الصبر مرٌّ لا يتجرعه إلَّا حرٌّ .. تُعالج به المشكلات وتداوى به الجراح
الصفحات المتخصصة
07 أغسطس 2015 , 07:25ص
يوسف القرضاوي
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام.
ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
بقية سورة المعارج
{فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، يأمره بالصبر، والصبر الجميل، وهو ما تكرَّر الأمر به في القرآن المكي للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؛ لما تعانيه الدعوة إلى الإسلام من مشاقٍّ، وما تتطلَّبه المصابرة من عزم، وما يحتاج إليه المؤمنون من ثبات؛ لذلك ذكر القرآن أمر الله له بالصبر تسعَ عشرةَ مرَّة، كلُّها في القرآن المكي، مثل قوله تعالى: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر:8]. وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10]. ومثل قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف:35]. وقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:127-128].
وعندما تتعقَّد الأمور، وتضيق الصدور، وتتراكم الظلمات، ويتكاثر الباطل على الحقِّ، ويستكبر العدل على الظلم، ويقلُّ الذين آمنوا، ويكثر الذين كفروا، لا يكون هناك حلٌّ لهذه الكربات المتراكمة، والغمم المتكاثفة، إلَّا الاعتصام بالصبر. والصبر مرٌّ لا يتجرعه إلَّا حرٌّتُحلُّ به العقَد، وتُعالج به المشكلات، وتداوى به الجراح والمصائب. ولهذا قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلَّم: {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}.
الصبر الجميل:
والصبر الجميل هو: الصبر الذي لا يلحقه عتْبٌ، ولا شكٌّ، ولا شكوى، ولا قلَّة رضا، ولا جزع. وقالوا: ثلاثة من الصبر: ألَّا تُحدِّث بما يوجعك، ولا بمصيبتك، وألَّا تزكِّي نفسك. وقد جاء ذكر الصبر الجميل في كلام يعقوب عليه السلام، حين قال لأبنائه: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18]. وقال لهم مرة أخرى: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف:83]. كما أمر الله رسوله بالهجر الجميل للمشركين، كما قال له: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10]. وأمره الله تعالى في القرآن بالصفح الجميل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر:85]،
وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الثلاث: الهجر الجميل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، فقال: (الهجر الْجَمِيل: هجر بِلَا أَذَى، والصفح الْجَمِيل: صفح بِلَا عتاب، وَالصَّبْر الْجَمِيل: صَبر بِلَا شكوى.
قَالَ يَعْقُوب عَلَيْهِ الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف:86]. مَعَ قَوْله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18]، فالشكوى إِلَى الله لَا تنَافِي الصَّبْر الْجَمِيل، بخلاف الشكوى إلى المخلوقين)( ).
والجمال في هذه الآيات هو الجمال المعنوي، وهو يضاف إلى ما اهتمَّ به القرآن من الجمال الحسِّي والمادِّي في الكون، من السماء والأرض، وفي الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات، والقرآن ينوِّه ويُشيد بالجمال وبالحُسْن في ذلك كلِّه، ويعتبره آية من آيات الإبداع الإلهي، {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:8].
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال»( ). ولذا أمرنا أن نتجمَّل ونجمِّل الحياة في كلِّ شيء.
أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك، واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه، كقوله: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ} [الشورى:18]
قُرب العذاب الذي أُنذِرَ به الكافرون:
{إ ِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا} يعود الضمير في {إ ِنَّهُمْ} على المشركين، الذين يواجههم القرآن بكلِّ ما ينزل من آيات، فهم يروْن العذاب أو يوم القيامة بعيد الوقوع، بمعنى أنَّه يستحيل الوقوع في نظرهم، {أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} [ق:3].
{وَنَرَاهُ قَرِيبًا}؛ لأنَّ أمره هيِّن علينا، ليس مستحيلًا، ولا صعبًا كما يظنون، {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27]، فليس بعيدًا علينا، ولا متعذِّرًا، ولا متعسرًا، بل هو في إمكان قدرتنا التي لا يعجزها شيء، وهو آتٍ لا محالة، وكلُّ آتٍ قريب.
{يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا}:
هذا اليوم العظيم الذي ينتظره الناس، يوم تكون السماء كالمهل، في هذا اليوم ترى الكائنات التي كانت موجودة في الدنيا، ولها كيانها وهيئاتها ونظامها، قد تغيَّرت وتبدَّلت. فهذه السماء التي جعلها الله سقفًا محفوظًا، وزيَّن السماء الدنيا فيها بمصابيح، قد تغيَّرت وتغيَّر كلُّ شيء فيها وحولها، فالسماء انفطرت، والكواكب انتثرت، والشمس كُوِّرت، والبحار فُجِّرت أو سُجِّرت، والقبور بُعثرت، وأُخرِج كلُّ مَن كان فيها إلى ربَّهم. ولهذا وصف الله السماء في هذا اليوم العصيب بأنَّها تكون كالمهل. وقد وصف الله عذاب الظالمين في جهنم في سورة الكهف بقوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [الكهف:29].
ووصف الله طعام جهنم، الذي هو الزقوم، فقال سبحانه: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان:43-46]. والمهل: هو ما أذيب من الحديد والنحاس والمعادن، ومن المفسرين من قال: المهل: دُردي الزيت (عكره وما يبقى في أسفله)، ومنهم من قال المهل: عكر القَطِران، وكلُّها مما يستعاذ بالله من شره.
ومعنى هذه الآيات: أنَّ السماء- أو السماوات- هذا الجرم العظيم، الذي وسعه الله ما شاء أن يوسعه، كما قال الله تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات:47]، يصبح في هذا اليوم مادة مُذابة نارية حامية، لا يتحمَّلها مَن يصاب بها، حتى مَن يستغيث من أهل جهنم، فإنَّه يغاث بهذه المادة الملتهبة، فهو كالمستغيث من الرمضاء بالنار، كما يقول الشاعر العربي.
وهذه الجبال الشامخة الراسخة الهائلة، الله ينسفها نسفًا، فيذرها قاعًا صفصفًا (أي: أملسَ مستويًا)، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا (أي: لا انخفاض فيها ولا ارتفاع)، كما قال الله في سورة الواقعة: {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا *وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا} [الواقعة:4-6]. وقال تعالى في سورة القارعة: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة:4-5]. والعهن: هو الصوف المنفوش، الذي نفشته الرياح فطار في الجو، أي تصبح حبيبات متناثرة أو متراكمة.
قال الرازي: (ومعنى العهن في اللغة: الصوف المصبوغ ألوانا، وإنما وقع التشبيه به؛ لأنَّ الجبال جُدَدٌ بِيض وحُمْر مختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بُسَّت وطيرت في الجو، أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح.
{وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا} قال ابن عباس: الحميم: القريب الذي يعصِب له. وعدم السؤال إنِّما كان لاشتغال كل أحد بنفسه، وهو كقوله: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ} [الحج:2]. وقوله: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:34–37].
ثم في الآية وجوه:
أحدها: أن يكون التقدير: لا يسأل حميمٌ حميمَه: كيف حالك؟ ولا يكلمه؛ لأنَّ لكل أحد من أمر نفسه ما يشغله عن غيره.
الثاني: لا يسأل حميمٌ حميمًا شفاعة، ولا يسأل حميمٌ حميمًا إحسانًا إليه ولا رِفقًا به؛ لأنَّه يعلم أنَّ عند غيره ما يكفيه.
الثالث: لا يسأل حميمٌ عن حميمِه، فحذف الجار، وأوصل الفعل)( ).
قال ابن كثير: (أي: لا يسأل القريبُ قريبَه عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسُه عن غيره.
قال العوفي عن ابن عباس: يعرف بعضهم بعضًا، ويتعارفون بينهم، ثم يفرُّ بعضهم من بعض بعد ذلك، يقول: {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس:37] .
وهذه الآية الكريمة كقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} [لقمان:33]. وكقوله: {وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [فاطر:18]. وكقوله: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون:101]).
«يتبع الجمعة القادمة
إن شاء الله».