الانسحاب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب عموم البلاء

alarab
قطر اليوم 07 يناير 2012 , 12:00ص
الدوحة – عامر غرايبة
قال الداعية الشيخ محمد الحسن بن الددو إن الانسحاب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب عموم البلاء ودمار الأمم وكثرة القتل، وهو أهم شعائر دين الإسلام العظيمة. وبين في خطبة الجمعة بجامع محمد بن عبدالوهاب، أن هذه الشعيرة يتم بها التكامل بين البشر، وهي سبب لرفع البلاء عن الناس، وأسلوب لتغيير حياة الناس للأفضل، والتوقف عنها هو سبب لعدم استجابة الدعاء، وإذا لم يؤخذ على يد الظالم فإن الهلاك عام ومؤكد. وأكد ابن الددو أن التفاوت بين أجسام الناس في الدنيا ما بين ضخم وصغير وغني وفقير وصحيح ومعتل.. تقسيمات دنيوية زائلة لا تدوم، ويظن بعض الناس أن تقسيمات الدنيا دائمة، وهم لا يعرفون أنهم عما قريب راحلون وأنهم بين يدي ربهم سيقفون، فها هم عندما يتوفون ينزلون في قبور متشابهة، كلهم أكلت أجسامهم الأرض، وهناك في الآخرة لا ينقسم الناس إلا على قسمين: شقي وسعيد، فقد قال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ). ودعا الناس إلى التهيؤ لهذا اللقاء حيث تكون النفس مطمئنة أو خبيثة ولكل مصير محتوم، مشيراً إلى قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ). البشر يتكاملون بالأمر بالمعروف وبين ابن الددو أن من شعائر دين الإسلام العظيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال تعالى في سورة آل عمران: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، مبينا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتم به التكامل بين البشر، ويجب أن تقوم فئة من الناس بهذه الشعيرة، فالآمر بالمعروف يقوم بواجبه في التذكير بعمل الطاعات التي تقرب من الله وترك المنكرات والمعاصي حتى لا يهلك الله البلدة كاملة إن قصر أهلها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد تحدث الله عز وجل عن القرية التي كانت حاضرة البحر ويعيش أهلها من بني إسرائيل على صيد الأسماك، وكان الله قد منعهم من العمل يوم السبت، فكانت الأسماك تتكاثر في هذا اليوم، فقام أهل المدينة بعملية احتيال بنصب شباك الصيد قبل يوم السبت والعودة يوم الأحد لالتقاط ما صادته شباكهم يوم السبت، ولم يقم أهل الخير والصلاح بنهيهم عن هذا العمل وقصروا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأهلكهم الله جميعا.. قال تعالى: (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [الأعراف]. وقال سبحانه: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ* فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة]. سبب لرفع البلاء وأوضح بن الددو أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب لرفع البلاء، فالأمر بالمعروف من أعظم أسباب دفع العقوبات عن الأمة، وكيف لا يكون كذلك وهو سبب رفعتها وخيريتها، فإذا ادلهمت الخطوب وخيف من نزول العقوبات الربانية فإن من أعظم أسباب رفع العقوبات والنجاة وقتها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول جل وعلا: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف]، وقال صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ)، وقال صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) رواه البخاري. فيا أيها المسلمون، إذا أردنا النجاة والنصر والفوز لنحيي هذه الشعيرة في حياتنا حتى ننجو جميعا في بيوتنا وأعمالنا وأسواقنا، فلنقف صفاً واحداً ضد من يريد خرق السفينة، لنقف مع الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر عل الله أن يرحمنا ويرفع عنا مقته وغضبه. خمس موبقات وتطرق الشيخ ابن الددو لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا معشر المهاجرين، أعيذكم بالله أن تدركوا خمساً: فما ظهرت الفاحشة في قوم فأعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن فيمن مضوا من أسلافهم، ولا نقض قوم عهد الله وميثاقه إلا سلَّط عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وعسف السلطان ونقص المؤونة، ولا منع قوم زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا، وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم". ونوه إلى أن من حقوق الطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ". وأكد ابن الددو أن سكان كل مدينة أو قرية أو دولة هم كركاب السفينة، إن سمحوا لبعضهم بتخريبها أو إحداث الضرر فيها غرقوا جميعا، ونوه إلى قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ* وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ* فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، مشيراً إلى أن الإذاقة للجوع والخوف في القرآن الكريم بمعنى ملازمة الخوف وشموله. مانع لقبول الدعاء واعتبر ولد الددو الانسحاب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لعدم استجابة الدعاء، وها هي المصائب تكثر على الأمة ويدعو الناس في الليل والنهار، ولكن الله قد جعل حاجزا لا يمكن أن يخرق إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد روي أن أبا بكر رضي الله عنه قرأ هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة 105]، ثم قال: إن الناس يضعون هذه الآية على غير موضعها، ألا وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ، وَالْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، عَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِقَابِهِ"، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد السفيه ولتأطرنه على الحق أطرا..).. هذا الحديث يدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتأكده، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتأمرن، وهذه الجملة جواب لقسم مقدر تقديره: والله لتأمرن وهو خبر بمعنى الأمر والإلزام، وهذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وفي سندهما مقال، لأن فيه إرسالا وانقطاعا، وتكملة الحديث هو أنه أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يمر بالرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، قال الله تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ* تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ* وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا)، ومعنى لتأطرنه على الحق أطرا أي تقهرنّه، أي تقهرونه وتلزمونه بالحق حتى يستقيم، وذلك لأنه إذا لم يستقم فإنه يكون الهلاك له ولمن سكت على منكره.