الإثنين 30 صفر / 26 سبتمبر 2022
 / 
11:30 م بتوقيت الدوحة

الفاتحة تعلمنا أن ندخل الحياة من جانبها المشرق الوضَّاء

الثلاثاء 07 مايو 2019
تنفرد «» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
ما تضمنته البسملة من أسماء الله الحسنى
اشتملت البسملة على ثلاثة أسماء لله عز وجل. الاسم الأول هو لفظ الجلالة (الله)، وهو عَلَم على الذات الإلهية، غير مشتق على الصحيح، وهو المتَّصف بكل كمال، المنزَّه عن كل نقص: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}، [طه: 8].
والاسم الثاني هو اسم (الرحمن)، وهو أيضاً علم على الذات الإلهية، ولكنه مشتق من الرحمة، وهو أبلغ من (الرحيم)، وهو يعامل معاملة لفظ الجلالة، في إيقاعه مبتدأ يخبر عنه، أو يدعى كما يدعى الله،
والاسم الثالث اسم (الرحيم)، وهو مع الرحمن يعنيان أنه تعالى صاحب الرحمة الواسعة، التي وصفت بأنها {وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}، [الأعراف: 156]، وقال بعضهم: الرحمن من وسعت رحمته كل شيء، والرحيم من دامت رحمته. والرحمة عند الإنسان انفعال وجداني أو رقة في القلب، تؤدِّي إلى العطف على الآخرين، والإحسان إليهم، وإيصال الخير اليهم، وإزالة الضرر عنهم، ولكنها بالنسبة إلى الله تعالى ليست انفعالاً ولا رقة قلب، بل صفة ذاتية لائقة به تعالى، بها يعطف على عباده، وينعم عليهم بسائر نعمه، جليلها ودقيقها.
ومن حقها أن تكون صفة كسائر صفات المعاني التي أثبتها الأشاعرة، مثل: القدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، فكما أن له تعالى صفة تسمى: الحياة أو السمع، ليست كحياة البشر، أو سمعهم، كذلك له صفة تسمى الرحمة، ليست كرحمة البشر.
{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، [الفاتحة: 2]. بعد البسملة نبتدئ هذه السورة التي أيضاً سميت سورة الحمد، لأنها بالحمد لله، و(الحمد) مقابل الذم، وهو الثناء الحسن الجميل على الله تعالى بما هو أهله، بصفات الجمال والجلال والكمال، كما يحمد على ما أسبغ من نعمة ظاهرة وباطنة، فهو حينئذ ثناء يتضمَّن معنى الشكر، ولهذا كثيراً ما يُذكر بعد النعم، كما في حمد أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ}، [إبراهيم: 39].
وقد افتتح الله في القرآن خمس سور من سوره المكية بالحمد لله، هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. و(الحمد) يتضمَّن المدح ويتضمن الشكر معاً، فنحمد الله على نعمائه، ندخل من هذا باب الحياة المُشرِق.. باب الشعور بنعمة الله تبارك وتعالى، وما أكثر نعمَ الله تعالى علينا! {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}، [النحل: 18].
وبهذا يعلمنا القرآن وتعلمنا فاتحة الكتاب أن ندخل الحياة من جانبها المشرق الوضَّاء، وألا ننظر إلى الأمور بمنظار أسود قاتم، وأن ننظر إلى نعم الله تعالى عندنا فنحمد دائماً، ونقول: الحمد لله.. الحمد لله.. {اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، هكذا يقول الإنسان المسلم بلسانه معبِّراً عما في قلبه، معترفاً بنعمة الله تعالى عليه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}، [النحل: 53].
هناك أناس دائماً يقولون: ينقصنا كذا وكذا، ولا يقولون: عندنا كذا وكذا! ولكن القرآن يعلمنا أن نحمد الله تبارك وتعالى، الحمد الله، كان النبي صلَّى الله عليه وسلم إذا أصاب ما يحب قال: «الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا أصابه ما يكره قال: «الحمد الله على كل حال». ومن هنا أُمرنا إذا ختمنا أعمالنا أن نقول: الحمد الله، وإذا أكلنا وشبعنا نقول: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»، وإذا شربنا الماء العذب نقول: «الحمد لله الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أجاجاً بذنوبنا»، وإذا استيقظنا من النوم نقول: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور».
وبعد قضاء الضرورة البشرية والخروج من الخلاء، نقول: «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني»، وإذا رأينا مبتلًى في جسمه أو حواسه نقول: «الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه».

_
_
  • العشاء

    6:56 م
...