يوم القيامه تكون وجوه المؤمنين أشدَّ بياضاً من الثلج
باب الريان
07 يوليو 2015 , 06:19ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام.
ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
{خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ }:
أي: ذليلة متواضعة أبصارهم من شدَّة خوفهم، مما أعدَّ لهم من الهوْل. وخصَّت العيون بالذلة؛ لأن ما في النفس أول ما يظهر بالعين، و(خاشعة) منصوبة على الحال.
{تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}،
أي: تغشاهم المهانة والانكسار، وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أشدَّ بياضًا من الثلج، وتسودُّ وجوه الكفار والمنافقين، حتى ترجع أشدَّ سوادًا من النار.
{وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}:
أي: كانوا يُدعون إلى الصلاة في الدنيا، وهم معافون أصحَّاء، قادرون على الإجابة والأداء، فلا يجيبون ولا يلبُّون النداء، على خلاف ما يصنع المؤمنون الصادقون.
وكان الربيع بن خُثَيم قد فُلِج، وكان يهادَى بين الرجلين إلى المسجد، فقيل: يا أبا يزيد، لو صليتَ في بيتِكَ لكانت لك رخصة. فقال: مَن سمع: حيَّ على الفلاح، فليُجِبْ ولو حَبْوًا.
وقيل لسعيد بن المسيَّب: إن طارقًا يريد قتلَك فَتَغَيَّبْ. فقال: أَبِحَيْثُ لا يقدر الله عليَّ؟ فقيل له: اجلس في بيتِكَ. فقال: أسمع: حيَّ على الفلاح، فلا أجيب؟!
وعيد وتهديد للمكذبين:
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ* أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}:
{فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ}:
يعني القرآن. وهذا تهديد شديد، أي: دعني وإيَّاه، وأنا أعلم به منه، كيف أستدرجه، وأمده في غيِّه، وأُنظره، ثم آخُذه أخذ عزيز مقتدر.
أي: دعني يا محمد، وخلِّ بيني وبينَ من يكذِّب بهذا القرآن، وكِلْه إليَّ، فأنا أكفيك أمره. أي: حسبُكَ في الإيقاع به، والانتقام منه: أن تكِلَ أمرَه إليَّ، وتخلِّي بيني وبينه، فإني عالم بما يستحقُّ من العذاب، ومطيقٌ له، وقادرٌ عليه. والفاء هنا لترتيب الأمر على ما قبلها من أحوالهم المحكمة.
{سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}:
أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك كرامة من الله لهم، وهو في نفس الأمر إهانة لهم. كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55-56]. وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ* فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:44-45].
الاستدراج: ترك المعاجلة. وأصله: النقل من حال إلى حال، كالتدرُّج. ومنه قيل: درجة. وهي منزلة بعد منزلة. واستَدرج فلان فلانًا، أي: استخرج ما عنده قليلًا قليلًا. ويقال: دَرَجَه إلى كذا، واستدرجه بمعنى: أدناه منه على التدريج، فتدرَّج هو.
واستدراج الله تعالى للعصاة والمتمرِّدين عليه، معناه: أخذهم على غفلة، وهم لا يعرفون، كما عذَّب الذين قُتلوا يوم بدر، وكما عذَّب الكفرة الظالمين من سائر الأمم.
وقال سفيان الثوري: نُسبِغ عليهم النِّعَم، وننسيهم الشكر .
وقال الحسن: كم مستدرَج بالإحسان إليه؟ وكم مفتون بالثناء عليه؟ وكم مغرور بالستر عليه؟!
وقال أبو رَوْقٍ: أيْ: كلَّما أحدثوا خطيئة جدَّدنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار.
وقال ابن عباس: سنمكُر بهم.
وقيل: هو أن نأخذهم قليلًا، ولا نُباغِتهم.
هذا ما ذكره الإمام القرطبي عن الأئمة في بيان الاستدراج، وهو واضح قوي .
{وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}:
أي: وأُمهلُهم وأُطيل لهم المدة. والمِلَاوة: المُدَّة من الدهر. وأَمْلَى اللهُ له، أي: أطال له. والمَلَوَان: الليل والنهار. وقيل: وأُملي لهم، أي: لا أعاجلهم بالموت. والمعنى واحد.
{إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}:
مكري بهم مكرٌ قوي، لا يُدرَك سرُّه البشر، وعذابي قوي شديد، فلا يفوتني أحد. كما قال تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} [الطارق:15-17]، فمعنى: متين، أي: عظيم، لمن خالف أمري، وكذَّب رسلي، واجترأ على معصيتي.
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الله تعالى ليُملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته». ثم قرأ: «{وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود:102]»( ).
{أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ}:
تقدم مثل هذا الخطاب في سورة الطور، وهو التفاتة إلى الرسول ليخاطبه ويناجيه، والمعنى في ذلك: أنك يا محمد تدعوهم إلى الله تبارك وتعالى، بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله تعالى، وهم يكذبون بما جئتهم به، بمجرد الجهل والكفر والعناد.
وخلاصة ذلك: أنك لا تكلفهم مالًا، ولا تلتمس منهم ثوابًا على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله تعالى، فهم من غرامة ذلك مُثقَلون؛ لما يشقُّ عليهم من بذل المال. أي: ليس عليهم أدنى كُلفة مالية، كي يدخلوا الإسلام، بل يملكون بمتابعتك على خزائن الأرض في الدنيا، ويُجزَوْن في الآخرة جنات النعيم.
{أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ}:
أم عند هؤلاء المكذِّبين من علم الغيب ومن أموره، التي لا يعرفها أحد، من اللوح المحفوظ، أو المُغيَّبات، ما ينقلونه منه، ويكتبونه، ويسطرونه، ويقولونه للناس، ويحكمون ويستغنون به عنك.
وقيل: أينزل عليهم الوحي بهذا الذي يقولون؟
وعن ابن عباس: الغيب هنا اللوح المحفوظ، فهم يكتبون ممَّا فيه، يخاصمونك به، ويكتبون أنهم أفضل منكم، وأنهم لا يعاقبون .
وقيل: {يَكْتُبُونَ} يحكمون لأنفسهم بما يريدون. يتهكَّم بهم في ذلك ويُسَخِّفهم ويُؤَنِّبهم بأن أمر الدين والشريعة لا يجوز أن يُؤخَذَ إلا عن الغيب من الله، بطريق النبوة والوحي.
تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتذكيره بقصة يونس:
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوإِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ}:
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ}:
{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ}: أمر من الله تعالى لرسوله بالصبر، وقد تكرر في القرآن (17) مرة.
والصبر لحكم الله هنا: أي: لقضائه الكوني في العالم، وما يجري فيه من سُنَّةٍ، وما يحكمه من أقضية، وما يتنازعه من مفاجآت، والمطلوب منك أيها الرسول الخاتم، أن تصبر وتتحمَّل، ولا تجزع أو تستثقل ما ينزل بك، فإن ما ينزل بك كثير، كما قال تعالى: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُو خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [يونس:109]. فاصبر يا محمد على أذى قومك لك، وتكذيبهم، فإنَّ الله سيحكم لك عليهم، وتكون العاقبة لك، ولأتباعك في الدنيا والآخرة.
{وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ} صاحب الحوت هو يونس عليه السلام، وهو الذي سمَّاه الله في سورة الأنبياء: (ذا النون)، فقال: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} [الأنبياء:87-88].
وكان قد غاضَب قومه وفارقهم، حين ضاق بهم ولم يصبر عليهم، ولم يكن الله أذن له بفراقهم، فجرى عليه ما جرى، كما فصَّلَت سورة الصافات: {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [الصافات:139-148].
وهو يونس بن متَّى عليه السلام، ذهب مغاضبًا قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر، والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار، وظلمات غمرات اليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعليِّ القدير، الذي لا يُرَدُّ ما أنفذه من التقدير، فحينئذ نادى في الظلمات: {لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87].
فهنا يأمره ربُّه بالصبر على ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة، أي: لا تعجلْ، ولا تغاضبْ، فكل شيء له قدره، وله أوانه. وممَّا قدره الله هنا: إمهال قومك، وتأخير نُصرته إيَّاك عليهم.
فنهاه الله هنا عن أن يكون كصاحب الحوت، وهو يونس عليه السلام {إِذْ نَادَى} ربه في بطن الحوت وقد التقمه، بقوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87] {وَهُوَ مَكْظُومٌ}، أي: مملوء غيظًا وغمًّا. أي: أحاطَ به الغضبُ والغمُّ من كلِّ جهة حتى صار كأنّه محبوس فيهما. والجملة حال من ضمير (نادى) وعليها يدور النهي، لا على النداء؛ لأنه أمر مستحسَن. ولذلك لم يُذكَر المنادَى.
أي: لا يكن حالك كحاله حين امتلأ غضبًا على قومه، وضجر من دعوتهم. أي: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة، فتبتلى ببلائه. وقال بعضهم: مكظوم: أي: مملوء غمًّا، وقيل: كربًا. والفرق بينهما: أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: مكظوم: محبوس.
وكلها تدل على ضيق الحالة النفسيَّة، التي كان عليها يونس عليه السلام، كلٌّ يعبر عنها من جهة من الجهات، وما أدَّى إليها، إلا الضجر والعَجَلة. ولهذا قال الله تعالى لخاتم رسله محمد: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف:35].