القرآن يوجه الإنسان للرجوع إلى ربه بالذكر والحمد والاستغفار فيجد في حالة الضيق والشدة تفريج الكربة

alarab
الصفحات المتخصصة 07 سبتمبر 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح في هذه الحلقات مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير على حلقات حصرياً في «العرب». ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. سورة الكافرون بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} هذه السورة المكية، وهي إحدى السورتين من قصار المفصل التي تدعو إلى التوحيد، وتُقرّر التوحيد باعتباره القضية الدينية العقدية الأساسية الأولى، التي بعث بها الأنبياء ونزلت بها الكتب السماوية، وقررها وأمر بها وعظم أمرها محمد عليه الصلاة والسلام، كما قررها وأكدها القرآن العظيم، فهي التي خُلق لها الخلق، وقام لها الأمر، ووقعت لها الواقعة، ورجفت الراجفة، وقامت سوق الجنة والنار. كان المشركون يُبدئون ويُعيدون، ويلفون ويدورون حول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، يريدون أن يتفاوضوا معه حول آلهتهم التي يعبدون من هبل واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وحول إلهه الواحد الذي بدا منذ دعا إلى دينه الجديد أنه لا يرى الها غيره يُدعى إلى عبادته ودعائه والاستجابة لأمره، فكانوا يحاولون عن طريق المباحثات والمحادثات وجس النبض بالأسئلة والطلبات، عن إمكانية التنازل بينهم وبين محمد صاحب الدين الجديد، والرسالة الجديدة، من ممارسة تجربة جديدة بين الفريقين: محمد ودعوته التوحيدية الحديثة، وطريق الشرك والوثنية القديمة: أن يجرب كل فريق منهما ما عند صاحبه، ليمتحنه ويختبره عن كثب، بل عن واقع مجرب، فيتنازل محمد عن عبادة الهه الواحد فترة من الزمن، قد تكون سنة، أو شهرا، أو أقل أو أكثر، عن طريق الممارسة الفعلية بالتعامل مع هذا الإله أو الآلهة الجديدة، وهل تستجيب هذه الآلهة للدعوات؟ أو تتفاعل مع الآهات؟ وهل تنتصر للمظلومين؟ وتنتقم من الظالمين؟ وهل وهل...؟ أم أنها كما يقول محمد: أحجار وأوثان، لا تبصر ولا تسمع، ولا تضر ولا تنفع، ولا يخلقون شيئا وهم يُخلقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا. ويجرب هؤلاء المشركون التعامل مع إله محمد الواحد، الذي لا يقبل معه شريكا ولا ولدا، ولا معينا ولا وزيرا، بل هو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، هو الخالق وهو الرازق، وهو المدبر، وهو المحيي المميت، وهو الذي إذا أراد شيئا قال له: «كن» فيكون. كانت هذه الأفكار والمساءلات قد امتلأت بها رؤوس المشركين، وأصبحوا وأمسوا يزعجون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، فكانت هذه السورة هي الناطقة والفاصلة في هذه القضية، فقد أغلقت هذا الباب من المفاصلات إغلاقا نهائيا، ولم تترك أي مكان لمتردد، أو محاول للمواربة أو السؤال، بل الجواب الذي لا يحتمل وجها آخر، وهو قوله تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}. هكذا أُمر الرسول الكريم أن يواجه الناس بالإجابة الصريحة الحاسمة بالنفي:{لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ }، بعد مناداتهم بهذا الاسم الكريه:{ أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، مع أن القرآن لا يحب أن ينادي المسلم زميله الكافر بهذا اللقب، ولكن نداء الجماعة كلها في هذا الوقت بهذا اللقب أمر مطلوب وضروري، ولا حجر فيه ولا تردد، :{قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، فهم لا شك قد كفروا بالله الواحد، وكفروا بمحمد الرسول، وكفروا بما جاء به من بينات. أنا لا أعبد ما تعبدون من الهتكم المفتراة من دون الله، لا أعبد هبل، ولا أعبد مناة، ولا اللات، ولا العُزّى ولا غيرها. {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} وأنتم أيضا لستم عابدين ما أعبد، وهو الله وحده، الذي تشركون به غيره من المخلوقات في الأرض أو في السماء، وهو الإله الواحد، الذي لا يستحق العبادة