفض جاسم وصف هذا الفن بأنه نخبوي وقال «إن التذوق الممزوج بالتدين يمثل أرض وجمهور الفن التشكيلي الإسلامي».
وكشف جاسم في حواره مع «العرب» عن أنه تعلم هذا الفن بدون معلم، وذلك بعد أن أعجب بجمال الآيات القرآنية الموجودة على ستائر الكعبة المشرفة في رحلة عمرة، وأوضح جاسم أنه يحاول من خلال هذا الفن التقرب إلى الله، ولا يسعى إلى تحقيق أي مكاسب شخصية وقال: «أخطط لتنفيذ مشروع جديد مستقبلاً ويتمثل في كتابة لوحات لآيات من القرآن بعدة لغات»، كما تحدث عن تفاصيل جديدة نجدها بنص الحوار.
• منذ متى بدأت ممارسة هذا النوع من الفن ذي الشعبية المحدودة بين باقي الفنون الأكثر رواجاً وجمهوراً؟
* في الحقيقة إنني قررت تعلم الفن التشكيلي من أصعب زواياه العام الماضي فقط حينما كنت أؤدي مناسك «العمرة» وشدتني فخامة وروعة الشريط القرآني المنقوش على ستار الكعبة ووجدت هاتفاً يهتف بي يدعوني إلى تعلم هذا الفن، وقررت من فور اللحظة التفرغ تماماً لدراسته وكيفية التعامل معه حتى وصلت إلى نوع من الإجادة المقبولة وأسعى لتطوير أدائي بصفة مستمرة وتنويع خطوط لوحاتي.
• قلت إنك قررت فك ألغاز هذا الفن من أصعب زواياه.. هل يمكنك التوضيح وإطلاعنا على مدى الصعوبة في لونك الإبداعي؟
- نحت اللوحات القرآنية بطريقة الحفر على الخشب صعب للغاية لأنني أقوم برسم الآية فوق قطعة من الخشب بالقلم الرصاص أولاً ثم أقوم باستخدام ماكينة يدوية «أركت» تتولى قطع الخشب في إطار الحروف المرسومة وبمنتهى الدقة وتفريغها من جسد الخشب لتظهر الآية مفرغة، وهي أصعب من فن الخط المعتمد على استخدام الفرشاة في الرسم على الورق والقماش، وطريقة «القصابين» المعروفة بكتابة الآيات بطريقة بارزة على القماش.
• هل هناك فروق كبيرة في الصنعة بين النحت وباقي فروع هذا الفن؟
- فارق كبير بطبيعة الحال بين التعامل مع القماش والخشب فالأول سهل يتسم بالمرونة والتطويع بينما الثاني يحتاج تركيزاً ومجهوداً عضلياً أكثر حتى تخرج اللوحة بلا عيوب ظاهرة.
• ماذا إذاً عن مراحل تنفيذ اللوحة حتى تخرج بصورتها النهائية للجمهور؟
- بعد نحت أو نقش اللوحة أقوم بتركيب أجزائها غير المترابطة مثل النقاط وعلامات التنوين ثم أقوم بلصق الجسم الخشبي للوحة بعد طلائه فوق أرضية من الخشب الخفيف تكون جسداً له ثم تأتي المرحلة الأخيرة وهي كسوة جسد اللوحة بالقماش المذهب أو الأسود اللامع على الأرجح ووضعها في برواز مذهب.
• أخبرني عن قراءاتك في هذا الفن، وعلى يد مَن تأثرت وأخذت النصيحة حتى وصلت إلى هذا المستوى الذي تراه معقولاً؟
- صدقني لم أتعلم على يد أحد من أساتذة هذا الفن إطلاقاً ولم أقرأ عنه شيئاً كما لم أحاول الاطلاع على إنتاجهم ولا طريقة الكتابة ولا حتى أنواع الخطوط التي اختاروها لكتابة إبداعهم في لوحات يشهد الجميع على اختلاف مدارسهم برقيها وجمالها، فقط استسلمت لإحساس هز أعماقي حينما كنت في البيت الحرام، وقمت بإنشاء ورشة ومرسم في منزلي بمنطقة الخيسة وكنت فيما يشبه المعسكرات المغلقة حتى حققت قدراً من احترافية هذا الفن.
• لكن الكتابات المنقوشة على ستار الكعبة هي من النوع البارز على القماش وليس بطريقة الكتابة الغائرة فلماذا لم تحاكيها ولجأت إلى الخيار الصعب؟
- لم أستغرق وقتاً طويلاً في دراسة تفاصيل النقوش ومدى كونها غائرة أو بارزة ولا كونها مصنوعة من قماش أو من خشب، فقط حاولت وجاء التوفيق من الله باحتراف هذا النوع من النقش الغائر على الخشب.
