مبدعون يستذكرون المكان الأول وحاضنة الذكريات
منوعات
06 أكتوبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - أحمد الوحيدي
لم تعد الأماكن هي هي، اختفت كثير من الأطلال وامحى رسمها، بيد أن رائحة البيوت القديمة لا تزال تذكر ساكنيها بها، يصغون إلى حسيس حجارتها، يذكرون دفئها وحنانها أيضا في ليالي الحر الطويلة والرطوبة الدبقة. يوغل الزمان، بدوراته بعيدا آخذا معه كل شيء غير أن الذاكرة تنتصب رحما دافئا وجميلا يحرس ما فات ويسيّجه بسوار من الحميمية.
مرت أزمان طويلة على تلك البيوت والأسواق القديمة، لكن الناس ما إن تنبش فيها سيرة الماضي حتى يتداعى طوفان من الحنين، هجر أناس كثيرون فريج الغانم القديم ومشيرب والنجمة والمنصورة وبيوتا في أم غويلينة كانت تتاخم البحر وتغسل أقدامها في شواطئه، وتسمع هدير أمواجه، فيما يقضي الليالي ساهرون يتأملون ذبالة «الفنر» تتأرجح ولا تنطفئ، ومع تفارق الأيام وابتعادها وتغير الأماكن يعهد مثقفون ومبدعون إلى جسر من الحنين لوصل تلك الأيام التي انقطعت إلا من سيل التذكار يمد إلى الماضي أشواقه. في المكان الأول يستدعي كثيرون الحنين إلى أشجارهم الأولى إلى سدرة وفاكهتها «الكنر» يذكر كثيرون خطواتهم الأولى إلى المدرسة, الطريق إليها بالباص وإذا ما تعذر وصولهم مشوا إليها راجلين.
يذكر مجاورون للبحر بيوتهم الأولى المتاخمة له ويستذكرون «طقوس الدشة والقفال» والذهاب للغوص والعودة منه وبينهما تفاصيل صغيرة وكثيرة هي ملاذات المبدع لتدشين كتاباته عن الذاكرة وتسطيرها أسفارا من الإبداع والمسرح.
في ذاكرة المكان رحم دافئ، يحنو على بدايات التعثر الأولى في الخطو إلى الحياة، وفيه خربشات لقصائد أولى، وكثير من الفحم يملأ لوحات كانت تتهيأ لمداعبة ألوان كثيرة مبهجة ومريحة وتتجاوز المألوف على خطى الإبداع والعالمية. هنا شهادات رصدتها العرب مع مثقفين ومبدعين قطريين في أحاديث عن الطفولة وسيرة المكان الأول.
شهادات
مرآة وبراويز الحائط
للمكان طقوسه وسريانه في الروح وفي مدرجة الإبداع، بعد طفولة تأخذ من المكان التماعاته الأولى، هكذا استعادت كاتبة الأطفال والشاعرة المبدعة حصة العوضي تفاصيل من بيتها الأول، وإحساسات أولى بالرومانسية تقول: «كنت أحس أن الصور المثبتة في البراويز تناجيني، أحسها حية، كما بدت لي الدمى تضج بالحياة. وأحس أنني سأجرحها لو رميتها، كنت أخاف ألمها».
وتستذكر مرآتها الأولى وجسرها فيما بعد إلى عالم الكتابة والإبداع، تضيف «كان لي لقاء مع المرآة أدخل عوالم أخرى، وكأنما أنا الصغيرة «أليس في بلاد العجائب» كانت المرآة خلوتي، خلوتي مع المرآة انقطعت. فالحكايات المشتركة بيننا صار مكانها الورق والتدوين، وكأن الورق هو خيالات مرآتي، وحديث العوالم بيننا الذي صارت تتسع له الأوراق.
الرميحي: البحر سر الأسرار
يذكر الكاتب المسرحي حمد الرميحي ولعه بالبحر، ويشهد على فصل من حياته في ستينيات القرن الماضي، الذاكرة هنا استدعاء لفصل الإبداع الأول وطقوسه ففي منطقة غزة التي تحول اسمها فيما بعد كان المكان يشهد مشاغبات أولى للطفل آنذاك و «سرا رمي في البحر» وهذا فصل من ذاكرة أولى «في الستينيات كان زوج عمتي من البحرين سامر العلان وهو أشهر نهام في الخليج، يأتي إلى هنا -قطر- في الأفراح وفي فترتها لم يكن شائعا وجود العود, وكان هو «كفيفا» وكنت آخذه إلى البيوت في الهتمي، واسلطة، وكنت أجلس أنا وعمري وقتها اثنا عشر عاما فقط، واسمع هذا اللحن البحري القديم وأسمع للطبل والطارة، وهناك كنت أحس بالود بين الطبل والطارة.
ذاكرة البكرات
في تلك الفترة كنت أذهب مع ابن عمتي إلى السينما التي كانت عبارة عن بكرات, وكنت أشاهد الفيلم وأعود لأرويه للأطفال، وكنت أمارس دور الحكاء, وأحيانا أزيد على القصة الأصلية من خيالي، وهذه ساعدتني فيما بعد أثناء دراستي في المعهد العالي.
