الصفحات المتخصصة
06 ديسمبر 2013 , 12:00ص
مختار محمد مختار
من وظائف الأنبياء وفقا للقرآن الكريم تزكية النفوس، وتهذيبها والترقي بها، يقول تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}، وبالتالي فإن سير الأنبياء تعكس هذه الوظائف الثلاث جميعها، ولكن هل عكست قصص الأنبياء السابقين هذه الوظائف بشكل صريح وواضح؟
بداية يجب التأكيد على أن السيرة النبوية قد نقلت إلينا وبقواعد منهجية، في حين لم تحظ سير الأنبياء السابقين خارج القرآن الكريم، بذات الدقة في النقل، فهل كل ما يروى متوافق مع طبيعة الوظائف الثلاث خاصة التزكية منها؟
من يتأمل قصص الأنبياء، يجدها مبنية على تفاصيل الروايات المتداولة، أكثر من الاهتمام بالسياق القرآني، أو الوظائف النبوية، فالقرآن لا يتناقض، ولو تأملنا التزكية في القرآن الكريم لوجدنا محتواها يؤدي لمفاهيم معينة، تعطلها الروايات المتداولة عن قصص الأنبياء.
ولنأخذ قصة سيدنا آدم عليه السلام، نجد أن جانب التزكية فيها مرتبط بالتوبة، والإصلاح في باقي العمر جزء من التوبة، لكن نجد أن التوبة في الآثار والوعظيات حول آدم عليه السلام تركز على بكائه وندمه، في حين يمكن القول: إن إعمار آدم عليه السلام للأرض كان جزءا من توبته، حتى لو قلنا إن مقام الأنبياء مختلف إلا أنهم قدوات ينظر إليها، وبالتالي فتكامل الإصلاح مع التوبة هو جزء من التوبة، باتفاق العلماء، لكنه يهمل في قصة آدم عليه السلام.
ولدينا مثلا قيمة الشكر لدى نوح، وداود عليهما السلام، فنوح عليه السلام كان عبدا شكورا، ولكن القصص ترتبط فقط بالطوفان، وعجائب السفينة، وتغفل قيمة الشكر، وملازمة نوح عليه السلام له، ويكتمل فهمنا للخلل في فهم الشكر حينما نرى قصة داود عليه السلام، فبرغم الإشارة الصريحة قرآنيا إلى أن شكر داود عليه السلام وآله كان من ضمنه شكر بالعمل، وأن الشكر بالعمل جاء في سياق الحديث عن منجزات عمرانية فخمة، فإن المفسرين توقفوا في الأمر جاعلين العمل الذي به كان الشكر الصلاة والصيام، وهذا له أكبر الأثر في تقليص حدود مفهوم الشكر. ولا يتم التطرق كثيرا لقيمة الشكر لدى سليمان عليه السلام، ولا يتم التحدث فيها على نطاق واسع، رغم تصريحه عليه السلام: {لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ}.
كما تقتصر قصة صبر أيوب عليه السلام على انتظاره للفرج، واحتماله للضيق، بل يكثر الحديث عن الأساطير المتعلقة بمرضه الشديد، بغير توضيح أكثر عن كيفية احتماله لما هو فيه، هل كان يدعو الله تعالى، ويذكره، وكيفية هذا الذكر.
وبالتالي فإن تقديم قصص الأنبياء يحتاج قراءة جديدة تتوخى تحقيقها لوظائفها كما نص عليها القرآن وصحيح السنة، بحيث تتوافق مع معطيات القرآن، وتعطي قيمة معرفية تزكوية، ترتقي بالإنسان وحياته، دينيا، ودنيويا، بدلا من القيمة العاطفية، البكائية.