• ما الخطوط المفضلة لديك في كتابة لوحاتك؟
- جميعها بلا استثناء لأن جمالها يظهر من باطن كونها تسطر آيات القرآن الكريم الذي لا ينطق عن الهوى وإن كنت أجد سهولة أكثر في التعامل مع الخط الكوفي بفارق نسبي عن باقي الخطوط ومن بينها النسخ والرقعة والثلث والفارسي والهمايوني، فهو يتسم بالمرونة الممزوجة باستقامة تسمح بسهولة قطع وتفريغ النقوش بسهولة ويسر.
• هل يكون لحجم اللوحات دور في اختيار نوع ما من الخشب أو الخط المطلوبين لتنفيذها؟
- بالطبع فاللوحة الصغيرة يستخدم فيها الخشب العادي بينما اللوحة الأكبر حجماً تحتاج نوعاً أكثر فخامة مثل الخشب الأحمر وخشب التيك، كما تختلف الخلفية القماش التي تكسو الأرضية ويحددها حجم اللوحة ويفضل أن تكون من اللون الأصفر المذهب أو الأسود اللامع خشن الملمس.
• هل تحقق عائداً مقبولاً من عائدات بيع هذه اللوحات؟
- يمكنني القول إنني لست مشغولاً بتحقيق مكاسب مالية من وراء هذا الفن، وأعتبر ما أقوم بإنتاجه نوعاً من التقرب إلى الله تعالي وأحلم أن يكون في كل بيت مسلم لوحة من إبداعي ويكفيني فخراً أنني أسطر آيات قرآنه الكريم في لوحات، ولكن في الوقت نفسه أرحب في المرتبة الثانية بتحقيق مكاسب مالية لم تتحقق حتى الآن.
• كيف لم تحقق أي نوع من المكاسب المالية.. ألم تقُم ببيع أي من لوحاتك في معارض الفنون الإسلامية؟
- بالفعل لم أكسب شيئاً حتى الآن ولم يدخل جيبي مليم واحد، لأنني ببساطة لم أبِع لوحة واحدة ولم تقُم أية جهة بتبني عرض لوحاتي في أي من المعارض المهتمة بالفن الإسلامي، كما أخصص جزءاً كبيراً من راتبي شهرياً لإنتاج هذه اللوحات وهي مرتفعة التكاليف.
• لماذا لم تحاول الترويج لإبداعك في المعارض المختصة ولدى علماء هذا الفن؟
- فقط انشغلت بالعمل وإنتاج الكثير من اللوحات وكنت في رهان مع نفسي حتى أصل إلى درجة مقبولة من احتراف الصنعة، وأعتقد أن الوقت حان لتعويض ما فات في مجال الدعاية والترويج خاصة أنني بالفعل أحتاج دعماً من مؤسسة كبرى أو جهة ما في الدولة لرعاية هذا الفن، وأحلم بإنشاء مؤسسة تعليمية كبرى تقوم بتخريج دفعات سنوية محترفة تعمل على ترسيخ هذا الفن.
• أراك تشعر باليأس من غياب دعم الجهات الحكومية المختصة وعدم اهتمامها بما تقدمه من إبداع؟
- أحياناً، لأنني كما ترى أبذل مجهوداً ذهنياً وعضلياً كبيراً يستمر عدة ساعات وأحياناً يمتد إلى أيام متواصلة حتى أنتهي من إنجاز لوحة واحدة لكن في النهاية يتلاشى الإحساس باليأس فور الانتهاء من عملي، وظهور اللوحات بإبداع يليق بآيات القرآن ويعمل على إظهار ما بها من روعة وجمال في المعنى والمبنى.
• هل تمتلك جديداً يمكنك الإعلان عنه خلال الفترة المقبلة؟
- نعم.. وقد يكون غريباً لكنه يراودني منذ فترة؛ حيث أسعى جاهداً لكتابة اللوحات القرآنية مترجمة بالحروف اللاتينية وباقي اللغات العالمية مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية، وأدرس بالفعل البدء في رسم اللوحات باللغات السابقة وأرى أن الوقت لم يحن بعد، وقد أجد نفسي أنفذ هذا المشروع بصورة مفاجئة.
• ما حجم جمهورك إذن في قطر؟
- عدد ليس بالكثير وليس بالقليل، فهم أهلي وأسرتي وأصدقائي وبعض من المؤمنين بموهبتي إذا جاز التعبير، بجانب بعض المهتمين بمتابعتي من الجمهور القطري الذي بدأت أنظاره تتجه تدريجياً للاهتمام بهذا الفن، بينما لا أجد اهتماماً على الإطلاق من الجماهير في باقي دول الخليج العربي، وأقولها وأكررها صراحة ما زلت أحتاج إلى الدعم على كافة المستويات وفي مقدمتها ما يتعلق بالترويج الإعلامي.
