

رحلتنا اليوم إلى بستان ثقافي يفوح بروائح مسك العلم، لنقطف منه ثمار المعرفة، حيث نتعمق في كتاب «قطوف في طريق المعرفة» للدكتور الشيخ فيصل بن جاسم آل ثاني الصادر عن دار لوسيل للنشر والتوزيع، و»قطوف في طريق المعرفة» هو عصارة رحلة الكاتب مع المطالعة والثقافة، حيث سبر التاريخ العربي والإنساني، والاحتكاك بالعلماء ومناقشات المفكرين وحوارات مع المثقفين، والوقوف على محطات من النجاح البشري والفقه الحضاري وطبيعة الإنسان الذي تحركه المثل العليا من قيم إنسانية وأخلاقية وروحية، فهذه قطوف فكرية وثقافية، وخلاصة علمية لقراءة مئات الكتب، خطّها الدكتور فيصل آل ثاني في مجموعة من المقالات الهادفة، تحمل في طياتها مادة زاخرة، ونهضوية واعدة، وتاريخية مدروسة، وشرعية نيّرة.
وقد اهتم الدكتور فيصل في منهجه بالكتاب بالأصالة والمعاصرة والنقل والعقل والهوية والانفتاح المتوازن وسلاسة الأسلوب، وعمق الأفكار وعرض المشاكل وحلّها، والتأصيل التاريخي، واحترام اجتهادات البشر مهما كانت خلفيتهم الفكرية طالما أنها ساهمت في الرقي الإنساني.
وركّز الكاتب على سير الشخصيات والقصص الإسلامية والإنسانية، والوقوف مع العبر والتعامل مع السنن وتوضيح صفات القادة وقواعد النجاح.
وأرسل الدكتور فيصل في مقالات كتابه «قطوف في طريق المعرفة» رسائل علمية وفكرية، فمثلاً مقال «استثمار في العباقرة» ركّز فيه على حرص معاوية بن أبي سفيان -بعدما بايعته الأمة- على كسب زياد بن أبيه، الذي رفض مبايعته، وأظهرتُ كيف أقنعه معاوية بالبيعة، ووظفه لصالح مشروعه في بناء الدولة، فقد كان يعلم جيداً عبقريته ومواهبه الجبارة، فقام بتوظيفها واستثمارها للصالح العام، فولّاه العراق التي حكمها وفرض فيها الأمن والاستقرار.
وربط الدكتور فيصل ذلك التفكير الإداري والعمق السياسي في استثمار العباقرة عند معاوية بالعصر الحديث في العالم المتقدم، سواء في إدارة الدول أو الشركات التجارية، في أهمية تقديم أصحاب المواهب والقدرات المتميزة الذين يستطيعون تقديم إضافات عالية في مجالهم، ويرى الدكتور فيصل أن أهم وسيلة لتقديم ذكاء القائد هي النظر إلى الأشخاص الموجودين حوله.
وفي مقال بعنوان «صانع الفرق» سلّط الدكتور فيصل الضوء على مبادرة الصحابي ثابت بن أقرم الأنصاري التي صنعت الفَرقَ في نتيجة معركة مؤتة، فعندما رأى القادة الثلاثة الذين عيّنهم الرسول قد قُتلوا، ورأى أن استمرار المسلمين في القتال بلا قائد -أمام عدو يفوقُهم عُدة وعتاداً بأضعاف- سيؤول يقيناً إلى هلاكهم جميعاً، فبادر بتقديم خالد بن الوليد لقيادة الجيش، فغيّرت تلك المبادرة مجرى التاريخ، وقلبت معادلة المعركة، وأنقذ الله به جيش المسلمين، كما حفظت عبقرية خالد بن الوليد الحربية ومكّنتها من الظهور في معارك الإسلام الكبرى لاحقاً.
وأما «صانعُ الملوك» فتحدث فيه الدكتور فيصل آل ثاني عن قصة من الحضارة الهندية، فهو يُبرز كيف أن الفيلسوف الهندي الكبير «شانيكا» في عام 350 قبل الميلاد، كان حريصاً على العثور على فتى يملك صفات القيادة والزعامة، ولما وجده اهتمّ به، وأصبح فيما بعد ذلك الشابُ الملكَ العظيمَ «شاندرا»، الذي جمع الناس حوله، وكوّن الجيوش، وأقام الدولة، وحرّر بلاده من الاحتلال اليوناني، وبنى دولة مترامية الأطراف، في رسالة لتبيان الاهتمام باكتشاف المواهب والقدرات، والحرص على الحفاظ عليها وتثبيتها، لتحقيق نتائج متميزة على مستوى الأمة ككل.
ثم ربط الكاتب فكرةَ العنوان «صانع الملوك» بشخصية الرسول صلى الله عليه وسلم في صناعة قادة أفذاذ ساهموا في تطوير الحضارة الإنسانية، وتبليغ رسالات الله تعالى للبشرية كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وخالد -رضي الله عنهم- وغيرهم كثير، الذين استطاعوا بعد وفاته أن يحملوا مشعل النور إلى أمم الأرض، وفتحوا القلوب قبل البلاد، ونشروا الهدى والرحمة والعدل بين العباد.
وقد ركّز الدكتور فيصل آل ثاني في المقالات على سير الشخصيات والقصص الإسلامية منها والإنسانية، وهذه منهجية قرآنية نصت عليها آيات الذكر الحكيم، وأشارت إلى أهميتها في استلهام العبر واستخراج الدروس، والوقوف مع العبر، والتعامل مع السنن، وتوضيح صفات القادة وقواعد النجاح، ويرى الدكتور أن التراجم مدارس فكرية وعلمية وإنسانية لكلٍّ حسب تخصصه وإنجازه. وقال الدكتور فيصل في كتابه: إن طبيعة الإنسان لها ميل داخلي للاستماع إلى القصص، وتُلبي فضوله وأشواقه المعرفية والثقافية، وإن الاهتمام بدراسة تراجم الرجال في تاريخ الأمم والشعوب هو بمثابة المرآة الصادقة في تحديد مركز ذلك الشعب وقيادته، أو تلك الأمة ومفكريها ومرجعياتها، من حيث النهوض والخمود والتدهور والانهيار، أو اليقظة والازدهار والنمو، ففي تراجم الأبطال والعباقرة والعلماء والساسة مخزون هائل من القيم والقوانين الإنسانية والثقافية والحضارية للأجيال، ترسم لها مسارات واعدة لتحقيق أهدافها النبيلة.