العيد.. فلسفته ومشروعيته عند المسلمين

alarab
باب الريان 07 أغسطس 2013 , 12:00ص
الشيخ جعفر الطلحاوي
روى ابن أبي شيبة بسنده عن الزهري أن رسول الله كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير([1])، [إسناده صحيح. وهو مرسل، وله شواهد يتقوى بها]. الأعياد في الإسلام لها صورتها الخاصة ونظامها وفلسفتها وتستمد مشروعيتها من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وتعقب أداء ركن من أركان الإسلام وشعبة من شعب الإيمان فالفطر يعقب أداء ركن الإسلام: الصوم، والأضحى يعقب أداء شعبة الإيمان الحج. والأعياد في الإسلام مناسبة لكثير من الأمور: أولاً: الصلاة وقد شرع الله تعالى لعباده صلاة العيد يوم العيد، وهي من تمام ذكر الله تعالى. وهي سنة لا ينبغي لمسلم تركها. بل ذهب فريق من أهل العلم إلى وجوبها؛ بدليل ما ورد عن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: «أمَرَنا تعني النبي صلى الله عليه وسلم أن نُخرج في العيدين العواتق، وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين»([2]) والأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء، فالرجال من باب أولى. وصلاة العيد من كل عام في العيدين إنما يبدأ وقتها بعد شروق الشمس بعشرين دقيقة تقريباً وتصح فرادى لمن لم يشهد جماعتها كما أنها لا تفوت بفوات الجماعة. ثانيا: المظاهرة وتكثير سواد المسلمين في مثل هذا الحشد الجامع من المسلمين الذين يلتقون على محبة ومودَّة ومناسبة سعيدة أبهى صورة وأجمل هيئة تلك التي يجتمع فيها المسلمون مع اختلاف جنسهم على ذكر الله وأداء صلاة العيد وإعلان التكبير وشعار الإسلام يُشارك في هذا الجمع كل المسلمين الرجال والنساء، الكبار والصغار على السواء والذكور والإناث حتى الحُيَّض منهم كل ذلك لتكثير سواد المسلمين. ثالثا: العيد مظهر من مظاهر الوحدة والجماعة عند الترمذي في سننه «الفطر يوم يفطر الناس والأضحى يوم يضحي الناس» قال الترمذي: فسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس انتهى. وجاء في سبل السلام: فيه دليل على أنه يعتبر في ثبوت العيد الموافقة للناس وأن المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ويلزمه حكمهم في الصلاة والإفطار والأضحية. رابعاً: الذكر والتكبير في أيام العيد من أعمال المسلمين في أعيادهم الذكر والتسبيح والتهليل لله تعالى فلا يغفل المسلمون عن ذكر الله تعالى أيام مرحهم وساعات ترويحهم عن أنفسهم فقد قال تعالى في آيات الصيام بعد بيان عدَّة أيام الصيام والمطالبة بإكمالها أقول بعد ذلك جاء الأمر بالتكبير والشكر لله تعالى في سورة البقرة/185 «وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» وقال تعالى في آيات الحج من سورة الحج «لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ». روى ابن أبي شيبة بسنده عن الزهري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير([3])، [إسناده صحيح. وهو مرسل، وله شواهد يتقوى بها]. والحديث دليل على مشروعية التكبير جهراً في الطريق إلى مصلى العيد وكذا إذا أتى المصلى إلى أن تقضى الصلاة. خامساً: التبرؤ من المشركين لا التشبه بهم لقد وقع الإعلام ببراءة الله تعالى ورسوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من المشركين لتحريفهم الكلم عن مواضعه ولصدهم عن سبيل الله وقع هذا في يوم العيد يوم الحج الأكبر قال تعالى: «وَأَذَانٌ» أي إعلام «مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» قال البيضاوي: أي يوم العيد لأن فيه تمام الحج، ومعظم أفعاله، ولأن الإعلام كان فيه، ولما روى أنه عليه الصلاة والسلام وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: هذا يوم الحج الأكبر. يفهم المسلم هذا من سيرة سيد المرسلين سيدنا محمد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في الوقت الذي تشهد فيه التجمعات الإسلامية تشابهاً ومحاكاة للمشركين في أعيادهم من الاختلاط والتبرج والسفور إلى آخر ما هنالك. ‏سادسا: تجديد العهد مع الله في العيد وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتعاهد النساء يوم العيد بالبيعة التي سجلها الله تعالى في كتابه، «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ» وهي هي البيعة التي أخذها على الرجال عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: «تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم قرأ الآية التي أخذت على النساء «إذا جاءك المؤمنات» فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى اللّه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (أخرجه البخاري ومسلم). سابعاً: لهو مباح ولعب مشروع في ‏تهذيب سنن أبي داود، لابن القيم /كتاب الصلاة. /باب صلاة العيدين. عن أنَسٍ رضي الله عنه قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر». ‏ولقد ورد أن الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد يوم العيد، والنبي صلى الله عليه وسلم ينظر. وعائشة رَضِيَ الله عنه تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملّت ورجعت، ودخل أبوبكر في بيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على عائشة رضي اللّه عنها وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان؛ فقال أبوبكر: أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: «دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد». ثامناً: الزينة والتجمُّل قيل: في يوم الفطر يستحب للمرءِ ستة أشياء أن يغتسل ويستاك ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه ويؤدي فطرته ويتناول شيئاً ثم يخرج إلى المصلى. وهذه الأشياء مستحبة يوم الأضحى لكن بدلا من أن «يؤدي فطرته ويتناول شيئاً» لا يتناول شيئاً حتى يرجع فيتناول من أضحيته.. تاسعاً: أكل وشرب بضوابط الشرع لقد ورد الشرع بتحريم صيام هذين اليومين: الفطر والأضحى، فعند مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلَّى العيد قبل أن يخطب بلا أذان ولا إقامة، ثم انصرف فخطب، فقال: إن هذين اليومين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامهما، يوم فطركم من صيامكم، والآخر يوم تأكلون من لحوم نسككم أي من أضحيتكم، قال ابن عبدالبر في هذا الحديث أن الضحايا نسك وأن الأكل منها مستحب. والنهي عن الصيام هنا: نهي تحريم. ولهذا من السنة في يوم الفطر أن يأكل المسلم قبل أن يغدو إلى المصلَّى أو قبل أن يُصلي صلاة العيد شكرا لله تعالى الذي أباح له ما كان محظورا عليه فبالأمس كان صائما واليوم أصبح مفطرا والأمر لله من قبل ومن بعد. عاشرا: ورود العيد في القرآن الكريم هذا والموضع الوحيد الذي وردت فيه كلمة العيد في القرآن الكريم صريحاً في سورة المائدة في قوله تعالى: « إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ، قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ». والمعنى: تكون لنا عيداً، نعبد ربنا في اليوم الذي تنزل فيه ونصلي له فيه، كما يعيد الناس في أعيادهم. • داعية بوزارة الأوقاف -من علماء الأزهر