السعيد من فاز بالجنة والشقي جزاؤه النار ونار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة
باب الريان
07 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}:
أمر عليه الصلاة والسلام: أن يستمر في تذكيره للناس حتى لا ينسوا ولا يغفلوا عما هو مطلوب منهم، وهو مأمور دائما بالتذكير: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية:21-22]. {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق:45].
ذكّر الناس حسبما يسرناك له مما يوحى إليك، واهدهم إلى ما في تضاعيفه من الأوامر والنواهي والهداية، واجتهد أن يكون تذكيرك لقلوب تنفعها الذكرى، وتستجيب للقول الحسن، وتأنس للوعظ والإرشاد، وطالما كان الرسول الكريم يذكرهم، ويستفرغ فيه غاية المجهود، ويتجاوز في الجهد كل حد معهود، حرصا على إيمانهم، وما كان يزيد ذلك بعضهم إلا كفرا وعنادا، فأُمر عليه الصلاة والسلام أن يخص التذكير بمواد النفع، في الجملة بأن يكون من يذكره –كلا أو بعضا- ممن يرجى منه التذكر، ولا يتعب نفسه في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عتوا ونفورا، ممن طبع الله على قلوبهم، وجعل على سمعهم وأبصارهم غشاوة، كما قال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29].
وقال بعضهم: إنما قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى}: اعتراض بين الكلامين، على جهة التوبيخ لقريش، أي: إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة، وهذا كما يقول الشاعر:
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
{سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى}:
إن تذكيرك لن يضيع سدًى، لابد أن يكون في الناس من يستجيبون للدعوة، ويتذكرون للتذكير، ممن لهم قلوب تخشى الله، ولهم آذان تحسن السماع للحق، ولهم عقول تهتدي لما يهدي، فالمراد هنا بـ{مَنْ يَخْشَى}: من ثبتت خشية الله في قلبه، فأمسى من شأنه أن يخشاه، ويعلم أنه ملاقيه، أو من يخشى الله تعالى في الجملة، فيزداد ذلك بالتذكير، فيتفكر في أمر ما يذكر به، فيقف على حقيقته، فيؤمن به.
{وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}:
ويتجنب التذكرة الإنسان الأشقى، الذي أصبح الشقاء عنوانا له، مُسجلا عليه، بل ليس مجرد الشقاء –وهو ما هو- بل الأشقوية، فهو أشقى الناس والعياذ بالله.
والشقاء ضد السعادة: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود:105], فإذا كان السعيد من فاز بالجنة، فإن الشقي من كان جزاؤه النار، فهذا الأشقى ينأى بنفسه أن يتعرض للهدى ودين الحق، وأن يكشف عن نفسه أسباب الغواية وأن يسعى إلى الحق، ولهذا وصفه عز وجل بقوله:
{الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى}:
هذا الأشقى لابد أن تصل به أشقويته وطريقته المنكوبة والمنكودة إلى النار الكبرى، إنها نار عظيمة أعدها الله للكافرين المعاندين من عباده الشريرين، بعدما أقام عليهم الحجة، وأبلغهم الرسالة، وأزال عنهم كل ما يعتذرون به، ووضح لهم كل السبل، وأجاب عن كل التساؤلات، فما لانت لهم شكيمة، ولا سكنت لهم نفس، ولا استقام لهم منطق: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف:179].
وإنما كانت هذه النار كبرى؛ لأن نار الدنيا، وإن حميت واستعرت، وكبرت واستمرت، إنما هي جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة، كما أخبرنا الرسول الكريم.
{ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى}:
أي لا يموت فيها الأشقى حتى يستريح بموته من عذاب هذه النار، ولا يحيا حياة تنفعه، ويحس فيها بمعنى الحياة، و(ثم) للتراخي في مراتب الشدة، لأن التردد بين الحياة والموت هو من أفظع ما يلاقيه أهل النار، والعياذ بالله.
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}:
تأكد فلاح من تزكى، والفلاح: أن يظفر بما يحب، وينجو مما يكره، وغاية هذا ما قاله القرآن: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185]. وهنا يؤكد القرآن بالحرف (قد) أفلح من تزكى، فلاحه في الدنيا، وفلاحه في الآخرة.
وفلاحه في الدنيا: أن يرزقه الله السكينة في نفسه، والطمأنينة في قلبه، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4]. {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
وأن يؤمن بأن الله معه، وأنه يؤيده، ويحفظه ويرزقه من حيث لا يحتسب، ففلاح المتزكي يبدأ من الدنيا، والتزكي: أن يقوم المؤمن بتزكية نفسه حتى يتحقق لها الفلاح، ولا يتركها فيدسّيها، ويجلب لها الخيبة، كما قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:9-10].
