عرش إبليس لعنه الله

alarab
باب الريان 07 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
لإبليس لعنه الله عرش على الماء، روى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا! ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم، أنت أنت»! قال المباركفوري في «مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»: قوله: «إن إبليس يضع عرشه» أي: سرير ملكه «على الماء» وفي رواية: على البحر، ومعناه: أن مركزه البحر، ومنه يبعث سراياه في نواحي الأرض، فالصحيح حمله على ظاهره، ويكون من جملة تمرده وطغيانه وضعُ عرشه على الماء، يعني جعله الله تعالى قادرا عليه استدراجا، ليغتر بأن له عرشا كعرش الرحمن، كما في قوله تعالى: {وكان عرشه على الماء} يونس:7، ويغر بعض السالكين الجاهلين بالله أنه الرحمن، ويؤيده قصة ابن صياد حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرى عرشًا على الماء. فقال له صلى الله عليه وسلم: ترى عرش إبليس. وقيل: عبر عن استيلائه على إغوائه الخلق وتسلطه على إضلالهم بهذه العبارة! ولا ينبغي أن يلتفت لقول بعضهم: إن عرشه في مثلث برمودا، وهو هناك يظهر للبحارة، ويغرق السفن، ويهلك الطائرات، فهذا مما لا اجتهاد فيه، ولا دليل عليه، والله أعلم. عرش كسرى «إيوان كسرى» عرش كسرى أو إيوان كسرى من العروش الباذخة التي تردد وصف فخامتها في التاريخ، حيث كان في قلب مقر الملك في فارس «القصر الأبيض» وعلى جدرانه رسمت معركة أنطاكية التي دارت بين الفرس والروم. بدأ بناء الإيوان في عهد كسرى الأول، المعروف بأنوشِروان «الروح الخالدة» بعد الحملة العسكرية على البيزنطيين عام 540م. وهو من جزأين أساسيين: المبنى نفسه والقوس الذي بجانبه. بلغ ارتفاع القوس 37 مترا وعرضه 26 مترا وارتفاعه 50 مترا، وهو من أعظم الأبنية من نوعه في ذلك العصر. وكانت غرفة العرش التي يتوقع أن تكون تحت أو خلف القوس، ترتفع أكثر من 30 مترا وعرضها 24 مترا وطولها 84 مترا. وقد وصف البحتري إيوان كسري في سينيتة المشهورة: لو تراه علمتَ أن اللّيالي ... جعلتْ فيه مأتما بعد عُرْسِ وهْو يُنْبيكَ عَنْ عَجائِبِ قَوْمٍ ... لا يُشَابُ البيانُ فيهم بلَبْسِ فإذا ما رأيت صورة أنطا ... كية ارتعتَ بين رومٍ وفُرسِ والمنايا مواثلٌ وأنوشر ... وانَ يزجى الجيوش تحت الدِرَفسِ وعِراكُ الرجال بين يديه ... في خفوتٍ منهم وإغماضُ جَرسِ من مُشيحٍ يهوى بعامل رمحٍ ... ومُليحٍ من السنان بترسِ يغتلى فيهم ارتيابيَ حتى ... تتقراهمُ يدايَ بلمسِ ليس يُدرى أصنع إنسٍ لجنٍّ ... سكنوه أم صنع جنٍّ لإنسِ فكأني أرى المراتب والقومَ ... إذا ما بلغتُ آخر حِسِّي وكأن الوقوف ضاحين حَسرى ... من وقوفٍ خلف الزحام وخُنس كتب عنه العلامة البليغ المُطرب الشيخ علي الطنطاوي في زيارة له سنة 1937: أغمضت عيني وفتحت قلبي، فرأت البصيرة ما لا يراه البصر، رأيت أني قد ذهبت أتخطى أعناق القرون، وأطوي سجل الزمان، وأدير بفكري دولاب الفلك فيكر راجعا. ازَّخْرَفت هذه الجدران العارية وأخذت زينتها، عادت هذه الأبواب فأسدلت عليها ستر