• ما أكثر الآيات التي قمت بوضعها في لوحاتك؟ وهل قمت بنحت عدة آيات في لوحة واحدة؟
- لفظ التوحيد «لا إله إلا الله.. محمد رسول الله « وسورتا الفاتحة والإخلاص كاملتين وآية الكرسي، وأجد سعادة كبيرة في كتابة هذه الآيات بجميع الخطوط، وأستعد خلال الفترة القادمة إلى نقش آية «قل اللهم مالك الملك» كاملة.
• ألم يراودك الخيال لنقش مشاهد من الطبيعة إلى لوحات مصمتة تضيف إليها هالات من التأمل في جميل صنع الله؟
- لم يدُر في ذهني صراحة هذا التوجه ولن أحاول في القادم من المستقبل لأنني غارق في الاهتمام بنحت لوحات من آي القرآن الكريم طلباً للتقرب إلى الله وحرصاً على إظهار ملامح الجمال في الخطوط العربية بما يصب في النهاية باتجاه حماية لغة القرآن ودعم انتشارها في أرجاء المعمورة.
• ألا ترى أنك تميل إلى التكاسل في التعامل مع موهبتك، وتنتظر حضور الفرصة حتى قدميك دون أن تبذل أي مجهود يذكر؟
- لست كسولاً بالمرة ولكنني واقعي وأعلم تماماً أن محاولاتي منفرداً لن تدفع مسيرتي الفنية خطوة واحدة، وإبراء لساحتي من هذا الاتهام أعلن استعدادي صراحة للتعاون مع أي من الزملاء من فناني النقش العربي الإسلامي طالماً كانت لديه الرغبة الصادقة في دعم هذا الفن، فضلاً عن التوجه إلى كافة المعارض الفنية في قطر وغيرها من باقي دول العالم لعرض لوحاتي دونما انتظار لأي عائد سوى تحقيق الانتشار والرواج الذي يليق بفن يتعامل مع آيات الله واللغة التي نزل بها القرآن الكريم.
• ما الذي تخطط لتحقيقه حالياً على وجه الدقة؟
- أرى أنه من المهم في هذه المرحلة تحقيق الانتشار المأمول داخل حدود قطر والحصول على دعم حكومي أو من الهيئات الإسلامية المعنية بهذا الفن وأعتقد أن الترويج الخارجي سيكون أسهل كثيراً في مرحلة ما بعد التحقق وتحقيق الانتشار المطلوب عبر المشاركة في المعارض المحلية والدولية التي قد تشهدها الدوحة خلال الفترة المقبلة.
• ماذا عن آخر لوحاتك؟
- انتهيت بالأمس من أكبر لوحاتي على الإطلاق وهي عبارة عن كلمة التوحيد مرسومة على شكل يد مضمومة الأصابع عدا السبابة المرتفع لأعلى في شموخ بينما يسكن الشطر الأول «لا إله إلا الله» على ظهر الكف، ويتمدد الشطر الثاني «محمد رسول الله» مستريحاً أسفل الكف، وهي مكتوبة بالخط الكوفي وعلى أرضية من اللون الذهبي اللامع ويبلغ طولها 170 سنتيمتراً وعرضها نحو 140سم.
• يحاول البعض التقليل من أهمية هذا الفن اليدوي، بالقول إن برامج الحاسوب عالية السرعة والجودة والإتقان؟
- هذا رأي يعبر عن قناعة أصحابه ولكن الحاسوب ينتج إبداعاً ميتاً بلا روح أو أحساس، ولا يمكن أن يثير إعجاب أي من متابعي ومحبي فن النقش الإسلامي تحديداً، ولعلي أسال هؤلاء هل يمتلك الحاسوب شحنات من الحب والإيمان فيما تنتجه برامجه من فنون ونقوش مثلما نمتلكه نحن المبدعين حين نقوم بنقش آيات الله بغرض التقرب إليه ووسط أجواء هي أقرب إلى الصوفية الممزوجة بأصالة هذا الفن؟
• قد يقول البعض إنك اتجهت إلى نوع من الفن «النخبوي» غير الجماهيري.. وليس لك أن تطلب دعماً في إبداع لا يروق للكثيرين؟
- هذا الفن كان سبباً في انتشار الإسلام والحفاظ علي اللغة العربية في كافة أرجاء الكرة الأرضية، وبالتالي فهو ليس نخبوياً، وجميع أنواع الفنون تخاطب إحساس الإنسان ومشاعره بدرجات متفاوتة وبالتالي فإن العيب ليس في الفن ولا في الجمهور، التذوق الممزوج بالتدين يمثل أرض وجمهور هذا الفن، ولا ثالث بينهما.