فوز الإسلاميين في الانتخابات نجاح للحق والخير والعدل
قطر اليوم
07 يناير 2012 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبره
طمأن العلامة د. يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, الشعوب العربية التي حقق الإٍسلاميون فيها فوزا في الانتخابات التشريعية بأن «الفائزين سيكونون للأمة». واعتبر «فوز الإسلاميين نجاحا للحق والخير والعدل, وكل ما فيه برا وقسطا للأمة».
وشهد للإسلاميين الذين انتصروا في الانتخابات المصرية من الإخوان والسلفيين بأنهم «يتحدثون حديث العقلاء، ويعلمون أنهم في أمة ولا يريدون أن يأخذوا الناس بالعصا والقسوة».
وأشار إلى أنهم يدركون أن الناس لحم ودم وقلوب وعقول يريدون أن يقادوا من عقولهم.
مؤكدا أن المسلم الحق يعتقد أنه «مبعوث الله لإحياء الأمة من موتها، بالإيمان والأخلاق والمعاملة الحسنة».
وذكر في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع عمر بن الخطاب أن «الإسلام تسامح وتساهل ويسر ليس فيه إجحاف للناس».
وهنأ العرب والمسلمين بنجاح الإسلاميين, متمنيا الخير للشعب المصري بفوز الإسلاميين في الانتخابات التشريعية.
وذكر أن الإسلاميين أصبحوا الأغلبية بحمد الله، ولم يستطع من حاول وفعل أن يحرف الأمة عن حقيقتها.
وقال: «نحمد الله تبارك وتعالى على أن أمتنا لا تزال بخير، ولا يزال الإسلام هو المرجع والمرجح الأول فيها».
رسالة لغير المسلمين
ووجه رسالة اطمئنان لغير المسلمين قائلا: «أمتنا تفتح أيديها وأذرعها للآخرين، تريد أن تتعامل مع الجميع ولا ترفض أحدا».
وخاطب أقباط مصر بقوله: «نحن منكم وأنتم منا، لكم ما لنا وعليكم ما علينا، إلا ما اقتضاه الخلاف في الدين».
وشدد على ضرورة تعايش الأمة بعضها مع بعض, مستشهدا بقول الله عز وجل: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) [سورة الممتحنة آية: 8] وعاب على بعض الناس الذين ظنوا أن الأمة انتهت وغلبت فيها «اللادينية والعلمانية وأكلت أهلها».
وأكد أن الأمة ستظل أبد الدهر مستمسكة بإسلامها وقرآنها ونبيها، لا تحيد عن كتاب الله وسنة رسول الله.
وأقر بأن الأمة قد تعصي الله في جزئيات مختلفة, مؤكدا أن الإسلام سيظل ممسكا بالأمة.
وأشار إلى «الانحرافات والتجاوزات والمظالم والمآثم والكبائر والموبقات التي حدثت في مسيرة الأمة وحاولت أن تسلخها عن جلدها وأن تخرجها عن جوهرها وأن تحرف مسيرتها, ولكن أبى الله ذلك وأبقى الأمة على دينها».
سوريا و6 آلاف شهيد
وعلق الشيخ القرضاوي في الخطبة على الأحداث الجارية في سوريا منذ عشرة أشهر.
وأشاد بما بذله الشعب السوري من أرواحه ودمائه ورجاله ونسائه وشيوخه وأطفاله، مشيراً إلى أن تضحيات السوريين تجاوزت أكثر من ستة آلاف قتيل. كما أشاد بسلمية الثورة السورية التي لم ترفع سلاحا ولم ترم قنبلة.
ودعا السوريين لمظاهرات حية سلمية لا تضرب أحدا ولا تعتدي على أحد في كل المدن السورية.
وطالب وفد الجامعة العربية أن يسجل سلمية المتظاهرين السورين الذين لا يحملون سلاحا إلا ألسنتهم التي تدعو إلى إسقاط النظام.
وجدد التأكيد على أن من حق السوريين أن يرفضوا حكما لا يرضونه, مبينا أنه «لا يجوز فرض حاكم بعينة على شعب, ومن حق الشعوب أن ترفض أو تختار الحكام الذين يحكمونها».
واستنكر أن يظل بشار الأسد وأبوه يحكمان سوريا خمسين سنة. مشيراً إلى أن زمن الأسر التي تحكم البلاد الجمهورية انتهى، ولا مكان لها, ولا بد أن ترحل.
