«أم عمارة» أول مقاتلة في الإسلام دفاعاً عن رسول الله

alarab
باب الريان 07 أغسطس 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
كثيرات من النساء يلتمسن أهدافا كبرى في الحياة لكنهن حين يصطدمن بالعقبات في سبيل تحقيقها يستسلمن وتذهب أحلامهن سدى، ولكن بنظرة متأملة في حياة الصحابية الجليلة «أم عمارة» نتعرف على الأهداف الكبرى كيف تكون، وكيف يكون البذل والصبر والاحتمال والتضحية في سبيل تحقيقها. اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية، أسلمت بعد وقت قصير من بزوغ الدعوة، وكانت بذلك من السابقين الأوَّلين إلى الإسلام، حين بايعتْ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بيعة العَقبة الثانية. من سيرتها بدا واضحا أن كل ما كان يشغلها هو خدمة هذا الدِّين، فأول ما قدمت نفسها، ثم كان أولادَها حين غرست في أنفسهم حب الجِهاد، ونيل الشهادة في سبيل نصرة دِين الله، وكان لها ما تمنت وضرب أولادها أروع النماذج في البطولة والاستشهاد. محاربة لا يستهان بها شهدت «أم عمارة» رضي الله عنها كثيرا من الأحداث العظيمة مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقد حضرت بالإضافة إلى بَيعةِ العقبة الثانية كُلا من بيعة الرِّضوان، وصلح الحُديبية، وعمرة القضاء، وغزوة حنين، وحرب اليمامة. في غزوة أحد خطت بسطور من نور تاريخها الذي لن يزول إلى قيام الساعة، يومَ أُحد كان في السَنةَ الثالثة من الهجرة، وكانتْ تشارك في سقاية الجُند، وتحمل بيدها الماء في قِربةٍ صغيرة، وتدور بها على الجرحَى والعطشى، لكن هذه المرأة العظيمة لم يقتصر دورها على مساعدة الجند وسقايتهم، فقد روت عنها «جميلة بنت سعد بن الرَّبيع» وهي تقول: «خرجتُ أوَّلَ النهار إلى أُحد، وأنا أنظر ما يصنع النَّاسُ، ومعي سِقاءٌ فيه ماء، فانتهيتُ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو في أصحابه، والدَّولة والرِّيح للمسلمين، فلمَّا انهزم المسلمون، انحزتُ إلى رسول الله، فجعلتُ أُباشِر القِتال، وأدافع عنه بالسَّيف، وأرمي بالقوْس حتَّى خلصتْ إلي الجراح»، تقول الراوية «جميلة»: فرأيتُ على كَتفِها جرحا له غَورٌ أجوفُ. وقال من شاهدها رضي الله عنها في ذلك اليوم المشهود، إنها كانت تقاتل أشدَّ القِتال، وكانتْ تحجز ثوبَها على وسطها، حتى جُرحتْ ثلاثةَ عشر جرحاً، وكان أعظمُ هذه الجراح ناشئاً من ضربةِ الفارس المشرك ابن قميئة، لَمَّا ضربها، وهي تدافع بجسدها عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومكثت تُداوي جُرحَها بعد ذلك سَنة كاملة.. ولكن ماذا قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما التفت يمينا ولا شمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني»، وقال حين نظر إلى جرحها وأمر ولدها عبدالله أن يعصبه: «بارك الله عليكم من أهل البيت، رحمكم الله أهل البيت»، وسمعته أم عمارة فقالت: ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة»، فقالت «أم عمارة»: ما أبالي ما أصابني في الدنيا. والحق أن قول النبي يكفيها لنعلم كيف كانت المرأة تدور حوله بإخلاص قلب وعقل لا يشغلها إلا الدفاع عنه، بل ولم تنقصها المهارة في قتالها هذا. لم يكن نصيب أم عمارة المقاتلة من هذه الغزوة تلك البطولة فقط، بل كان لها نصيب آخر في موقفها من ولدها «عبدالله» وقد جرحه أحد المشركين جرحا بالغا، فربطت أم عمارة جرحه وقالت له، انهض بني فضارب القوم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ وحين رأى رسولُ الله قاتلَ ابنها قال لها: هذا ضارب ابنك، فاعترضته، وضربت ساقه بالسيف فبرك، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «استقدت