والتزكية تتضمن معنيين أصليين، أحدهما: التطهر، والثاني النماء، فهو يطهر نفسه من معتقدات الشرك، ومن رذائل النفاق، ومن أدران آفات القلوب من الكبر والعجب والحسد والحقد والرياء وغيرها من المعاصي الباطنة، ومن كل ما يدنس النفس من المعاصي وآثارها، وبعد هذا التطهير، ينمي نفسه بعمل الصالحات، ومنها عبادة الله وحده، وفعل الخيرات، والدعوة إلى الله، والتواصي بالحق، وهذه التزكية النفسية الأخلاقية، تسوق المؤمن إلى ذكر الله عز وجل، ودعائه والصلاة له، وبهذا تتم التزكية إذ لا تزكية لمن يجحد بالله وآياته وحسابه وجزائه، ولذا قال تعالى هنا: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} وفي القرآن آيات كثيرة تدعو إلى ذكر اسم الله تعالى كما قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان:25].
وأهم ما ينتهي إليه المؤمن بالذكر هو الصلاة، قرة عين المؤمن.
{بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}:
(بل): حرف إضراب عن مقدر هنا ينساق إليه الكلام، كأنه قيل إثر بيان ما يؤدي إلى الفلاح: لن تفعلوا ذلك، بل تفضلون لذات الدنيا العاجلة الفانية، فتسعون لتحصيلها والاستزادة منها.
والإسلام لا يحرم على المسلم الاستمتاع بطيبات الدنيا، بل يعتبرها نعمة من الله على المؤمن، ويحارب من حرّم طيباتها على عامة الناس، قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32].
إنما يمنع الإسلام إذا كانت الدنيا والآخرة أمام الإنسان: أن يؤثر الأولى على الآخرة، كما قال هنا: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}: وكما في سورة النازعات: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات:37].
وقال تعالى في سورة النجم: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]. فهذا معنى إيثار الحياة الدنيا، أي: لم يُرد إلا إياها، وليس للآخرة مكان يذكر بجوارها.
{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}:
ومن وازن بين الدارين، تبين له بكل وضوح: أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا من غير شك، لأسباب كثيرة:
أولها: أن الدنيا فانية، والآخرة هي الباقية.
ثانيها: أن متاع الدنيا قليل، بل الدنيا كلها بكل متاعها متاع قليل.
ثالثها: أن متاع الدنيا مع قلته متاع غرور، وليس متاعا حقيقيا.
رابعها: أن الآخرة خير من الدنيا كلها؛ لأن فيها الجنة، ورضوان من الله أكبر.
عن أبي مسعود: أنه قرأ هذه الآية: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فقال: أتدرون لمَ آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة؟
لأن الدنيا حضرت، وعُجلت لنا طيباتها، وطعامها وشرابها، ولذتها وبهجتها، والآخرة غُيّبت عنا، فأخذنا العاجل وتركنا الآجل.
وروى ثابت عن أنس قال: كنا مع أبي موسى في مسير، والناس يتكلمون ويذكرون الدنيا. قال أبو موسى: يا أنس، إن هؤلاء يكاد أحدهم يفري الأديم بلسانه فريا، فتعال فلنذكر ربنا ساعة. ثم قال: يا أنس، ما ثبر الناس؟ ما بَطّأ بهم؟ قلت: الدنيا والشيطان والشهوات. قال: لا، ولكن عجلت الدنيا، وغيبت الآخرة، أما والله لو عاينوها ما عدلوا ولا مَيَّلوا
{إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}:
(إن هذا): إشارة إلى ما في هذه السورة من حقائق وأخبار وتوجيهات، وخصوصا بعد قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} وما بعده، لثابت فيما جاء به رسل الله السابقون، فهو قول مصدق، ومتفق عليه، ليس أمرا ناشزا أو منفردا بما جاء به لا يشركه غيره، بل هو في كتب الأولين المعروفين، وخصوصا الرسولين العظيمين من أولي العزم من الرسل، الذين قال الله لرسوله فيهم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:35].
وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، الذين قال الله فيهم: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب:7].
فاختار من الرسل الأربعة أقربهم إلى العرب، وهما إبراهيم وموسى، فإبراهيم لأنه أبو إسماعيل، وإسماعيل أبو العرب المستعربة، الذين منهم محمد صلى الله عليه وسلم وقبيلته وقومه، وموسى ذو الصحف أو الكتاب الذي أنزله الله نورا وهدى للناس. روى الإمام أحمد في مسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يحب هذه السورة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.