غيره، ولا يُدعى سواه، وبهذا انقطعت كل علاقة بيني وبينكم، من جانبي ومن جانبكم. ثم قال: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ} وهنا يقرر هذه الحقيقة بهذه الصيغة، وهي: ولا أنا عابد في الحال ولا في المستقبل ما عبدتم في الماضي. {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}: كرر ما ذكره من قبل، تأكيدا للأمر، وتثبيتا للموقف، وتقريرا لهذه الحقيقة التي جاء بها هذا الدين، بل جاءت بها الأديان كلها، وهي أن يُعبد الله وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا شبيه له. {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }: كل ما أقوله لكم هذه الكلمة، وهي الحقيقة الناصعة: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } لكم دينكم الذي تؤمنون به، وتحاسبون عليه، وتؤاخذون، وهو دين الشرك، ولي ديني الذي أومن به، وأدعو إليه ، وأحاسَب عليه، وأعامل على أساسه وهو الإسلام، فكل منا له دينه، وليس مسؤولا عن دين غيره كما أن الآخرين ومنهم المسلمون مسؤولون عن دينهم لا عن دين غيرهم. هذا ما جاء به الإسلام واعتنقه المسلمون، فهذه السورة في أولها شديدة ترفض عبادة غير الإله الواحد، وفي نهايتها تقر هذه الحقيقة: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }. ولكن المشركين أقرّوا بنصف الحقيقة التي قالها النبي محمد: {لَكُمْ دِينُكُم} ولم يقروا بالنصف الآخر: {وَلِيَ دِينِ } فقالوا لنا ديننا وليس لك دين. وفي آية أخرى قال القرآن: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس:41]، ولكن المشركين الجفاة قالوا: لنا عملنا، وليس لك عملك، ونحن بريئون مما تعمل، وأنت لست بريئا مما نعمل، هذا هو منطق الشرك العنيد المستكبر في الأرض بغير الحق، ولذلك كانت عاقبته أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وجاء في فضل هذه السورة ما رواه مسلم عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهذه السورة، وبـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} في ركعتي الطواف. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بهما في ركعتي الفجر. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله علية وسلم قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعا وعشرين مرة – أو بضع عشرة مرة- {قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. وروى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال: رمقت النبي صلى الله عليه وسلم أربعا وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل الفجر، والركعتين بعد المغرب بـ{قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. وروى أيضا عن ابن عمر قال رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا، وكان يقرأ في الركعتين قبل الفجر بـ{قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}. وكذا روى الترمذي، وابن ماجة من حديث أبي أحمد الزبيري، وأخرجه النسائي من وجه آخر، عن أبي إسحاق، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقد تقدم في الحديث أنها تعدل ربع القرآن، و{إِذَا زُلْزِلَتِ} تعدل ربع القرآن. وروى الإمام أحمد بسنده عن فروة بن نوفل عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟» قال: أراها زينب؟ قال: ثم جاء فسأله النبي عنها، قال: «ما فعلت الجارية؟» قال: تركتها عند أمها. قال: «فمجيء ما جاء بك؟» قال: جئت لتعلمني شيئا أقوله عند منامي. قال: «اقرأ{قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ}، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك» تفرد به أحمد. وروى أحمد نحوه عن فروة بن نوفل عن الحارث بن جبلة، وذكر ابن كثير رواية الطبراني في الكبير عن جبلة بن حارثة، وهو أخو زيد بن حارثة، كما روى بسنده عن خباب في قراءة السورة عند النوم، وأنها براءة من الشرك. سورة النصر {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} هذه السورة مدنية، حتى