يا أم عمارة»، فأجهزت هي ومن معها على ذلك المشرك حتى مات، فقال النبي: الحمد لله الذي ظفرك، وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك». لم ينته دور «أم عمارة» في القتال، بل رسمت صفحة مضيئة أخرى في تاريخها في غزوة حنين في السَّنة الثامنة بعد الفتح وقد كانت حاملا، وتروي لنا عن دَورِها في ذلك اليوم المشهود، فتقول: «لَمَّا كان يومُ حنين، والناس منهزمون في كلِّ وجه، وأنا وأربعُ نسوة في يدي سَيف صارم، وأمُّ سُليم قد حزمتْ وسطَها، وهي يومئذٍ حامل، وأمُّ سليط، وأمُّ الحارث، فجعلتُ أسلُّ السيف، وأصيح بالأنصار: أيَّة عادة هذه؟ ما لكم وللفِرار؟ وأنظر إلى رجل مشركٍ من هوازن على جمل، معه لِواء، يريد أن يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضربُ عُرقوبَ الجمل، فوقع على عَجُزِه، وأشُدُّ عليه، فلم أزلْ أضربُه حتى أثبتُّه، وأخذتُ سيفاً له. أم الشهداء وكتب الله للمحاربة الصديقة «أم عمارة» في سَنة اثنتي عشرةَ للهجرة، أن تشارك في حرب اليمامة حين أعلن الصِّدِّيق رضي الله عنه عن نيِّته في حرب المرتدين، فتشتاق للجِهاد، وتترجم شوقها لفعل وواقع، فتستلم سيفَها المصلت، تُهاجِم به أعداءَ الله، وتجرح في ذلك اليوم أيضا أَحدَ عشرَ جرحاً، وتقُطعْ يدُها لَمَّا حاولتِ النيلَ من مُسيلمة، فكانتْ معركةُ اليمامة صفحةً جديدة، أضيفتْ إلى صفحاتِ السيِّدة العظيمة، ولم تدخر أبناءها في سبيل الله، فقد استشهد أول أولادها عبدَالله بن زيد بن عاصم المازني يومَ الحرَّة، لَمَّا اندلعتْ نارُ الفِتنة، واستبيحتِ المدينة من قبل جيش الشام سنة 63 من الهجرة، أمَّا وَلدها الثاني، حبيبُ بن زيد بن عاصم المازني، الذي شَهِد العقبةَ وأُحداً، والخندق، وغيرها، وقد بعثه الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم إلى مُسيلمةَ الكذَّاب يومَ اليمامة، فقال له مسيلمة: أتشهدُ أنِّي رسول الله؟ فقال حبيب: لا أسمع، فقطَّعه عضواً عضواً، حتى قطع يديه من المنكبين، ورِجلَيه من الوركين، ثمَّ أمر به فحُرِّق بالنار، وهو على حاله ثابتٌ لا يرجع عن قوله، ولا ينزع عن دِينه، إلى أن فاضتْ رُوحُه إلى بارئها، ونال بذلك ما تمنَّاه من الشهادة في سبيل الله. وثالث أولادها ضمرةُ بن غزيَّة بن عمرو، الذي شَهِد أُحداً مع أبيه، وقد أكرمه الله بالشهادة في معركة شرسة بين المسلمين والفرس عُرفتْ بيوم «جسر أبي عبيد» التي قُتِلَ فيها أكثر من سبعين صحابيّاً وآلاف المسلمين. وبذلك تكون «أم عمارة» قد حققت هدفها الذي وهبت نفسها لأجله وعاشت طوال عمرها في خدمة الإسلام عبر أشرف الأبواب وأشقها على النفس والجسد وهو باب الجهاد. متدبرة بقراءة القرآن كانت «أم عمارة» تقرأ القرآن قراءة متدبرة تنم عن فهم وتدقيق، حتى إنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء، فنزلت هذه الآية «إن المسلمين والمسلمات...» (الأحزاب: 35). وقد روت عن النبي عدة أحاديث، وروى عنها حفيدها عباد بن تميم، والحارث بن كعب، وعكرمة مولى عباس. زارها الرسول صلى الله عليه وسلم في بيتها وأكل عندها وكانت صائمة، مما يدل على مكانتها عند رسول الله وعلى ورعها وزهدها وحرصها على صوم النفل، وبهذا حين ندعو لأم عمارة بالرحمة نعلم أننا ودعنا امرأة ليست عادية، ودعنا أما مجاهدة بنفسها وأولادها، فلم تعز على الله شيئا لا نفسا ولا مالا ولا ولدا، ودعنا الصابرة المحتسبة المتدبرة، راوية الحديث التي وصفها «أبو النعيم» بقوله: أم عمارة المبايعة بالعقبة، المحاربة عن الرجال والشيبة، كانت ذات جهد واجتهاد، وصوم ونسك واعتماد. رحم الله «أم عمارة» ووهب للإسلام نساء على شاكلتها يستقيم بهن حال الأمة وأبنائها.