بدء أعمال «مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية» و«ملتقى كُتّاب الأمة» .. مشاركون: كتاب الله منطلق الحضارة الإسلامية ومصدر إلهام العلماء

alarab
بدء أعمال «مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية» و«ملتقى كُتّاب الأمة» .. مشاركون: كتاب الله منطلق الحضارة الإسلامية ومصدر إلهام العلماء
قطر اليوم 06 أكتوبر 2026 , 12:48ص
حامد سليمان

انطلقت، أمس، فعاليات النسخة الثانية من «مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية: نحو معرفة إنسانية راشدة» و«ملتقى كُتّاب الأمة»، تحت شعار: «يهدي للتي هي أقوم»، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين والمتخصصين من داخل دولة قطر وخارجها، في حدث علمي ومعرفي يجسد الشراكة المؤسسية بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ممثلة في إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، وجامعة قطر ممثلة في مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية و كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ليعزز المؤتمر جهود الدولة في دعم البحث العلمي وإنتاج المعرفة الراشدة.
ويجسد المؤتمر والملتقى نموذجًا متقدمًا للشراكة المؤسسية والعلمية بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجامعة قطر، ويعكسان رؤية مشتركة تستهدف دعم البحث العلمي الشرعي والإنساني، وتعزيز التكامل بين التأصيل الشرعي والخبرة الأكاديمية، وإنتاج معرفة رصينة تسهم في خدمة الإنسان والمجتمع، وتواكب التحديات الفكرية والمعرفية المعاصرة، وأسهم في تعزيز الحضور الأكاديمي للدراسات الإسلامية والإنسانية في دولة قطر، وتعكس هذه الشراكة نموذجًا وطنيًا فاعلًا للتكامل بين المؤسسات الأكاديمية والجهات المعنية ببناء الوعي والمعرفة، بما يسهم في توحيد الجهود العلمية والفكرية لخدمة المجتمع.
وأشاد الدكتور إبراهيم عبدالله الأنصاري، عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، بالشراكة العلمية القائمة بين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجامعة قطر، مؤكدًا أن هذا التعاون المؤسسي يمثل نموذجًا وطنيًا رائدًا في تكامل الجهود لخدمة البحث العلمي وبناء المعرفة، ويعكس أهمية العمل المشترك بين المؤسسات العلمية والأكاديمية في مواجهة التحديات الفكرية والمعرفية المعاصرة.
ولفت إلى أن اجتماع الجهود حول كتاب الله تعالى واستلهام هداياته في مختلف ميادين المعرفة يعد من أعظم صور العمل العلمي المؤثر، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم ظل عبر التاريخ منطلقًا للحضارة الإسلامية ومصدرًا لإلهام العلماء والباحثين، وأسهم في بناء نهضة علمية ومعرفية تركت آثارها في مختلف مجالات العمران والعلوم والفنون. 
وأكد أن الأمة بلغت مكانتها الحضارية حين جعلت القرآن الكريم إمامًا يهدي مسيرتها العلمية والفكرية، واستمدت منه قيم العلم والإيمان والعمل، داعيًا إلى مواصلة تعميق الصلة بالوحي واستثمار هداياته في بناء المعرفة الإنسانية وترشيد الفكر وتعزيز الإسهام الحضاري للأمة في عالم يشهد تحولات معرفية وفكرية متسارعة.

وصل العلوم بمقاصدها الإنسانية والحضارية
وأكد الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، أن النسخة الثانية من مؤتمر القرآن والمعرفة الإنسانية تنطلق من إيمان راسخ بأن القرآن الكريم كتاب هداية ومرجعية معرفية قادرة على الإسهام في تكوين الرؤية وترشيد العقل وتسديد مسارات المعرفة الإنسانية، وإعادة وصل العلوم بمقاصدها الأخلاقية والإنسانية والحضارية.
وأوضح أن الإقبال العلمي الكبير على المؤتمر يعكس الحاجة المتزايدة إلى فضاء علمي جاد يعيد طرح موقع الوحي في بناء المعرفة الإنسانية، ويستكشف إمكان الانتقال من الاستشهاد بالنص القرآني إلى استنطاق بنيته المعرفية ومنظومته القيمية ورؤيته للإنسان والعالم والمجتمع والتاريخ.
ونوه بأن المؤتمر استقبل قرابة ألفي ملخص بحثي ضمن محاوره الأربعة، وخضعت المشاركات لمراحل دقيقة من الفحص والتحكيم العلمي، قبل اختيار سبعة عشر بحثًا نهائيًا قدمها باحثون من تسع دول، بما يؤكد المكانة الدولية المتنامية للمؤتمر وقدرته على استقطاب الباحثين المهتمين بقضايا الوحي والمعرفة الإنسانية. 
وبيّن أن اجتماع الفلسفة واللسانيات والقانون والسياسة في إطار مؤتمر واحد يجسد طبيعة الرؤية القرآنية الشاملة، التي تخاطب الإنسان في كليته، وتربط بين الفكر والسلوك، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين الفرد والعمران. وأضاف أن المعرفة الراشدة التي يتطلع إليها المؤتمر هي معرفة تسترشد بالقرآن الكريم، وتنفتح على منجزات العلوم الإنسانية المعاصرة، دون أن تنفصل عن قيم الحق والعدل والرحمة والكرامة.
وأعرب مدير مركز ابن خلدون عن أمله في أن تسهم جلسات المؤتمر ومداولاته العلمية في تأسيس حوار معرفي منتج، وإطلاق مشروعات بحثية مشتركة تؤصل المفاهيم وتطور المناهج وتبني النظريات، بما يعزز حضور المرجعية القرآنية في الدراسات الإنسانية ويسهم في بناء معرفة إنسانية أكثر رشدًا واتصالًا بقضايا الواقع وتحدياته المعاصرة.

