أكدوا تميزها بالتكامل بين العقل والنقل.. مشاركون بندوة الأمة الثانية: «معرفة الوحي» أصل الإنتاج المعرفي بالحضارة الإسلامية

alarab
أكدوا تميزها بالتكامل بين العقل والنقل.. مشاركون بندوة الأمة الثانية: «معرفة الوحي» أصل الإنتاج المعرفي بالحضارة الإسلامية
محليات 07 يناير 2026 , 11:25م
الدوحة_العرب

نظّمت إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الندوة الثانية ضمن سلسلة «ندوة الأمة» في موسمها الرابع، والتي تُعقد هذا العام تحت شعار: «معرفة الوحي»، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، في إطار جهود الوزارة لترسيخ الوعي الفكري وتعزيز المنطلقات المعرفية للحضارة الإسلامية.
وشارك في الندوة كل من الدكتور محمد عبد الله الساعي، الأستاذ المساعد بكلية الشريعة، والأستاذ الدكتور عبد الله الخطيب، أستاذ التفسير وعلوم القرآن، والدكتور عبد السلام أحمد أبو سمحة، أستاذ الحديث.
تناولت محاور الندوة مفهوم الحضارة الإسلامية بوصفها ثمرة أصيلة لمعرفة الوحي، وأساساً راسخاً للإنتاج المعرفي في تاريخ الأمة الإسلامية وحاضرها ومستقبلها.
وأكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، أن الندوة تسلط الضوء على «معرفة الوحي» باعتبارها أصل الإنتاج المعرفي في الحضارة الإسلامية، مشيراً إلى أن هذا الإنتاج لم يكن وليد العقل المجرد أو التجربة الإنسانية المنفصلة، بل استمد هدايته وتوجيهه من الوحي، الأمر الذي أسهم في توجيه العقل لفهم النقل، واستمرار العطاء العلمي والفكري عبر الأجيال.
وأوضح أن الحضارة الإسلامية تميّزت بتنوّع عطائها وثراء منجزها المعرفي؛ نتيجة هذا التفاعل المنضبط بين الوحي والعقل، مؤكداً أن الندوة تسعى إلى إبراز أهمية هذا الإنتاج الحضاري، وبيان سبل إحيائه في واقع الأمة المعاصر، بما يعزز حضورها الفكري والمعرفي في مواجهة التحديات الراهنة.

التفاعل بين الوحي والعقل 
وتناول الدكتور محمد عبد الله الساعي، في المحور الأول من الندوة، موضوع «التفاعل المعرفي في الحضارة الإسلامية: أصول وجذور»، مسلطاً الضوء على الأسس النظرية والمنهجية التي قام عليها الإنتاج المعرفي في الحضارة الإسلامية، ومؤكداً على مركزية الوحي ودوره في توجيه العقل وضبط الرؤية المعرفية للأمة.
وأكد أن أي قراءة منصفة لتاريخ الحضارة الإسلامية تكشف أن منطلقها المعرفي لم يكن قائماً على التعارض بين العقل والنقل، بل على التكامل والتفاعل بينهما، انطلاقاً من مصدر واحد هو الوحي الإلهي، الذي وجّه العقل الإنساني إلى آفاق الفهم، وهداه إلى قراءة الكون والإنسان والحياة قراءة واعية ومنضبطة.
وتناول الدكتور الساعي أصول الإنتاج المعرفي من خلال ثلاثة مسارات رئيسة، هي: تكامل معارف الوحي ومدارك العقل، وهداية الوحي للعقل في قراءة الكون، والتفاعل بين الوحي والعقل بوصفه الأساس الذي قامت عليه النهضة العلمية في الحضارة الإسلامية.
وفي هذا السياق، تطرق إلى مفهوم الدليل النقلي والدليل العقلي، موضحاً أن الوحي بشقيه القرآن والسنة يمثل المصدر الأعلى للمعرفة والهداية، فيما يُعد العقل أداة للفهم والاستنباط والتنزيل، مؤكداً أن العلاقة بينهما علاقة تكامل وظيفي.
كما قدم نماذج تطبيقية للعمل العقلي النقلي في العلوم الإسلامية، وعلى رأسها علم أصول الفقه، مبيناً كيف أسس هذا العلم لمنهجية علمية دقيقة في التعامل مع النصوص الشرعية، واستنباط الأحكام، وممارسة الاستدلال العقلي المنضبط.
وأشار الدكتور الساعي إلى منهجية التعامل مع النص الشرعي من حيث التوثيق والفهم والتنزيل، مشيراً إلى أن الأصوليين قدموا نموذجاً علمياً رصيناً يجمع بين الدقة والمرونة، ويحقق مقاصد الشريعة مع مراعاة متغيرات الواقع.

إعمال العقل في فهم الوحي 
وفي المحور الثاني، تناول الأستاذ الدكتور عبد الله الخطيب موضوع «الإنتاج المعرفي في الحضارة الإسلامية.. سنن استمرارية العطاء»، مركزًا على الأسس التي حفظت للحضارة الإسلامية قدرتها على التجدد والاستمرار عبر العصور.
وأكد أن معرفة الوحي تمثل الأصل الراسخ للإنتاج المعرفي في الحضارة الإسلامية، مستشهداً بأول ما نزل من القرآن الكريم في قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، موضحاً أن هذا الأمر الإلهي أسس لمنهج حضاري متكامل، جمع بين قراءة الوحي المتلو وقراءة الكون المنظور. واستعرض د. الخطيب سنن استمرارية العطاء المعرفي، وفي مقدمتها: إعمال العقل في فهم الوحي، وإعداد مرجعية علمية راسخة من المتخصصين، وتوجيه العقل للإبداع في إطار هدايات الوحي، محذراً من آثار الفصل بين العلوم الشرعية والعلوم الكونية، وما يترتب عليه من خلل فكري وتربوي.
رؤية مستقبلية لإعادة إنتاج المعرفة
وفي المحور الثالث، ناقش الدكتور عبد السلام أحمد أبو سمحة موضوع «التفاعل المنهجي بين معارف الوحي ومدارك العقل: رؤية مستقبلية في آفاق الممكن المعرفي»، متناولاً مفهوم الممكن المعرفي وضوابطه الشرعية والمنهجية.
وعرّف الممكن المعرفي بأنه كل ما يمكن للعقل تصوره وإدراكه من حيث الإمكان، مبيناً أن الممكن ينقسم إلى ممكن عقلي، وممكن عادي، وممكن شرعي، في مقابل مستحيلات معرفية يغلق الشرع والعقل باب البحث فيها.
وأكد أن التفاعل المنهجي المنضبط بين الوحي والعقل هو الضامن لسلامة البناء المعرفي، محذراً من الطروحات المعاصرة التي تخلط بين مجالات الوحي والعقل، أو تخضع الغيب لمعايير الإمكان العقلي المجرد، لما في ذلك من انحرافات فكرية وتيه معرفي.
واختتم بالتأكيد على أن تسارع المستجدات المعرفية، وتنامي تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعقيدات الواقع الإنساني المعاصر، تفرض ضرورة إعادة النظر في أنماط إنتاج المعرفة، وتجديد مناهج العلوم الشرعية صياغةً وعرضاً، بما يمكنها من الإسهام في بناء معرفة إنسانية أكثر اتزاناً وأمناً.