قالوا: إنها آخر ما نزل من السور المدنية، وتبدأ بكلمة (إذا) وهي ظرف زمان يعتبر شرطا له جواب، وهو قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}. ومن هنا نجد القرآن العظيم يوجه الإنسان في كل حالاته – سواء كانت سارة أم محزنة- أن يرجع إلى ربه بالذكر والحمد والاستغفار، فيجد في حالة الضيق والعسرة والشدة، ما يكون من تفريج الكربة، وتوسعة الضيق، ووجود اليقين، كما قال سبحانه {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} [الحجر:97-99]. وهنا في الحالة المقابلة للعسر والشدة، وهي حالة مجيء نصر الله والفتح، ونصر الله يعني: الانتصار المتكرر على المشركين، وعلى إليه ود، وعلى غيرهم، كما نصر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام بالإخراج من مكة، {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:40]. وكذلك الانتصار في غزوة بدر: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران:123]. والانتصار في الخندق يوم الأحزاب، كما قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [الأحزاب:25-27]. والانتصار في خيبر، والانتصار في صلح الحديبية، التي سماها القرآن الكريم {فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح:1]، {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [الفتح:18-19]. وبعد ذلك تفتح مكة المكرمة، بلد الإسلام الأول، وهو الفتح الأعظم، الذي يستحق أن يقال فيه {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}. أي: عندما يغير الله الأحوال، وتعود الحياة من عسر إلى يسر، ومن ضيق إلى فرج، ومن هزيمة وكرب إلى فتح ونصر، أو كما قال سبحانه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} نصر الله: ما حققه لعبادة المؤمنين في غزوات متتابعة من نصر إلى نصر، لا يجوز أن يُنسب إلا لله وحده، ولذا قال: {نَصْرُ اللَّهِ}. والفتح: يعني فتح مكة، إذ لا فتح بعده، ولا فتح مثله، وهو ما قاله ابن عباس. { وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} وكان من ثمرات نصر الله تعالى لنبيه، وفتحه لدينه ولأمته، أن رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، أي: يدخلون في الإسلام جماعات جماعات، وأقواما أقواما، كما رأيناهم بعد فتح مكة، فهذه هي النعمة الكبرى، التي أنعم الله بها على رسوله، وعلى إخوانه من المؤمنين الذين أيدهم الله بنصره، وآواهم، ورزقهم من الطيبات، لعلهم يشكرون. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} هنا يأمر الله تبارك وتعالى عبده ورسوله محمدا، الذي أنزل عليه القرآن، إذا جاء نصر الله والفتح، ورأى الناس يدخلون في الإسلام العظيم دين الله، أفواجا وجماعات، مما يدل على انتشار دعوة الإسلام، وامتداد قوة الإسلام، وصمود أمة الإسلام، أن يكون موقفه من هذه النعم العظيمة، في الإمداد والتأييد، هو موقف الذكر والتسبيح، بحمد الله والاستغفار لله، فالله سبحانه هو الملجأ وهو الملاذ، وهو الذي يأنس إليه العباد، ويلوذون به، ويذكرونه ويدعونه، ويسبحونه، ويحمدونه، ويستغفرونه. فهو ملجؤهم وملاذهم عند الشدائد والكربات، كما قرأنا قوله سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ} [الحجر:97-99]. وهو ملجؤهم وملاذهم عند النصر والفتح وإلخروج من الأزمات، فهنا يطلب الله سبحانه من رسوله ومصطفاه محمد، عندما يرى هذه الآيات الباهرات، من انتصار الإسلام، على أعدائه الكثيرين، ودخول الناس فيه جماعات متتالية، أن يتميز بموقفين كريمين يليقان به، وبالمرحلة التي يختارها، وكلا الموقفين هو من ذكر الله تعالى، ولكن ذكر الله أنواع. فأول أنواع الذكر: هو التسبيح بحمد الله، وهو تنزيه الله تعالى، عن كل ما لا يليق بجلاله، وجماله وكماله، مما قد يلامس النفس البشرية، في أوقات الضعف، وتأخر النصر لحكمة الهية، فقد تطوف بالبال خطرات، وقد يبدر بادرات، في أوقات متناثرات، إذا تذكرها الإنسان بعد ذلك، شعر بقصوره وتقصيره، ودخل ذلك في تسبيحه بحمد الله