وروى الإمام مسلم في صحيحه: أنه عليه الصلاة والسلام، كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، وربما اجتمعا في يوم واحد فيقرأهما.
وروى الترمذي عن النعمان بن بشير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ في العيدين، ويوم الجمعة: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}.
وذلك لأن هاتين السورتين فيهما من الدلائل على عظمة الله تعالى، وإبداع تكوينه، وعلى صدق نبيه، وعلى دلائل حمده وتمجيده، وضرورة لقائه في الآخرة، ما تحتاج النفس الإنسانية إليه، لتمتلئ جوانحها بحبه تعالى والاطمئنان إليه، والاستراحة إليه، فلا غرو أن كان عليه الصلاة والسلام يُكثر من القراءة بهما في المناسبات الطيبة كالجمعة والعيدين.
سورة الغاشية
بسم الله الرحمن الرحيم
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ اليْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)}
هي مكية في قول الجميع. تتعلق بالحديث عن الآخرة، واختلاف الناس فيها بين أشقياء وسعداء، تتفطر القلوب لما يعانيه أهل الشقاء، وتنشرح الصدور وتفرح القلوب لما ينعم به أهل السعادة.
وينبغي للعقلاء من الخلق، أن يستعينوا على الوصول إلى الحق، بالنظر فيما حولهم وما يحيط بهم، {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إلى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، فكل إنسان يجد من روائع الكون من فوقه، ومن تحته، ما يمهد لعقله أن يفكر، ولإرادته أن تحقق، ولجسده أن ينفذ.
المهم أن يتذكر ولا ينسى، وأن يذكر غيره، حتى لا تأكله الغفلة واللهو عن المصير المحتوم. {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر}.
وانتهت السورة بقوله: {إِنَّ اليْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ} الإياب والرجوع إلى الله وحده، وليس إلى أحد غيره، والحساب بعد ذلك عنده، وإنه لسريع الحساب، ودقيق الحساب، لا يخدعه أحد، ولا يحابي أحدا لقوته أو لبطشه، بل كلهم عبيد عنده، {لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ} [غافر:16].
{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7)}
من تأمل في هذا القرآن، وجده رائعا في كل ما يأتي به من معان، ومن بيان، فله أساليبه التي ينفرد بها، ولم تُعرف عن أحد قبله، ومنها هذه الألوان من الاستفهام التي نجدها في القرآن، ولا نجدها في غيره، مثل هذا الاستفهام: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ المُقَدَّسِ طُوًى} [النازعات:15-16]، ومثل هذا الحديث الذي بدأ به هذه السورة: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ}؟، وفي سورة أخرى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان:1].
بعض المفسرين قالوا: هل: بمعنى قد، وليس ذلك بسديد، بل هو استفهام أريد به التعجب مما في خبره، والتشويق إلى استماعه، والإشعار بأنه من الأحاديث المهمة-، التي حقها أن يتناقلها الرواة، ويتنافس في تلقيها الدعاة، من كل حاضر وباد.
و(الغاشية): الداهية الشديدة، التي تغشى الناس بشدائدها، وتكتنفهم بأهوالها، وهي القيامة. من قوله تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العَذَابُ ...} [العنكبوت:55].
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ}: جملة مستأنفة، وقعت جوابا عن سؤال نشأ من الاستفهام التشويقي، كأنه قيل من جهته عليه الصلاة والسلام ما أتاني حديث الغاشية، فما هو؟ فقيل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} يوم إذا غشيت الغاشية، خاسئة ذليلة خاضعة.
{عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} أي: إنها تمارس أعمالا شاقة مجهدة، تنصب فيها وتتعب في أدائها، من جر السلاسل والأغلال، وإلخوض في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلال النار ووهادها. فأي عمل أشد وأصعب على النفس من مثل هذا العمل.
{تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً} هذه الوجوه الذليلة، تدخل نارا متناهية في الحرارة، هي بالنسبة لنار الدنيا أشد وأقسى منها، لسبعين مرة!
{تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} هذه الوجوه - والمقصود أصحابها- تسقى وتشرب وتتجرع من عين آنية، أي: متناهية في درجات الحرارة، كما في قوله تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ} [الرحمن:44].
{لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ} أي: من شر الطعام وأبشعه وأخبثه، لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور. يقول أبو السعود رحمه الله، حول هاتين الآيتين، وخصوصا الآية الأخيرة: (أي: ليسَ من شأنِه الإسمانُ والإشباعُ، كما هو شأنُ طعامِ الدُّنيا. وإنما هُو شيءٌ يضطرونَ إلى أكلِه، من غيرِ أنْ يكونَ له دفعٌ لضرورتِهم، لكنْ لا على أنَّ لهم استعدادا للشبعِ والسمنِ، إلا أنَّه لا يفيدُهم شيئا منهمَا، بلْ على أنَّه لا استعدادَ من جهتِهم، ولا إفادةَ من جهةِ طعامِهم. وتحقيقُ ذلكَ أنَّ جوعَهُم وعطشَهُم ليسا من قبيلِ ما هُو المعهودُ منهما في هذه النشأةِ، من حالةٍ عارضةٍ للإنسانِ عندَ استدعاءِ الطبيعةِ؛ لبدلِ ما يتحللُ من البدنِ، مشوقةً له إلى المطعومِ والمشروبِ، بحيث يلتذ بهما عندَ الأكلِ والشربِ، ويستغنِي بهمَا عن غيرِهما عندَ استقرارِهما في المعدةِ، ويستفيدُ منهما قوةً وسمنًا عند انهضامِهما. بلْ جوعُهم عبارةٌ عن اضطرارهم عند اضطرامِ النارِ في أحشائِهم، إلى إدخالِ شيءٍ كثيفٍ يملؤُها، ويُخرجُ ما فيها من اللهبِ. وأما أن يكونَ لهم شوقٌ إلى مطعومٍ ما، أو التذاذٌ به عندَ الأكلِ، واستغناءٌ به عن الغير، أو استفادةُ قوةٍ، فهيهاتَ! وكذا عطشُهم عبارةٌ عن اضطرارهم عند أكلِ الضريعِ والتهابِه في بطونِهم، إلى شيءٍ مائعٍ باردٍ يطفئُه، من غيرِ أنْ يكونَ لهم التذاذٌ بشربه، أو استفادةُ قوةٍ به في الجملة، وهو المعنيُّ بما رُويَ أنه تعالَى يسلطُ عليهم الجوعَ بحيثُ يَضطرهُم إلى أكلِ الضريعِ، فإذا أكلُوه يسلطُ عليهم العطشَ، فيضطرهُم إلى شرب الحميمِ، فيشوِي وجوهَهُم، ويقطعُ أمعاءَهُم) .
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً}
كما ذكر حال الأشقياء، ثنى بذكر حال السعداء، وإنما قدم حال أهل النار؛ لأنه أدخل في تهويل الغاشية، وتفخيم حديثها، ولأن حكاية حسن حال أهل الجنة بعد حكاية سوء حال أهل النار مما يزيد المحكي حسنا وبهجة. وإنما لم يعطف عليها؛ إيذانا بكمال تباين مضمونيهما.
و{نَاعِمَةٌ} أي: ذات بهجة وحسن، كقوله تعالى: {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [المطففين:24].
و{لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ} أي: راضية لِسَعْيِها وعملها الذي عملته في الدنيا، حيث شاهدت ثمرته، وأدركت حقيقته.
{فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} هذا التنعم والرضا في جنة أعدها الله للمؤمنين من عباده، عالية مرتفعة المحل، عالية المقدار، هي رفيعة من حيث المسافة والمكان، ومن حيث الدرجة والمكانة.
{لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} لا تسمع أنت، أو لا تسمع الوجوه الناعمة في الجنة، كلمة لاغية، أي: ذات لغو، مما يتحدث في الباطل، أو الأذى للخلق، أونفسا لاغية، أو جماعة لاغية؛ لأن الجنة لا يؤذى أحد فيها بشيء، يبصر أو يسمع أو يحس، وقد قال تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة:25-26]، {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا} [مريم:62]، {لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} [الطور:23].
{فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} في الجنة عين تجري مياهها سارحة، وهي نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينا واحدة، فإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات. وفي سورة الإنسان: {يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [الإنسان:5].
{فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}
{فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} السرر جمع أسرة، واحدها: سرير. وفي الجنة سرر مرفوعة السمك أو المقدار. أي: عالية كثيرة الفراش، مرتفعة السمك، عليها الحور العين، فإذا أراد وليُّ اللهِ أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له.
{وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} الأكواب: جمع كوب. وهو إناء لا عروة له. ومعنى {مَوْضُوعَةٌ} أي: بين أيديهم، قريبة منهم.
{وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} النمارق: جمع نمرقة، وهي: الوسادة. مصفوفة: أي: منظمة بعضها إلى بعض، تريح الناظر.
{وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} الزرابي: جمع زَرْبيَّة. وهي: البسط الفاخرة. مبثوثة: أي: مبسوطة منتشرة، وهي التي تحدث عنها الشاعر، فقال:
بسط أجاد الرسم صانعها
وزها عليه النقش والشكل
فيكاد يقطف من أزهارها
ويكاد يسقط فوقهـا النحل
يتبع غداً إن شاء الله...