الوشي والديباج، وتحلَّت هذه السقوف بالصور والنقوش، وتدلت منها سلاسل الذهب تحمل الثريات المرصعة باللؤلؤ! عاش الإيوان، وقام في صدره سرير أنوشروان، ورجع المجد وعاد السلطان. وحلَّت الحياة في هذه الصحراء فنبعت المدائن والقصور من الأرض نبعًا، ونبتت منها نباتًا، فنمت في لحظة وأورقت وعلت واستطالت، ولوَّن الخيالُ هذه البرية الكالحة بألوان الزهر، فعادت حدائق وبساتين كانت لهذه المدائن كالإطار، فرأيتها أعظم المدن وقصورها أفخم القصور، والإيوان أجلّ صروحها وأعلى ذُراها! ورأيت هذه الأبواب المفتَّحةً للرياح والذئاب، قد قام عليها الحُجَّاب، ووقفت دونها الملوك، وحلَّ على أعتابها المجد. والجدران التي كانت عارية مصدَّعة قد شمخت وبذت وعزَّت، حتى غدت والطير تخشى أن تطير فوقها أو تحوم في سمائها. ورأيت دجلة التي كانت منذ ساعة تجري في البادية بعيدة، بعيدة عن الإيوان معرضة عنه، لا تلتفت إليه ولا تأبه له، قد غدت ساقية تمشي خاضعة وسط المدائن، وتنحني لتعقد على كتفَيها القناطر والجسور، وتفتح صدرها لتضم ظلال هذه القصور، وهي تستنقع فيها في أمسيَّات الصيف الحارة! ورنوت بعيني إلى هناك، إلى الحيرة، فإذا الخَوَرْنق السامق يعنو للإيوان كما يعنو صاحبه لربه، ورميت ببصري إلى بعيد، إلى الجزيرة، فإذا فيها أشباح تجيء وتروح خلال الضباب، تموج كأنها في بحر واسع وكأن خيامها سفائن يحملها الموج ويمشي بها مدّ وجزر، ولكن هذه الأمواج تنكسر على صخرة الإيوان ثم ترتدّ ضعيفة وانية، والإيوان مشمخرٌ عاتٍ. لا ملك أكبر من ملكه، ولا سلطان أعظم من سلطانه، ولا إنسان أعز من ربه. ولكن.. مَه! إن في البادية لشيئًا جديدًا، إنها تضطرب وتهتز، إن فيافيها تتمخض بالحياة. ها هو ذا النور يشق الضباب الكثيف، حتى يلمع كالبرق الخاطف بين قصور المدائن وتحت أقبية الإيوان. لقد ضرب محمد صلى الله عليه وسلم صخرة الخندق فأضاءت المعجزة الإيوان، فوعد أتباعه وقال لهم: هذا الطريق. يا للعجب العجاب! إن هذه القرية الملتفة في ألحفة الرمل، النائمة على صخور الحرة، المتوسدة سفح أحد وجوانب سِلع، تريد أن تأكل المدائن! بلغ كسرى الخبر فضحك وسخر، ثم جاء كسرى الكتابُ فعبس وبسر، وأعرض واستكبر، ومزق كسرى كتاب سيد العالم. لقد نطق سيد العالم بالحكم النافذ: «ليمزقنَّ الله ملك كسرى»! عرش بلقيس ملكة سبأ رضي الله عنها ومن العروش الباذخة التي تحدث عنها القرآن الكريم في سورة النمل (23) عرش بلقيس رضي الله عنها، ملكة اليمن العاقلة، التي آمنت بنبي الله سليمان عليه السلام، وكان عرشها مميزا حتى قال الهدهد المخبر عنه: «ولها عرش عظيم» والذي نُقل من اليمن لفلسطين بطريقة خارقة، حيث جيء به إلى قاعة المُلك في قصر سليمان عليه السلام قبل طرفة العين، «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرًّا عنده قال هذا من فضل ربي» [النمل: 40]. وقد دخلت الصرح، وكشفت عن ساقيها، لما رأت عرش سيدنا سليمان عليه السلام، انبهرت، وارتبكت لروعة وعظم ما ترى، وظنت أنه عرش على الماء مباشرة! حتى قيل لها: إنه صرح كرستالي باذخ. والله أعلى وأعلم.