الصفحات المتخصصة
07 يونيو 2016 , 12:02ص
مصطفى أحمد قنبر
ما إن يذكر النحو العربي إلا ويذكر سفره العظيم الكتاب (قرآن النحو)، وصاحبه الملقب سيبويه، إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز، وقدم البصرة، فلزم شيخه الخليل بن أحمد الفراهيدي، أما عن لقب سيبويه، ومعناه رائحة التفاح؛ فقيل: كانت أمه ترقصه بذلك في صغره، وقيل: كان من يلقاه لا يزال يشم منه رائحة الطيب، فسمي بذلك. وقيل: كان يعتاد شم التفاح. وقيل: لقب بذلك للطافته؛ لأن التفاح من أطيب الفواكه.
سبب طلبه للنحو
روى السيرافي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة شيخ أهل البصرة في العربية يوماً، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدرداء»، فقال سيبويه: «ليس أبوالدرداء»، فقال حماد: لحنت يا سيبويه، فقال: لا جرم؛ لأطلبن علما لا تلحنني فيه أبدا، ثم لزم الخليل.
مكانته
قال الأزهري: كان سيبويه علامة، حسن التصنيف، جالس الخليل وأخذ عنه؛ وما علمت أحدا سمع منه كتابه؛ لأنه احتضر، وقد نظرت في كتابه، فرأيت فيه علما جما.
وكان المبرد يقول لمن أراد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: هل ركبت البحر تعظيماً واستصعابا لما فيه.
وقال بعضهم: كنت عند الخليل، فأقبل سيبويه، فقال: مرحباً بزائر لا يمل؛ قال: وما سمعت الخليل يقولها لغيره.
الكتاب
احتل كتاب سيبويه مكانة مرموقة في الدرس اللغوي، وعكف كثير من العلماء في القديم والحديث على دراسته، وشرحه، والتعليق عليه، وقد وصل عدد المصنفات التي عكف أصحابها على تخصيصها لشرح شواهده الشعرية ثمانية عشر مصنفاً.
وقد بلغ الكتاب مكانة عظيمة جعلت من المؤرخين من يعتبره ثالث ثلاثة كتب لم يعرف التاريخ الآدمي مثلها، قال: «لا يعرف كتاب ألف في علم من العلوم قديمها وحديثها، فاشتمل على جميع ذلك العلم وأحاط بأجزاء ذلك الفن غير ثلاثة كتب: أحدها كتاب المجسطي في علم هيئة الفلك وحركات النجوم، والثاني كتاب أرسطوطاليس في علم صناعة المنطق، والثالث كتاب سيبويه البصري في علم النحو العربي».
مناظرته مع الكسائي
ورد سيبويه بغداد على يحيى البرمكي، فجمع بينه وبين الكسائي للمناظرة، فقال له: كيف تقول: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور؛ فإذا هو هي؛ أو هو إياها؟ فقال سيبويه: فإذا هو هي، ولا يجوز النصب، فقال الكسائي: أخطأت العرب ترفع ذلك وتنصبه؛ وجعل يورد عليه أمثلة؛ من ذلك: خرجت فإذا زيد قائم أو قائما؛ وسيبويه يمنع النصب؛ فقال يحيى: قد اختلفتما، وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟ قال الكسائي: هذه العرب ببابك قد وفدوا عليك؛ وهم فصحاء الناس؛ فاسألهم، فقال يحيى: أنصفت، وأحضروا فسئلوا، فاتبعوا الكسائي، فاستكان سيبويه، وقال: أيها الوزير، سألتك إلا ما أمرتهم أن ينطقوا بذلك؛ فإن ألسنتهم لا تجري عليه؛ وكانوا إنما قالوا: الصواب ما قاله هذا الشيخ؛ فقال الكسائي ليحيى: أصلح الله الوزير، إنه قد وفد إليك من بلده مؤملا؛ فإن رأيت ألا ترده خائبا، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فخرج إلى فارس.
وفاته
ولم تطل مدة سيبويه بعد ذلك؛ ومات بالبيضاء، وقيل: بشيراز، وقيل: غما بالذرب سنة ثمانين ومئة من الهجرة.