الاستنساخ في ميزان الشريعة

alarab
باب الريان 07 أغسطس 2013 , 12:00ص
الشيخ د. ثقيل بن ساير الشمري
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه غاية التكريم، فقال عز وجل: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً» (الإسراء: 70). زيَّنه بالعقل، وشرفه بالتكليف، وجعله خليفته في الأرض، واستعمره فيها، وأكرمه بحمل رسالته التي تنسجم مع فطرته، بل هي الفطرة بعينها لقوله سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» (الروم: 30)، وقد حرص الإسلام على الحفاظ على فطرة الإنسان سوية من خلال المحافظة على المقاصد الكلية الخمسة: (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) وصونها من كل تغيير يفسدها، سواء من حيث السبب أم النتيجة، يدل على ذلك الحديث القدسي الذي رواه مسلم: (إني خلقت عبادي حنفاء وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم.. إلى قوله: وأمرتهم أن يغيروا خلقي). وقد علم الله الإنسان ما لم يكن يعلم، وأمره بالبحث والنظر والتفكر والتدبر، مخاطباً إياه في آيات عديدة (أَفَلا يَرَوْنَ)، (أَفَلا يَنْظُرُونَ)، (أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ)، (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ). هذا وقد استجدت في هذا العصر علوم للناس، منها ما ضجت به وسائل الإعلام في العالم كله باسم الاستنساخ. وهو: توليد كائن حي أو أكثر إما بنقل النواة من خلية جسدية إلى بويضة منزوعة النواة، وإما بتشطير بويضة مخصبة في مرحلة تسبق تمايز الأنسجة والأعضاء. وقد كانت الضجة عن الاستنساخ عندما قام فريق طبي بريطاني يعمل في معهد روزالين في اسكتلندا باستنساخ نعجة بأخذ خلية من ضرعها، ثم أخذ بويضة نعجة أخرى، وأزال منها المورثات (الجينات) التي بداخلها، ثم وضع فيها خلية النعجة الأولى، ووضع البويضة مرة أخرى داخل رحم النعجة الثانية، فولدت نعجة هي نسخة مطابقة للنعجة الأولى، وسمي هذا المولود (دوللي)، وما إن أعلن آيان إيلموت رئيس ذلك الفريق الطبي عن استنساخ (دوللي) حتى ثار الشعور العام عند الناس، وأثير في جميع وسائل الإعلام المختلفة، وجرت مناقشته من قبل علماء الأخلاق والقانون، وشارك علماء الشريعة الإسلامية في هذا الموضوع، وكان الاتجاه الغالب إلى منعه في البشر، إلا أن هذا الأمر في الحقيقة يحتاج إلى تبصر وتفكر ودراسته دراسة شرعية في ضوء الكتاب والسنة وقواعد الشريعة السمحة، وحتى لا توصد الأبواب أمام البحث العلمي كما حصل في العصور الوسطى من الكنيسة حتى حصل التمرد عليها، ومن المعلوم أن القرآن دعا إلى العلم والتعلم (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). فعلى المسلمين ألا ينزعجوا مما يثار في الموضوع، وعليهم أن يخرجوا من ردة الفعل، فبعض علماء المسلمين، وأعني علماء الشريعة، إذا سمعوا باختراع وما يستعمل فيه سارعوا إلى التحريم والاعتراض عليه. والسبب في ذلك، أن الذين أوجدوا هذه المخترعات ممن لا يعرفون القيم والأخلاق، قد استغلوا هذه المخترعات استغلالاً سيئاً، فظننا أنها شر كلها، ثم بعد مدة نهدأ ونتقبل الواقع ونسلم له، فمثلاً، عندما انتشر التلفزيون قال من قال بحرمته وحرمة الاتجار بأجهزته وأجهزة الفيديو وغير ذلك، ولو علم المسلمون أن هذه المخترعات يمكن أن يزاحم عليها مخترعوها واستغلالها لصالح البشر لما كان عندهم هذا الاعتراض، وعلى هذا فإنه ينبغي للمسلمين ألا تكون عندهم ردة فعل في غير محلها، فإن الله تعالى لا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع شيء رغماً عن إرادته، وهذه الاكتشافات العلمية ومنها الاستنساخ علوم تستجد يفتح الله منها لخلقه ما شاء متى شاء، لتكون تذكرة وعبرة ومجالاً للتأمل في قدرات الله تعالى وأسراره التي بثها في الخلق (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ). فالذي تم عمله من قبل فريق أيان إيلموت الطبي في استنساخ النعجة (دوللي) ما هو إلا استعمال لسنة الله في الخلق، لأن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد من العدم قال تعالى: «أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ»، فالله هو خالق النسخ، كما أنه خالق الأصل، وما عمل المستنسخ إلا أنه وضع بذرة الحياة في البيئة الملائمة لنموها بالقدرات والقابليات المستكنة التي أودعها الله تعالى فيه، فالله هو خالق كل شيء يحدث في هذا الكون سواء كان وقوعه على أيدي البشر ومشيئتهم أو بغير ذلك، قال تعالى: «وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً». (اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ)، والاستنساخ بمفهومه الطبي الشائع هذه الأيام هو عبارة عن عملية حيوية يمكن من خلالها الحصول على عدة نسخ مشابهة للمصدر (الكائنات الحية). وهو نوعان: 1 - استنساخ جنيني. 2 - استنساخ جيني. والاستنساخ مستخدم في النبات والحيوان ويتوقع أن استعماله في البشر ممكن. ولسنا بصدد شرح عملية استنساخ النبات لأنه ليس في ذلك شيء ممنوع شرعاً. أما الاستنساخ في الحيوانات الثديية فقد كانت الطريقة الأولى هي الاستنساخ الجنيني، وتتلخص صورتها في شطر الجنين في مرحلة الخليتين، أو الأربع، أو الثماني لتكون كل خلية منها كائناً حياً مستقلاً بذاته –فلو توفر رحم أنثى من نفس الجنس سواء كانت الأم أو غيرها، فإنه ينمو نمواً عادياً، فإذا ولدت هذه الأجنة التي أصلها خلية واحدة، كانت مما يسمى (التوائم المتطابقة) أي إنها متطابقة في جميع الصفات الوراثية، كما أمكن تجميد هذه الأجنة، وأماكن حفظها حية جاهزة للعمل لمدد قد تطول. فإذا أريد أن تنمو تعاد في الأرحام لتواصل نموها، وتولد بعد ذلك ولادة معتادة، وتم إجراء هذا النوع في الأغنام والأبقار منذ مدة. والاستنساخ الجيني قد تمكنت تكنولوجيا الهندسة الوراثية من استنساخ حيوانات من خلايا جسدية، وهذا ما تم في استنساخ النعجة (دوللي) فقد تم أخذ بويضة غير مخصبة، وأفرغت البويضة من نواتها، وأدخلوا مكانها النواة المنزوعة، ونواة خلية جسدية.. إلخ.