باب الريان
07 أغسطس 2013 , 12:00ص
د. عبدالغني العمراني الزريفي
لا شك أن للوقت أهمية كبرى في حياة المسلم، ولذلك قيل قديما الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
وما يدل على قيمة الوقت وأهميته هو أن الله أقسم به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. ونجد من ذلك قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 1-2]، وقوله عز وجل أيضا: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى) [الليل: 1-2]، وقوله سبحانه وتعالى: (وَالْفَجْرِ*وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر: 1-2]، وقوله أيضا: (وَالضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) [الضحى: 1-2].
ونجد من السنة المطهرة الأحاديث التي تدل على أهمية الوقت، الحديث الذي رواه الحاكم والبيهقي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اغتنم خمسا قبل خمس؛ حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك»، ومن الأحاديث التي تدل على أهمية الوقت أيضا، وأن الإنسان سيسأل عنه يوم القيامة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه» رواه الترمذي، ومن الأحاديث التي تدل على استهتار كثير من الناس بنعمة الوقت، ما رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ» فمن وظف صحته في طاعة الله أو في عمل للدين أو الدنيا فهو السعيد، ومن لم يوظف صحته ووقته في طاعة الله أو في عمل للدين أو الدنيا فهو المغبون، أي هو الخسران.
والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا استغلال أوقاتنا حتى ولو قامت الساعة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل» حديث صحيح رواه الإمام أحمد.
قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «والله ما ندمت على شيء كندمي على يوم غربت شمسه، قل فيه أجلي، ولم يزد فيه عملي».
اعلم أخي المسلم أختي المسلمة، أن ما مضى من وقتك لا يعود ولن يرجع، ولا يمكن استبداله ولا تعويضه، فكل يوم مضى، وكل زمن انقضى ليس في الإمكان استعادته، وهذا معنى ما قاله الحسن البصري رحمة الله عليه: «ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن ادم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة».
ويتعين على المسلم أن يكون حرصه على وقته أكثر من حرص الناس على أموالهم، وأن يبخل بوقته أكثر من بخل الأغنياء بثرواتهم، ولا يبدده فيما لا ينفع، بل يستغله فيما ينفعه في دينه ودنياه.
قال ابن القيم في كتابه الداء والدواء: «فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع من مر السحاب، فما كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته، وإن عاش فيه عاش عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته».
فعلى المسلم أن يستغل أوقاته ويستثمرها في طاعة الله عز وجل قبل أن يدركه الموت، ويتمنى الرجوع إلى الدنيا لكي يعمل صالحا في وقت لا ينفع فيه الندم ولا يقبل فيه الرجاء. قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ*لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 99-100]، وقال عز وجل أيضا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ*وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر: 36-37]، وقوله سبحانه: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ*وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون: 10-11]، وقال عز وجل:( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى*يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) [الفجر: 23-24].