تربويون منقسمون حول تركيب كاميرات في المدارس
تحقيقات
06 ديسمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - عمر عبداللطيف
يوافق أحمد المرقب على تركيب كاميرات لمراقبة سلوكيات الطلاب في المدارس، فهذا من شأنه أن يساعد إدارة المدرسة على ضبط سلوك الطلاب خاصة في المرحلة الابتدائية، فضلا عن التنبه لحوادث الشغب والسرقات التي قد تحصل في المدرسة.
المدرسة هي الأم، كما يشير المرقب، الذي يعتبر أن الأهالي يسلمون «فلذات أكبادهم» كأمانة للمدرسة والأستاذ، لذا تتحمل إدارة المدرسة مسؤولية كبيرة، وعليها أن تتخذ إجراءات صارمة، وتكون محل ثقة عند أهل الطالب.
أحد الأعضاء في منتدى الأسهم القطرية، اقترح تركيب كاميرا في المدارس والباصات، أو على الأقل في ممرات المدرسة، لمراقبة الطلاب بسبب ما يحصل من مشاغبات وحوادث عنف بين الطلاب وبعضهم بعضا، وحتى بين الطلاب والأساتذة، فضلا عما وصفها بـ «حوادث السرقة» التي تحصل في بعض الأحيان في الفصول الدراسية.
وتنوعت التعليقات بين مؤيد ومعارض لتركيب الكاميرات، لكنها كانت في المجمل مع تركيب الكاميرات، على الأقل في ممرات وساحة المدرسة، وكانت حجتهم مراقبة الطلاب، منعا لحوادث المشاغبة والسرقة، ومراقبة السلوكيات العنيفة، وهذا الكلام ينطبق على المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.
ومن أيد الفكرة اشترط أن تكون العملية ضمن ضوابط معينة، بحيث تكون إدارة المدرسة هي المسؤولة فقط عن مشاهدة الكاميرا، فيما قال البعض إن هذه الكاميرات فعلا موجودة في بعض المدارس، وتبين أن لها إيجابيات عديدة.
التواصل الطبيعي
الدكتور عبدالناصر صالح أخصائي علم الاجتماع، لا يوافق على فكرة تركيب الكاميرات في المدارس، فهو يرى أنه لا يجب أن يراقب سلوك الأطفال بهذه الطريقة، مشيراً إلى أن العلاقة بين الأستاذ والطالب يجب أن تكون في وضعها الطبيعي، لا أن يتم تقييد حركة الطالب ووضعه تحت المراقبة.
ويلفت عبدالناصر إلى أنه عندما تسلط الكاميرا على الطالب، فلن يتصرف بمحض طبيعته، ستكون درجة الاتصال بين الطالب والأستاذ مقيدة ومحكومة برسميات لا تحقق الأهداف التي نرجوها من العمل التربوي.
لكن أستاذ علم الاجتماع لا يرى مانعا من أن توضع الكاميرا في الممرات مثلا، لا أن تكون داخل الفصل: «على العكس يجب أن ندعم المرونة والإحساس بالحرية أكثر لدى الطلاب». منوها إلى أنه يمكن أن توضع الكاميرا فقط من أجل الجانب الأمني.
ثم إن للقضية بعدا قانونيا.. فهل من حقك أن تمارس الرقابة على الأطفال؟ والجانب الآخر متعلق بأخلاقيات المهنة والعمل التربوي.. فهل من القيم التربوية أن تراقب الأستاذ والطالب؟ هل هذا سيساعد العملية التربوية؟
لا للكاميرات
فيما ترفض الدكتورة أمينة الهيل -خبيرة الإرشاد النفسي والمتطوعة في المجتمعات المدنية- بشدة وضع أية كاميرا في المدارس. فهي ترى أن تشاجر الأطفال مع بضعهم أمر عادي ويحصل في المنزل، لكن أن توضع كاميرا لمراقبة سلوكياتهم فهذا خطأ، فمن الطبيعي أن يختلف الطلاب ويحب بعضهم بعضا، ثم قد ينزعج طالب من زميله ويتشاجران: «قد يحصل أن يأخذ الطالب دفتر زميله، هذه أشياء طبيعية جدا لا تحتاج مراقبة، لأن المدرسة ستتحول حينها إلى سجن».
وهذا الكلام ينطبق على جميع المراحل التعليمية كما تقول الهيل، التي تعتبر مراقبة الطلاب أسلوبا غير تربوي: «الكاميرات ستجعل الطفل يفكر: هل أذهب إلى الحمام أم لا؟».
إذن من الطبيعي أن تحصل المشاجرات في المدرسة» «نحن لسنا في مدينة مثالية»، تقول الهيل. التي ترد على قول البعض بأن الطالب قد يضرب الأستاذ أو العكس، بأنه لا يوجد طالب يضرب أستاذا، ولو حصل فهذا يعني أن الأستاذ ليس تربويا أصلا ولا يصلح أن يكون مدرسا. أما في حال وبخ الطالب الأستاذ، فهذا طبيعي أيضا، قد يؤدب الأستاذ الطالب ويعاقبه، كأن يجعله يقف قرب الباب، أو في ساحة المدرسة.
وتشير خبيرة الإرشاد النفسي والمتطوعة في منظمات المجتمع المدني، إلى أن طفل الحضانة والروضة غير طفل التعليم الإلزامي، هنا من حق الأهل أن يخافوا، وربما يمكن تفهم وضع الكاميرات هنا: «لكن في المرحلة الابتدائية، الطالب يفهم، والتعامل معه يكون بالخطوة الحسنة والسياسة، وليس بالمراقبة، عندما يراقب سيخاف أن يذهب إلى الحمام. إنه أسلوب غير تربوي ولا أؤيده». طلاب الابتدائية يحتاجون إلى الحب والاحتواء من قبل المدرسين والقائمين عليهم، وأن يكون المدرسون والمدرسات تربويين.