جل جلاله. والنوع الثاني من الذكر: كما يبينه القرآن، هو الاستغفار {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}، فهو يسأل المغفرة من ربه، الذي يعفو عن عباده، الذين قد يسيئون في بعض اللحظات، أو يستبطئون النصر، على نحو ما جاء في قوله تعالى: {أَلمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ إلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ} [يوسف:110]. فهو استغفار من كل خواطر السوء، التي قد تنزل بالإنسان أو تطوف به في أيام الشدائد، والساعات الحوالك، فهو يشعر بها ويضيق بها، ويستغفر الله منها. {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} سبح بحمد ربك، نزهه عما لا يليق به، واحمده على ما أولاك من نعمه، واستغفره لما تشعر به من تقصير أو ذنب، أو ما يخيل اليك أنه ذنب، فاطلب من الله أن يغفره لك، ويطهرك من أي أثر منه، كما في قنوت ابن مسعود، في صلاة الوتر بعد العشاء: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب اليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجِد بالكفار ملحق). {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} لماذا تطلب منه أن يغفر لك؟ إنه كان توابا، كان سبحانه موصوفا أبدا بـ(التواب)، والتواب: هو كثير التوبة على عباده، يمحوها عنهم، ويغفرها لهم، ويكفرها عنهم، ولا يُبقي لها أثرا في حياتهم، إلا ما تثمره لهم المغفرة المقرونة بالرحمة، إنه هو الغفور الرحيم. قال ابن عباس لعمر رضي الله عنه، حين سأله عن هذه السورة، سورة النصر؟ فقال: نعيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، فقال عمر: ما أفهم منها إلا ما فهمت. كأن الله تعالى ذكر في هذه السورة، كمال الدين، وتمام النعمة، ونصر الله وفتحة، ودخول الناس في دين الإسلام أفواجا وجماعات، فهذا يبشر المؤمنين، ويذكرهم بأن الله تعالى أتم عليهم نعمته، وليس بعد التمام إلا النقص، كما قال الشاعر: إذا تم شيء بدا نقصه توقع زوالا إذا قيل: تم وكذلك بكى سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين نزل قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة:3]. وهكذا نجد سيدنا يوسف بن يعقوب، يقول – بعد أن أتم الله عليه النعمة، وجمعه بأبويه وإخوته، في مصر آمنين- : {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف:100-101]. وداود بعد أن آتاه الله الملك، وجعله في الأرض خليفة، ومكن له ما مكَّن، قال له: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ} [ص:26]. وسليمان حينما آتاه الله الملك الذي لم ينبغِ لأحد غيره، استغفر ربه، وطلب إليه أن يغفر له ويرحمه، {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:17-19]. ودخل في قصته مع ملكة سبأ بلقيس الشهيرة، حين طلب إلى الملأ عنده أن يأتوه بعرشها، قبل أن يأتوه مسلمين، {قَالَ الذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ اليْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل:40]. وكذلك عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم داعيا إلى ربه، مهاجرا مجاهدا، لا يخاف في الله لومة لائم، مضحيا بكل غال في سبيل الله، حتى جاء نصر الله والفتح، ورأى الناس يدخلون في دين الله - وهو دينه الذي دعا إليه - أفواجا وجماعات، وأكمل الله له الدين، وأتم عليه النعمة، ورضي له الإسلام دينا، فآثر ما عند الله، ولقي ربه راضيا مرضيا، وترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. هذه السورة بكل ما تحتويه من معان: جملة واحدة، جملة شرطية، أداة شرطها (إذا) التي تفيد تحقق الوقوع، وليست مثل (إن) التي تفيد التشكيك في الوقوع، وهنا نجد (إذا) بشرطها – وهو مجيء نصر الله والفتح، ورؤية الناس يدخلون في دين الله أفواجا- وجوابها، وهو قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ} وتكملته: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)} فهي ملحق للجملة. * ويتبع الجمعة القادمة إن شاء الله