

تطابق في الروحانيات واختلاف في العادات بين قطر والبوسنة والهرسك
أحببنا العادات الرمضانية القطرية.. وأولادنا ينتظرون «القرنقعوه» كل سنة
الحلوى والبقلاوة سيدا الأطباق البوسنية الرمضانية
البوسنيون يستقبلون رمضان بطلاء جدران البيوت استعداداً للاجتماعات العائلية
يرتبط شهر رمضان بشكل خاص بالعادات والعبادات، فهو الشهر الذي تبدأ الشعوب المسلمة التحضير له والتجهيز قبل قدومه بفترة قد تصل لأشهر، حيث تحافظ الشعوب المسلمة على موروثاتها في التعبير عن البهجة في استقبال الشهر الفضيل، تتوارثها عبر الأجيال، وتضمحل بعضها في أماكن أخرى أو تندثر بعضها بالكلية، ولكن في النهاية تمثل جميعها عادات وتقاليد رمضانية أصيلة.
الشعب البوسني الذي يدين نصفه بالإسلام له تقاليده الخاصة بهذا الشهر، التي يمارسها حتى في بلاد الاغتراب، «العرب» التقت إحدى العائلات البوسنية في الدوحة، وكان لنا مع أفرادها هذا الحوار حول رمضان وعاداته وتقاليده.
وحيد سولجيك ربّ الأسرة يعمل في شبكة الجزيرة، يمضي رمضانه في قطر بعيداً عن الأهل والأصدقاء والوطن، ما زال يحافظ على نفس الطقوس الرمضانية التي تعود عليها في وطنه، عن مظاهر رمضان في البوسنة يقول وحيد: لا تختلف أجواء شهر رمضان في البوسنة والهرسك خلال النهار اختلافاً كبيراً عن الأشهر الأخرى، حيث تستمر المتاجر والمقاهي والمطاعم في العمل في رمضان كما هو الحال في الأيام الأخرى من العام وتخدم عملاءها، ولكن خلال رمضان تهيمن البيئة الروحية على البلاد، ووفقاً للتقليد السائد في البوسنة والهرسك، من المعتاد تنظيم الحلقات القرآنية في المساجد خلال شهر رمضان، وفي هذه البرامج يقوم شخص أو أكثر بتلاوة القرآن الكريم «عادة هم حفاظ القرآن الكريم»، والبعض الآخر يستمعون إليه بعناية، وهذه الحلقات القرآنية تبدأ في بعض المساجد قبل ثلاثة أيام من شهر رمضان حتى ينتهي ليلة 27 رمضان «ليلة القدر».
شهر مهيب لمسلمي البوسنة
إلى ذلك يضيف وحيد: رمضان في البوسنة والهرسك هو شهر مهيب لمسلمي الدولة الذين يصومون، وهو أيضاً شهر عمل وإنجاز، وقد يختلف في الحركة الدؤوبة والنشاط المستمر الذي لا يتوقف عن رمضان في قطر، الذي يتسم بالهدوء والسكينة، وفي البوسنة نجتمع أثناء الإفطار مع العائلة والضيوف المدعوين إلى الإفطار، ومن المهم أن نلاحظ أن أصحاب الديانات الأخرى التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من البوسنة والهرسك تشيد بالاحترام خلال شهر رمضان وغالباً ما يكونون ضيوفاً على موائد الإفطار.
وأضاف سولجيك: أن شهر رمضان المبارك هو فرصة فريدة لإثبات أهمية العمل الخيري وفوائده للمجتمع، حيث تعود المشاركة هو وأطفاله في أعمال تطوعية وخيرية خلال هذا الشهر.
ورغم أن سولجيك لا يرى اختلافات كبيرة في الطقوس البوسنية الرمضانية عن شقيقاتها من الدول الإسلامية، خصوصاً فيما يتعلق بالروحانيات، فإنه ذكر لنا بعض مميزات الشهر في وطنه، والتي يحافظ عليها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، إذ يسبق رمضان تحضيرات بيتية كثيرة كطلاء الجدران الجديد، وتنظيف البيت وترتيبه على نحو خاص، استعداداً للاجتماعات العائلية التي عادة ما تكون عند الوالدين أو الأخ الأكبر في أول يوم رمضاني، وتكون المساجد مميزة وخاصة، حيث تنار الأضواء ويرتفع العلم الإسلامي الأخضر على مآذنها، كما يجدد معظم سجّاد المساجد استعداداً لرمضان.
رائحة تخرج من كل البيوت
وعن أطباق رمضان التي تجتمع حولها الأسرة البوسنية، أوضح وحيد أن المتجول في الشوارع قبل رمضان قد يشم نفس الرائحة التي تخرج من كل البيوت، والتي تكون نتاج تحضير الأمهات للحلوى التي تزين جميع الموائد خلال هذا الشهر، ويضيف: ومن بين ما يميز المطبخ البوسني خلال الشهر الكريم كذلك هو خبز السامول حيث «تشوي السيدات المسنات هذا الخبز الذي يضعن فيه حبة البركة كي يبارك به الله، كما أن أناساً كثيرين يشترونه من المخابز المشهورة هناك».
ويتابع: بالإضافة لخبز السامول فهناك الشراب «الشربة»، الذي يصنع منزلياً من الورد أو الخوخ أو العنب، والذي لا يمكن كذلك الاستغناء عنه على مائدة الإفطار البوسنية.