الجهد والوقت
حزام محمد الحميداني مدير وصاحب ترخيص مدرسة الرازي الإعدادية للبنين المستقلة، يؤيد فكرة تركيب الكاميرات في المدارس، لأن هذا من شأنه أن يساعد إدارة المدرسة في مراقبة الطلاب.
لكن ما الفائدة من الكاميرات؟ يجيب الحميداني بأن الكاميرات ستوفر الجهد والوقت على إدارة المدرسة، فبدلا من الدوران على 25 صفا، تراقبهم من المكتب. ثم إن الطالب عندما يعرف أنه مراقب، سيكون في أفضل حالاته، مشيراً إلى أن الفكرة طبقت في بعض المدارس الإعدادية والثانوية ولاقت نجاحا كبيرا.
محمد تيمور مدير الشؤون الأكاديمية في مدرسة اليرموك الإعدادية المستقلة، يؤيد الفكرة، لكي تتم مراقبة سلوك الأطفال، لكن بشرط ألا تكذب إدارة المدرسة على الطلاب وتقول لهم ليس لدينا كاميرا؛ هذا سيؤدي إلى عدم الثقة بالإدارة من قبل الطلاب، بينما عندما تركب الكاميرات ويتم إبلاغ الطلاب بذلك، وتوعيتهم بأن الكاميرات ليست لتصيد أخطائهم، وإنما لأجل سلامتهم والمحافظة عليهم بحيث لا يعتدي أحد عليهم أو يفتري عليهم، منوها إلى أن أي خطوة يتم اتخاذها في البيئة التربوية، يجب أن تترجم بإيجابية للطلاب، حتى تنعكس عليهم بشكل إيجابي.
الكاميرات لضبط السلوك
فيما تساءل أحد الأعضاء في منتدى الأسهم القطرية، عن جدوى تركيب الكاميرات، وحجته أن إدارة المدرسة تستعين بالكاميرات لأنها إدارة ضعيفة وغير قادرة على ضبط الطلاب، مشيرا إلى أن بعض المدارس تتيح لأهالي الطلاب مراقبة أولادهم وهم في منازلهم، وذلك يدفع أولياء الأمور إلى التخلي عن مسؤولياتهم أيضا في مراقبة سلوك أولادهم.
كما طالب البعض بتشديد الرقابة من قبل المشرفين والمشرفات في المدارس الخاصة والمستقلة، خاصة أن بعض الأهالي تلقوا شكاوى من أولادهم، حول تعرضهم للضرب أو الشتم من قبل زملائهم، بينما قال أحدهم إنها كاميرات «متابعة» وليست «مراقبة».
الفوائد المرجوة من مثل هذه الخطوة، يجيب عنها تيمور، الذي يرى أن أي مدرسة لا تخلو من المشاكسين، فالمدارس ليست المدينة الفاضلة، حتى لو وجد فيها طالب سيئ واحد.. الكاميرا ستساعد، ثم إنها ليست الأساس، يجب أن تدرك إدارة المدرسة أن الكاميرا للمساعدة في ضبط السلوك، لا أن تضع الإدارة في ذهنها أنها سيطرت على الطلاب بوضع الكاميرات، هذه «سيطرة سرابية».
السلوكيات النبيلة
وينصح تيمور إدارة المدرسة بأن تغرس في نفوس الطلاب السلوكيات النبيلة، بحيث تبقى الكاميرات لتراقب مدى تنفيذ هذه السلوكيات فقط.
ولا يرى تيمور أية سلبيات لهذه الكاميرات، لكن يجب أن تكون الكاميرات في الممرات والساحات فقط، وليس داخل القاعات المدرسية، لأن ذلك يؤدي إلى ارتباك المعلم وعدم ثقته.. مثلا لو شغلت الكاميرا والمعلم يعطي الدرس، فإن هذا سيربكه. المعلم إنسان يتعامل مع الطلاب كبشر: «أحيانا تكون هناك ألفة بينه وبين الطلاب، وأحيانا يضرب الطالب بشكل خفيف، ماذا لو دخل والد الطالب ورأى الأستاذ يضرب ولده؟.. هذا سيخلق صورة غير طيبة عن الأستاذ، وسيكون الأستاذ مكبلا وليس على طبيعته».
ويعارض تيمور أن تضع المدرسة كاميرات دون معرفة الطلاب، فهذه سلبية وضد العملية التربوية، بل يجب أن تخبر الإدارة الطلاب بذلك، وتقول لهم إن الكاميرات للحفاظ على نظام المدرسة، كي يستوعب الطالب وجود الكاميرا، كما هي موجودة في الأسواق لحماية الناس، وليس لتصيد أخطائهم.
وعن الجانب القانوني لهذه الفكرة، يعتقد تيمور أن البيئة المدرسية لا توجد فيها لوائح قانونية. الطفل لا يعرف بالقانون. يوجد شيء تربوي أو غير تربوي. قد يحس الطالب أن الكاميرا تسيطر عليه وتراقبه، وبالتالي يسلك سلوكا مغايرا تماما.
إذن يجب أن تكون الكاميرا عبارة عن مؤشر لمتابعة الطالب، مثل عداد السيارة تماما، فهو لا يسيطر على وقود السيارة، إنما مؤشر إلى منسوب الوقود في السيارة، كذلك الكاميرا لا تعمل على تحسين سلوك الطالب، بل هي لقياس هذه السلوكيات، ومدى تقدمها.