الربّانية والإنسانيَّة في القرآن الكريم

alarab
باب الريان 07 أغسطس 2013 , 12:00ص
كتبها وراجعها: مجد مكي
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته، على من أرسله ربُّه رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا، وأسوتنا وقائد دربنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه، الذين }آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ [الأعراف:157]. ورضي الله عمن دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين. فيا أيها الإخوة والأخوات: خير ما أحييكم به أيها الإخوة والأخوات تحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فها نحن في الليلة التاسعة والعشرين من شهر رمضان المبارك، وبقيت علينا ليلة من ليالي هذا الشهر الكريم، وجزء من أجزاء هذا الشهر الكريم، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يخرجنا من هذا الشهر مغفورا لنا، وأن يجعل حظنا منه الرحمة والمغفرة والعتق من النار. هذا الجزء المشهور بـ(جزء تبارك) سوره كلها مكيَّة، بخلاف جزء (قد سمِع) فسوره كلها مدنية، أما جزء (عمَّ) فأكثر سوره مكيَّة، وفيه بعض السور المدنية كسورة (البينة)، و(النصر)... إلخ. أصول الدين في جزء تبارك وهذا الجزء المكي (جزء تبارك) يذكر بالأصول الأساسية لهذا الدين، التذكير بالله تبارك وتعالى، فمنذ بداية الجزء تجد قول الله تبارك وتعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)}. الموت ليس فناء محضاً ومن العجيب أن يقول القرآن: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ}، وهذا يدلنا على أن الموت، ليس فناء محضا، ولا عدما صرفا، كما يتصور الماديون؛ لأن العدم لا يُخلق. إن الموت رحلة، وانتقال من حياة إلى حياة، ومن دار إلى دار، كما قال عمر بن عبدالعزيز: إنكم خُلقتم للأبد، وإنما تنقلون من دار إلى دار. ونحن ننتقل من هذه الدار إلى تلك الدار بـ(الموت). وقال في ذلك الشاعر المؤمن: وما الموت إلا رحلة غير أنها من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي ابتلاء الإرادة الإنسانية بأحسن العمل {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} هذه العبارة تكررت في القرآن، ففي سورة هود: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [آية:7]، وفي سورة الكهف: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [آية:7]، لنختبرهم أيهم أحسن عملا. وهذه العبارة لها إيحاء مهم جدا، فكأن التنافس ليس بين العمل السيئ والعمل الحسن، فلم يقل ليبلوكم أيكم سيء العمل، وأيكم حسنه، وإنما {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، وكأنَّ التنافس بين الحسن والأحسن، فالسيئ ليس وارداً، فالله لم يخلق الموت ولا الحياة، والكون من أجل سيئ العمل، وإنما خلق الله الناس ليحسنوا، وليختبرهم أيهم أحسن عملا. المؤمن يتوق إلى الأحسن والإنسان المؤمن دائما، يرنو إلى الأحسن، ويتعلق قلبه بالأحسن، يتوق إلى الأحسن، وهذا شأن الإنسان المؤمن، فهو صاحب همَّة عالية، لا يهمُّه الحسن فقط، بل الأحسن، فهو يريد أن يكون صاحب أحسن شيء. بعض طلابنا يقول: أريد أن أنجح ولو مقبولا، المهم أن أتخطى الرسوب، وهذا ليس شأن المؤمن، فهو يريد الامتياز، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس الأعلى». أنت تسأل كريما، فلماذا تسأل أقل الدرجات، وهذا ليعلقنا دائما، بالمعالي، بالمكارم، لا بسفاسف الأمور. ولذلك وصف الله أولي الألباب من عباده فقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:17-18]. هذا هو شأن الناس أصحاب العقول: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر:55]. ففي هذا الجزء (جزء تبارك) يريد الله أن يركز ويغرس هذه المعاني الربَّانيَّة، الصلة بالله تبارك وتعالى، وأيضا في جانب آخر، يريد أن يركِّز على المعاني الإنسانية. العناية بالجانب الرباني والإنساني والربط بينهما فالإسلام يُعنى بالجانب الرباني، وبالجانب الإنساني، ويربط بينهما، فتجد في هذه السورة (سورة تبارك)، يقول الله: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)}. فتجد الجانب الاقتصادي في الإسلام، ممزوجا بالجانب الرباني: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} هيَّأ لكم الأرض، ذللها، لتمشوا في مناكبها، وتلتمسوا الرزق في خباياها. لو أن الأرض هذه من ذهب، فهل سنأكل الذهب؟ وماذا سنعمل بالذهب؟ بل جعلها من طين وتراب، ومن هذه العناصر التي نحتاج إليها، وذلل لنا هذه الأشياء، {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا}. {وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} هذا الجانب الربَّاني، فهو الذي جعل لك الأرض مذلَّلة، وأيضا هو صاحب هذا الرزق الذي على الأرض، فحين تأكل -وهذا حقك وحظك كإنسان- لا تنسى أن هذا رزق الله إليك. {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} يذكرك أيضا بالمصير الأبدي. وهذه هي إحدى الأساسيات، والقواعد الكبرى في القرآن المكي، التذكير بالله، والتذكير بالمصير، وبالخلود، وبالدار الآخرة، وبالجزاء، وبالجنة وبالنار. فهو يربط بين هذه الأمور كلها، بين الجانب الربّاني والأخروي، والجانب الإنساني، والجانب الاجتماعي، خصوصا جانب الضعفاء من الناس، الذين لا سند لهم، ولا ظهر، ولا حماية لهم في المجتمع، وتسحقهم الأقدام، ويفترسهم الضعفاء. العناية بالمسكين في سورة القلم ونجد في هذا الجزء العناية بالمسكين، ففي سورة (القلم) قرأنا قصة أصحاب الجنة، أصحاب الحديقة والبستان. كان أبوهم رجلا صالحا، يعطي من ثمار حديقته المساكين، فيعطيهم شيئا، ويرد على الأرض شيئا، ويدخر لأهله شيئا. فجاء أولاده، وشحوا بحق هؤلاء المساكين، وأرادوا أن يجزوا ثمار جنتهم بليل حيث لا يراهم أحد، {أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)} أي مبكراً. {وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)} في بعض التفسيرات أنهم: لم يقولوا إن شاء الله. وفي تفسيرات أخرى: لم يستثنوا حق المساكين. {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)} انتهت، وحرقت، وذهبوا إليها فلم يجدوا، ثمرا، ولا زرعا، ولا خضرة، ولا نضرة، {فَلَمَّا رَأَوْهَا قالوا إنا لَضَالُّونَ (26)} أي: تائهون. ضللنا طريق جنتنا العامرة بالخيرات. في كل مجتمع عنصر من عناصر الخير ثم قالوا: {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)} لم نضل وإنما حرمنا الله وجازانا، لبخلنا بحق الفقراء، {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)} وهذه من الإشارات المهمة، أن الله يجعل دائما في كل مجتمع عنصرا خيِّرا، فلا يمكن أن يجمع الناس على الشر، بل لا بد أن يكون في أي مجتمع عنصر من عناصر الخير. وتجد ذلك واضحا أيضا في إخوة يوسف عليه السلام، فلما أرادوا قتله، خرج منهم من يذكرهم بعاطفة الأخوَّة، {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} [يوسف:10]. دائما يذكرنا القرآن بأن هناك عنصر خير موجود في الناس، مهما غلب على الناس الشر. ففي هذه القصة، أحرق الله الجنة، لاعتدائهم على حق المسكين، وبخلهم بحق هذا الإنسان الضعيف المسكين. أصحاب الشمال في سورة الحاقة ونجد في سورة الحاقَّة، أصحاب الشمال، من أهل الغنى والمال والثروة والسلطان، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)} لم ينفعني مال ولا سلطان، ولا جاه. ثم يصدر عليه الحكم الإلهي: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)}، ضعوه في هذه السلسلة. ولكن ما هي أسباب ذلك، وما هي حيثيات هذا الحكم؟ {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)}. الجانب الرباني: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)}. والجانب الإنساني: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)}، ولهذا كان أبو الدرداء يقول لامرأته: إن لله سلسلة لم تزل تغلي فيها مراجل النار، منذ خلق الله جهنم إلى يوم القيامة، تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضِّي على طعام المسكين يا أم الدرداء. ولا يوجد دين –أيها الإخوة- يجعل الحضَّ على طعام المسكين، من أصول الدين، يعني من أجله يدخل الرجل النار، ويوضع في هذه السلسلة، لأنه لم يكن يحض على طعام