ويشير وحيد إلى جلوس العائلة حول طاولة خشبية دائرية منخفضة لتناول إفطارهم الذي يبدؤونه بالتمر، الذي يستعاض عنه في بعض المرات بالعسل، وينوه بأن أشهر شوربة بوسنية في رمضان هي شوربة «البيجوات»، التي يتلوها طبق المعجنات «البورك» والتي تحشى بالكوسا أو اللحم أو الجبن أو البطاطا، والطبق الرئيسي الأشهر في رمضان هو طبق المحاشي الذي يتصدره محشي البصل والفلفل.
وعن حلويات رمضان يتحدث عن «الكدايف» الذي يصنع من عجينة «تشبه عجينة الكنافة المضاف إليها الجوز والقطر»، وكذلك حلوى «هورماتشي» المصنوعة من الجوز وجوز الهند، كما أن الخشاف «الهوشاف» الذي يصنع من الفواكه المجففة وخصوصاً الخوخ والتفاح والكرز البوسني يعد من أبرز ملامح السفرة الرمضانية البوسنية بحسبه.
مكانة خاصة للقهوة
ويضيف وحيد أن للقهوة «طقوساً بوسنية خاصة، لا سيما في رمضان»، حيث يشرب كل فرد من الشعب البوسني من خمسة إلى عشرة فناجين قهوة يومياً، بعد أن يؤتى بالقهوة خضراء، ومن ثم تحمص وتطحن منزلياً، وتعد «بينما الضيوف والمستضيفين يتسامرون، ثم يوضع لكل شخص إناء قهوته الخاص من غير سكر، بل توضع مكعبات السكر في الوسط، ثم يضع كل شخص قطعة السكر بين أسنانه ويشرب عليها القهوة مع الحليب والقيمر».
يتابع وحيد: يتوجه المصلون لصلاة العشاء والتراويح «رجالاً ونساء وفتية وفتيات، ليصلوا ما مجموعه ثلاث وثلاثون ركعة بين عشاء وسنن وتراويح»، ليعقب ذلك زيارات لبيوت الأقارب والجيران والأصدقاء، وتناول الحلوى معهم والسهر برفقتهم لما يقارب الساعتين.
ويشير إلى أن لشيخ المسجد «مكانة وقدسية خاصة، حيث يتناوب أهالي الحي على تفطيره لديهم كل يوم»، مردفاً: «يذهب شيخ المسجد أول يوم إلى بيت كبير الحيّ، ويقدم له خير ما في المنزل من لحوم وحلويات وعصائر، كما يزوّد قبل مغادرته بوجبة السحور»، ويسعى كل مسجد بوسني لـ «إعداد موائد رمضانية للفقراء والمساكين، بالإضافة لإرسال الأسر أطباق إفطار يومية للمساجد».
دعوة حافظي القرآن
وخلال شهر رمضان المبارك من كل عام، تتم يومياً قراءة جزء من القرآن في مسجد «غازي خسروبيك» في سراييفو، حيث تتم دعوة حافظي القرآن كاملاً من بلدان مختلفة إلى هذه المحافل، والمشاركون من البوسنة موجودون أيضاً، وفي كل يوم بعد انتهاء صلاة الظهر تتم قراءة جزء من القرآن، ويقرأ كل حافظ للقرآن صفحتين من القرآن، وعادة ما يشارك 10 حفاظ في الختمة القرآنية.
يوضح وحيد أن الشعب البوسني يعد حلوى العيد من منتصف رمضان، لتوزع على بيوت الجيران والأقارب ليلة القدر، التي يقضون جلّها في المساجد كما في باقي الليالي العشر الأواخر، وتتكون هذه الحلوى التي يطلق عليها اسم «بكلاوة» من «رقائق عجين محشوة بالجوز البوسني ومشربة بالقطر ومقطعة بحجم أكبر وأطرى من البقلاوة الشامية والإيرانية والتركية»، بحسبه.
ويشير إلى عادة يتبعها معظم البوسنيين وهي العودة إلى البوسنة في شهر رمضان والعيد، لتمضيته بين الأهل، لكن في زمن كورونا أصبح السفر صعباً إن لم يكن مستحيلاً، وهو ما يفرض على الجالية البوسنية التأقلم مع بلاد الغربة، لكن يذكر وحيد أن تواجده في دولة عربية إسلامية خفف عنه وعن عائلته الإحساس بالغربة، وجعل الأمور أكثر سهولة وسلاسة، وأنه وعائلته تبنوا العديد من العادات القطرية التي يمارسونها بكل حب مثل ليلة القرنقعوه التي ينتظرها أبناؤه كل سنة.
الزهور البيضاء يوم العيد
وعن يوم العيد في بلاده، يقول وحيد: «تزدان البيوت ومنابر المساجد بالزهور البيضاء، وتقام صلاة العيد صباحاً والتي يحضرها مسلمو البوسنة على اختلاف أعمارهم، كما توزع «البكلاوة» والحلويات والقهوة، وكذلك العيديات التي تعطى غالباً للأطفال وزوجات الأبناء».
ويضيف: «ثم يتوجه المصلون إلى المقابر، ويهمّون بعدها بتبادل الزيارات التي تمتد طوال أيام العيد».