وطالب بنصرة الشعب السوري الذي «أصبح يجوع ولا يجد قوت يومه بعد مظاهرات استمرت أكثر من 10 أشهر»
ونبه إلى حاجة السوريين للمأكل والسلاح.
وحيا المنشقين من الجيش السوري, وطالب «الضباط والجنود الأحرار الأبطال المخلصين في الجيش السوري بألا يكونوا عبيدا لبشار, وأن يكونوا شجعانا, ويتخلوا عن الجيش الظالم».
قتل الشعب حرام
وقال لهم: «حرام عليهم أن تطلقوا رصاصة واحدة على إخوانكم من الشعب السوري». ووجه إليهم رسالة مباشرة قال فيها: «حرام عليكم أيها الضباط والجنود أن تطلقوا الرصاص على أهليكم وإخوانكم وأقاربكم, وأطلقوه على الظالمين».
ودعاهم بالآلاف أن يتركوا جيش بشار, وأن ينضموا للجيش الحر. وقال لهم: «اتركوا جيش بشار وانضموا للجيش الحر واسندوا ظهره وبذلك تنتصر سوريا».
يا شباب سوريا, ويا ضباط الجيش وجنوده, أناديكم من فوق منبري, وأقسم أنني لا أريد إلا وجه الله, ولا أريد إلا الخير للشعب السوري.
وقال: «من أراد الفردوس الأعلى في الجنة، ومن أراد أن يحبه شعبه، ومن أراد أن ينتصر قومه وتنتصر أمته، فليذهب إلى الجيش الحر». مشيراً إلى أن الله سيؤيدهم بنصره ومدده، وستنتصر سوريا العزيزة الحبيبة.
التقوى
وتحدث الشيخ القرضاوي عن «التقوى» باعتبارها إحدى القيم والمثل العليا التي جاء بها القرآن, ووصف التقوى بأنها «نعمة» من أعظم ما جاء به الإسلام ليسعد الناس في دنياهم وأخراهم.
وعدد الآيات القرآنية التي تدعو وتحث المسلمين على التقوى, ومنها قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [سورة آل عمران آية: 102].
وأوضح أن حق التقوى أن تذكر الله عز وجل فلا تنساه, وأن تشكره ولا تكفره، وأن تطيعه فلا تعصيه، وأن تلتزم بمنهاجه ولا تحيد عنه. وأشار إلى أن كل أبواب السعادة في الدنيا والآخرة مربوطة بالتقوى. ووصف التقوى في الشرع بأنها كالوقاية في الطب, بأن يبتعد الإنسان عن مسببات الأمراض فيحافظ على صحته.
وذكر أن من التقوى أن تبتعد عن كل ما يؤدي لعصيان الله والوقوع في الخطيئة، وتبتعد عن الشيطان وأتباعه, وعن كل ما يغري بالمعصية. وأوضح أنه مما يعين على التقوى تذكر جلال الله كلما اقترب الإنسان من المعصية، والإحساس بأنه سبحانه يسمع السر وأخفى.
وحث على الاستعاذة بالله من الشرور والمعاصي باللجوء إلى الله والاستعانة به على اتقاء شرورها.
العلم طريق التقوى
ونبه إلى أن العلم والفقه بالدين ضروريان للوصول للتقوى, مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» موضحا أن من لا يعرف المعاصي يرتكبها وهو لا يدري ويفعل أشياء يظنها عادية وهي من المحرمات.
وضرب مثلا على ذلك بالرجال الذين يلبسون قلادات في أعناقهم, مبينا أنها حرام, حيث لا يجوز للرجل أن يلبسها للزينة, أو تقليدا للنساء, أو اعتقادا بأنها تحمي من الحسد والشر.
وقال: «إذا كانت القلادة التي يلبسها الرجل في رقبته أو في معصم يده من فضة أو ذهب فهي حرام، وإذا كان يلبسها تشبها بالنساء أو بغير المسلمين فهي مصيبة وإثم أكبر».
وخلص إلى أن المسلم لن يعرف تلك الحرمة إلا إذا تفقَّه في الدين, وتعلَّم الفرق بين الحلال والحرام.
وشدد الشيخ القرضاوي على ضرورة التزود للآخرة بالأعمال الصالحة والبعد عن المعاصي. وقال: «إذا تساهل الناس في زاد الدنيا فلا ينبغي أن يتساهلوا في زاد الآخرة». وأوضح أن التزود للآخرة لا غنى عنه لأي إنسان, حيث لا ينفع فيه أحدٌ أحداً.
