الصفحات المتخصصة
07 أغسطس 2015 , 07:23ص
اسماء الدوسري
الصراع بين الأصيل والدخيل سنة من سنن الله العليم الحكيم، يضرب فيها الحق والباطل: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17]، فمنذ بداية القرن التاسع عشر ونحن نواجه مشكلة خطيرة، ألا وهي التغريب، تلك المشكلة التي نتج عنها انتشار كثير من مظاهر التقليد الأعمى للغرب في جميع مجالات الحياة.
وتقليد الأمم الكافرة أمر قد تنبأ به الرسول -صلى الله عليه وسلم- منذ أربعة عشر قرنا، وهو الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى، حيث قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟».
ولكي تتمكن الموجة التغريبية من تنفيذ مخططاتها التخريبية فقد استهدفت ضرب ثوابت الأمة الإسلامية التي تتجلى في القرآن الكريم واللغة العربية الفصحى، فقد عمدوا إلى تشجيع اللغات العامية في مجال الأدب والإعلام، وتمكنوا من خلق بلبلة واضطراب في صفوف الأسرة المسلمة بوصفها عماد المجتمع الإسلامي، ودعوا إلى حرية المرأة المسلمة بعيدا عن الضوابط الشرعية، ونشروا كتب مثقفيهم بين المسلمين، حتى أصبحوا عند البعض قدوة تحتذى، ومثالا ينسج على منواله.
ومما لا ريب فيه أن أبناء الأمة الإسلامية تجندوا لإبطال مفعول سم التغريب، فقاموا بردود فعل قوية وملموسة، تمثلت في الحركة الإسلامية، ونشاط حركة التعريب، ولم يقف الشعراء الإسلاميون مكتوفي الأيدي فقد وظفوا أشعارهم واتخذوها أسلحة فعالة لمجاهدة التغريب.
وليس الخطر الذي يهدد المجتمع الإسلامي ناشئا عن هذا الصراع، ، بل إنه -في تقديري- يدعو إلى التفاؤل والاطمئنان. ولكن مصدر الخطر وعلامته هي أن يزول هذا الصراع، وأن يفقد الناس الإحساس بالفرق بين ما هو إسلامي وما هو غربي. إن فقدان هذا الإحساس هو النذير بالخطر، لأنه يعني فقدان الإحساس بالذات.
والواقع اليومي الذي نعيشه يعكس مشاهد التغريب المتنوعة في الحياة المادية والاجتماعية والنفسية والثقافية والحضارية، واقع صنعته حالات التعلق والانبهار والإعجاب والتقليد والمحاكاة للثقافة الغربية، ناهيك من الأخذ بقيم ونظم وأساليب هذه الحياة، بحيث أصبح الفرد أو المجتمع المسلم الذي له هذا الموقف أو الاتجاه غريبا في ميوله وعواطفه وعاداته وأساليب حياته وذوقه، ينظر إلى الثقافة الغربية نظرة إعجاب وإكبار، ويرى في الأخذ بها الطريقة المثلى لتقدم جماعته أو أمته الإسلامية، فنرى للأسف بعض الشباب عندنا اتخذوا النموذج الغربي «العشوائي» قدوة، واعتبروا الخروج عن القيم إبداعا وموضة.
وإذا كان التغريب في مجتمعاتنا الإسلامية أمرا ملموسا وحقيقة مسلما بها، فعلينا تأصيل هويتنا الإسلامية والتوقف عن الترويج للنموذج الغربي بكل قيمه الأخلاقية الدخيلة، والاهتمام داخل الأسرة بحماية الأخلاق والحفاظ على الهوية، فعلى الأب أن يعود لدوره الأصلي في قوامة جميع أفراد أسرته وتثقيفهم ومتابعتهم، وألا يكتفي بدور «الممول»، وعلى الأم أن تمارس دورها التربوي بعناية وتعي خطورة التقليد والمحاكاة على النشء.
ومضة:
نريد أن يظل التمييز بين ما هو إسلامي وبين ما هو طارئ مستجلب -شرقيا كان أو غربيا- حيا في نفوس الأبناء، وهي أمانة تلقاها جيلنا عمن قبله، ولا بد أن يحملها إلى من يجيء بعده.
asmaa.aldosary@gmail.com ❍