 بناء مجتمع المعرفة
ويأتي تنظيم المؤتمر والملتقى في إطار تنفيذ مستهدفات استراتيجية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (2025-2030)، لاسيما في مجالات دعم البحث العلمي، وتعزيز الشراكات الأكاديمية، وإنتاج المعرفة النوعية، وترسيخ القيم الحضارية، وبناء الإنسان الواعي برسالته ودوره في المجتمع، كما ينسجمان مع رؤية قطر الوطنية 2030، التي تضع التنمية البشرية وبناء مجتمع المعرفة والابتكار في صدارة أولوياتها، من خلال تشجيع البحث العلمي وتطوير الكفاءات الوطنية وتعزيز التعاون بين المؤسسات العلمية والأكاديمية.

4 محاور رئيسية .. ومشروع حضاري 
وتتناول أعمال المؤتمر أربعة محاور رئيسة هي: القرآن الكريم والفلسفة، والقرآن الكريم واللسانيات، والقرآن الكريم والقانون، والقرآن الكريم والسياسة، في إطار سعيه إلى توسيع دوائر الحوار العلمي وتعزيز الدراسات البينية التي تستلهم الرؤية القرآنية في معالجة تحديات العصر وقضاياه المتجددة. 
وبالتوازي مع المؤتمر، تنطلق أعمال النسخة الثانية من»ملتقى كُتّاب الأمة»  تحت شعار»كتاب الأمة: مشروع حضاري في عالم مضطرب»، بهدف استقراء التجربة العلمية الرائدة لسلسلة «كتاب الأمة»، وإبراز دورها في التأصيل الفكري وتعزيز الوعي الحضاري ومعالجة القضايا الفكرية المعاصرة واستشراف آفاق المشروع الحضاري الإسلامي في ظل التحولات العالمية المتسارعة. 
ويمثل الملتقى امتدادًا لجهود وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دعم المشاريع الفكرية والثقافية الرصينة التي أسهمت على مدى عقود في إثراء المكتبة الإسلامية والعربية بعشرات الإصدارات والدراسات المتخصصة، وتعزيز ثقافة الحوار والإنتاج الفكري والمعرفي الهادف. 

توظيف المعرفة لبناء الإنسان 
وأكد الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، أن المؤتمر والملتقى يجسدان رؤية الوزارة في تعزيز الحضور المعرفي للقرآن الكريم وتوظيف المعرفة الشرعية في بناء الإنسان وترسيخ الوعي الحضاري، مشيرًا إلى أن تنظيم هاتين المبادرتين العلميتين ينطلق من الإيمان بأن القرآن الكريم يمثل مرجعية حضارية ومعرفية قادرة على المساهمة في بناء الوعي وترشيد الفكر وتوجيه مسارات المعرفة الإنسانية.
وأوضح أن النسخة الثانية تواصل البناء على النجاح العلمي الذي حققته النسخة الأولى، والتي أثمرت بحوثًا علمية محكّمة جُمعت وصدرَت في ثلاثة مجلدات علمية متخصصة، بما يعكس حرص الوزارة على تحويل المؤتمرات والملتقيات العلمية إلى مشاريع معرفية مستدامة تتجاوز حدود الفعاليات الزمنية إلى إنتاج علمي راسخ يخدم الباحثين والمؤسسات الأكاديمية. 
الجلسة الأولى تستكشف آفاق الفلسفة وبناء المعرفة الإنسانية في ضوء الهداية القرآنية
وشهدت أعمال المؤتمر انعقاد الجلسة العلمية الأولى ضمن محور»القرآن الكريم والفلسفة»، وأدارها الدكتور محمد الساعي الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، حيث تناولت ثلاث أوراق بحثية سعت إلى تعميق البحث في العلاقة بين الوحي والمعرفة الإنسانية واستكشاف دور الهداية القرآنية في بناء الرؤى الفكرية والفلسفية المعاصرة. 
واستُهلت الجلسة بورقة علمية قدمها الأستاذ الدكتور المكي إقلاينة بعنوان «العقل القرآني والعقل الفلسفي: نحو إعادة بناء منهج التفكير الإنساني في ضوء مقاصد الهداية»، تناولت مفهوم العقل في الخطاب القرآني بوصفه عقلًا موجَّهًا بالهداية ومتصلًا بالمسؤولية الأخلاقية والعمرانية، وسعت إلى بناء نموذج معرفي يجمع بين العلم والقيمة ويعيد التوازن بين المعرفة والغاية بما يخدم الإنسان والعمران.
كما ناقش الأستاذ الدكتور وائل أحمد خليل الكردي ورقته البحثية المعنونة «التأسيس القرآني لمنطق المستويات المتعددة في تكوين الرؤى الكونية العلمية الشاملة»، والتي طرحت تصورًا معرفيًا يستلهم القرآن الكريم في بناء نسق منطقي يربط بين عوالم الشهود والغيب، ويسهم في تكوين رؤى فلسفية أكثر شمولًا واتساقًا مع الدلالات القرآنية للوجود والعلم والإنسان.
واختُتمت الجلسة بورقة قدمتها الدكتورة شيماء فوخري بعنوان «الأقومية والهداية المعرفية في القرآن: نحو استئناف إبستمولوجيا الاهتداء»، تناولت البعد المعرفي للهداية القرآنية من خلال مفهوم «الأقومية»، وقدمت إطارًا نظريًا لإعادة تفعيل الدور المعرفي للقرآن الكريم في توجيه إنتاج المعرفة وتقويمها وفق معايير الاستقامة والإقامة، بما يسهم في بناء مشروع معرفي وحضاري يستلهم الهداية القرآنية في معالجة إشكالات الفكر المعاصر.