ووصف يوم الحساب بأنه «يوم الأنانية المطلقة» فكل واحد يقول نفسي نفسي، وأعز الناس إليك لن يعطيك حسنة واحدة لأنه في أشد الحاجة إليها.
تقوى القلوب
ولفت فضيلته إلى أن التقوى الحقيقية هي تقوى القلوب, مستشهدا بقول الله عز وجل: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) [سورة الحج آية: 32].
وأشار إلى أن التقوى عمل قلبي, بدليل أن النبي أشار إلى قلبه وقال: «التقوى هاهنا».
وشدد الشيخ القرضاوي على أن «التقوى ليست لحيتك الطويلة أو عمتك المُكَّورة أو ثوبك القصير» وإنما هي أن تخشى الله وتخافه في كل أمورك.
وذكر أن الله عز وجل لا ينظر لصور الناس وأشكالهم وهيئاتهم, وإنما ينظر إلى ما في قلوبهم, مستدلا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم, ولكن ينظر إلى قلوبكم» وقول إبراهيم عليه السلام: « وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ» [سورة الشعراء آية: 87-89].
ولفت إلى أن القلب السليم من الكفر والشرك وكبائر الإثم وحب الدنيا وحب المال والحسد والبغضاء هو الذي ينجي الإنسان في الآخرة. ونصح بتطهير القلوب من المعاصي والأحقاد والحسد والبغضاء. موضحا أن طهارة القلب تنعكس على باقي الجسد كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).
وأفاد بأن طهارة القلب تكون بالخشية والتوبة والرجوع إلى الله.
وقال: من يريد التقوى عليه أن ينظف قلبه من أوساخ الدنيا وقاذوراتها مثل ظن السوء واحتقار الناس والتكبر عليهم, لافتا إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم»
وأشار الشيخ القرضاوي إلى أن من ثمرات التقوى أنها تحصن القلوب من المعاصي الظاهرة والباطنة.
وحذر من أثر معاصي القلوب, مبينا أنها أعظم ذنبا من معاصي الجوارح, وضرب مثلا على ذلك بمعصية آدم عليه السلام ومعصية إبليس, مشيراً إلى أن معصية آدم كانت بالجوارح عندما أكل من الشجرة التي نهى الله عنها، بينما معصية إبليس كانت معصية قلب وكبر وحسد لآدم على ما آتاه الله من فضله، حيث رفض السجود لآدم تكبرا وحسدا.
الفرق بين معصية آدم وإبليس أن آدم ارتكب معصية ظاهرة تاب منها فقبل الله توبته, بينما ظل إبليس بعيدا عن رحمة الله .
مطلوبة في كل زمان ومكان
ونصح المؤمن بأن يكون إنسانا تقيا في كل زمان ومكان, مشيراً إلى أن النبي علَّم أبا ذر ومعاذ بن جبل وأوصاهما بقوله: «اتق الله حيثما كنت» في أي زمان ومكان.
وحذر ممن يخشون الله في أماكن ومدن إسلامية كالمدينة ومكة ويعصونه في بلاد أخرى، مبينا أن الله لا يترك المسلم يفعل ما يشاء في كل زمان ومكان, سواء كان وحده أو مع الناس.
وقال: لا يظن أحد أنه يعصي في السر ولا يراه الله, فأعين الله وملائكته ترى وتراقب.
وروى أن أحد الشباب طلب من رجل صالح أن ينصحه فأوصاه بآية واحدة هي في أواخر سورة النساء, وقال له أوصيك بما وصى الله به الأولين والآخرين في كتابه: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ...) [سورة النساء آية: 131] ودعا جموع المسلمين للحرص على تقوى الله في الصغر والكبر, وفي الصحة والعافية, وفي السر والعلانية. وأشار إلى وصية النبي لأحد الشباب باغتنام خمس قبل خمس: «اغتنم خمساً قبل خمسٍ اغتنم حياتَكَ قبلَ موتِكَ وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ وشبَابَكَ قبلَ هَرَمِكَ وغِنَاكَ قبلَ فقرِكَ وفراغَكَ قبلَ شغلِكَ» داعيا كل مسلم ألا يترك الفراغ, ولا يهمل الصحة, ولا يهمل حياته, ولا ينس شبابه قبل أن يأتي الهرم ويتمنى أن تكون له قدرة على الجهاد وعمل الخير وإغاثة الملهوفين والقيام بحاجة المحتاجين. وحث المسلم على اغتنام ما لديه من نعم قبل زوالها.