المسكين. ولهذا فالمطلوب من الإنسان: أن يطعم المسكين إذا قدر عليه، وأن يحضَّ الآخرين على طعام المسكين، سواء أطعمه هو أم لم يطعمه. فكل إنسان عليه فريضة إذا، وهي أن يدعو الناس إلى رعاية المساكين، وكلمة طعام، هي كناية عن الإقامة بجميع مطالبه، فهل يجوز أن تطعمه ثم تتركه مشردا بلا سكن، أو تطعمه ثم تتركه عاريا، تطعمه وتتركه مريضا وهو بحاجة إلى الدواء، وهذه كناية عن رعاية ضروراته، وحاجاته، فالحض على طعام المسكين من الأصول. ولهذا ذمَّ القرآن المجتمع الجاهلي، بقوله: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الفجر:17-18]، اليتيم ضائع فيكم، والمسكين لا يحض بعضكم بعضا على إطعامه. إنشاء الجمعيات الخيرية ولذلك يقول الأستاذ الإمام محمد عبده في تفسيره لجزء عم: هذه الآية وأمثالها، أصل في إنشاء الجمعيات الخيرية؛ لإغاثة المساكين وإطعامهم، والبحث عن حاجاتهم. والإمام محمد عبده أنشأ الجمعية الخيرية الإسلامية، وكلامه صحيح؛ لأنه ما دام الإطعام والحض عليه فرضا، فوجب علينا تأسيس مؤسسات تخدم هذه الفئات من الناس. والله يقول: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون:1-3]. فالكافر الذي يكذب بالجزاء وبالآخر، وبالدين كله، من صفاته: أنه يقهر اليتيم، ويدفعه بعنف، ولا يحترم إنسانيته، والذي لا يحض على طعام المسكين، فهو إنسان أناني، لا يهمه إلا نفسه، فما دام يجمع على مائدته من الطعام ما لذَّ وطاب، فلا يهمه الآخرون، وهذا صاحب القلب القاسي، وهذا ليس من أهل الإيمان، ولا من أهل الدين: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} [الماعون:1-3]. إنشاء الإنسان الربَّاني هذا الجزء (جزء تبارك) الجزء التاسع والعشرين، ينشئ الإنسان الربَّاني الذي يعيش في الدنيا، بقلب أهل الآخرة، يمشي على الأرض وعينه ترنو إلى السماء، الإنسان الذي لا يحيا لنفسه، وإنما يعيش دائما مهتماً بغيره، و «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم». هذا القرآن يؤسِّس إنشاء هذا الإنسان، ومن هذا الإنسان الصالح تتكوَّن المجتمعات الصالحة، فأساس المجتمع الصالح، هو الفرد الصالح، والفرد الصالح لا يمكن أن ينشأ ويؤسس إلا على الإيمان والتقوى، وبالإيمان وبالتقوى نستطيع أن ننشئ الإنسان الذي يعبد الله تعالى في أرضه، والذي يعمر هذه الأرض، ويقيم فيها الحق، والعدل، فمن أجل هذا خلق الله هذا الكون، وخلق الله هذا الإنسان. مقاصد الله من الخلق والإمام الراغب الأصفهاني يقول: مقاصد الله تعالى من الخلق ثلاثة: المقصد الأول: العبادة، وإليها الإشارة بقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56-58]. والمقصد الثاني: الخلافة، أي: الخلافة عن الله في الأرض، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]. والمقصد الثالث: العمارة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]. وعلماء العربية يقولون: السين والتاء للطلب، فاستعمركم، أي: طلب منكم عمارة الأرض. فعمارة الأرض إذا من الأهداف التي خلق من أجلها الإنسان، ولهذا يقول الله تعالى: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف:56، 58]، أي: إن الله هيَّأها لتكون صالحة فلا تفسدوها، بل عمروها، وجملوها، وأحيوها، ولذلك يعتبر الإسلام تعمير الأرض وزراعتها، (إحياء الموات)، فالأرض غير المزروعة، وغير المبنية، تعدُّ مواتا، وأنت إذا غرست فيها غرساً، أو زرعت فيها زرعاً، أو أقمت فيها بناء فقد أحييتها، ولذلك تسمى (إحياء الموات)، وهذا مأخوذ من حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فهي له». هكذا –أيها الإخوة- يريدنا هذا الدين العظيم، ويريدنا هذا القرآن الكريم، أن نكون أناسا صالحين، لنعمر الأرض، ولنقوم بالخلافة فيها، ولنعبد الله تعالى فيها، ولنعبد الله تعالى فيها، بالعلم النافع، والعمل الصالح، والخلق الكريم. نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعل يومنا خيرا من أمسنا، وغدنا خيرا من يومنا، وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأن يختم لنا بخير، إنه نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.