ذلك فصل من الذاكرة, وأما فصله الآخر فكان عن كتب قديمة لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، أسست لتأثير قومي طاغ سرى في كافة مفاصل الحياة آنذاك يقول: «التأثير القومي العروبي كان طاغيا على نشاطاتنا في تلك المرحلة العمرية ونشاط الأندية وكان واضحا التأثير على أسمائها: «نادي التحرير» و «الأحرار»، ونشأ معنا في تلك المرحلة أيضا النشاط الوطني والسياسي في البداية.
المريخي: فريج بن محمود حاضر في الذاكرة
وللحائز على جائزة الدولة التقديرية خليفة المريخي ذاكرته في الفريج الذي ما زال يتعهده بالزيارة ويقول: «ما زلت منذ غادرت ذلك المكان فريج بن محمود وأنا لا أنقطع عنه أحرص على زيارته, ودائما آخذ أولادي إلى هناك وأشرح لهم عن تلك الأيام، الستينيات والسبعينيات، كيف كانت الحياة، حتى في ذلك الوقت ما زلت إلى الآن و(قد كبر الأولاد) أذكر حميميتهم ودهشتهم تجاه تلك الأيام البعيدة والمعاناة التي شهدها جيلنا، طفولتي وحياتي وشقوتي، في بن محمود حيث تفتحت مداركي الأولى، ووعيت أزقة الفريج وشغب الصغار ولعله المكان الذي ما زال في خلفيتي يمدني بكثير من الحنين والإلهام.
زكية مال الله: المكان وألعابه الشعبية
غادرت المبدعة زكية مال الله بيت العائلة الكبير, لكنها تذكر كثيرا عن نشأتها هناك, تستعيد طيفا من الماضي عن النشأة الأولى وتستذكر «نشأت في بيت وضمن أسرة كبيرة مكونة من ثمانية إخوة ذكور وخمس بنات في بيتنا بالدوحة الجديدة، وإذا أردت أن أصف طفولتي، فأنا أقول إنها كانت طفولة سعيدة جدا، وعلى الصعيد الدراسي فقد كنت متفوقة جدا في المرحلة الابتدائية, وكنت من الطالبات النشيطات جدا في الأنشطة الثقافية، كالرسم ومسابقات القرآن، وغيرها، أما خارج إطار الدوام المدرسي فلا أذكر أن هناك لعبة شعبية لم أمارسها مع صديقاتي في الفريج: لعبة الحبل، الكيس، وغيرها، الماية، السباق، جربت كل ألعاب الطفولة وللمفارقة فقد كنت أمارس كل هذه الألعاب وأتمتع بشخصية هادئة جدا وانعزالية، صحيح أنني أشارك الجميع ألعابهم لكن دائما كان لدي نزوع إلى العزلة والصمت, وبالمجمل فقد كانت طفولة هادئة وسعيدة، أما أول بيت نشأت فيه فقد كان بيت العائلة الكبير وهو مكون من ثلاثة طوابق, فيه عشر غرف, بناه أبي, وكان البيت جميلا وكان لكل واحد غرفة.
في الحاضنة الأولى
الحاضنة الأولى فيها سيرة عن الأب فهو أول تاجر أسس لتجارة الأقمشة في قطر, وهو صاحب أول محل للأقمشة والذي حمل اسمه: محل الحاج مال الله للأقمشة، وكنت أحب الخياطة، والمثير أيضاً أن كل الهوايات التي كبرت معي بعد ذلك كان منشأها الطفولة, كنت أحب الرسم في تلك الفترة، كانت أيضاً قد بدأت خربشاتي الطفولية في الشعر والنثر في سن السابعة والثامنة، ولا أزال احتفظ بهذه الكتابات المبكرة حتى الآن، تجارة والدي في الأقمشة نقلت إلي محبة الخياطة والتصميم مبكرا, كنت أرافق والدي إلى محال الأقمشة وأحضر بواقي الأقمشة وأصنع منها فساتين للعرائس التي كنت وصديقاتي في الفريج نلعب بها، وكانت لدينا لعبة البروق المكونة من عدد من الألعاب والعرائس, وكنت أنا الخبيرة التي تصنع الأزياء والملابس للعرائس، ما أذكره الآن أن هذه الأشياء الطفولية كبرت معي، وحبي للخياطة والكتابة والطبخ وسائر هواياتي الصغيرة صحبتني إلى مختلف مراحلي العمرية بعد ذلك.
جاسم صفر: ذاكرتي وزعتها شعراً وأغاني
يحتفظ جاسم صفر بذكريات قليلة عن مكان, لكنه أحالها إلى شعر ونثر وقصائد مغناة، لم أدون سيرة مكتوبة لي, لكنني اكتفيت على ما يبدو بأن أسجلها في كل الصنوف الأدبية المكتوبة منها والمسموعة والمرئية، وحين أستعيد إحساسي لذكرياتي الأولى عبر المكان، فهو يذكرني بما فات، فهو مرتكز الذاكرة بالنسبة لي سواء ما بقي منه موجودا أو ذلك الذي زال، ودائما لدي استحضار القديم الذي أرى أنه لا يمكن الاستغناء عنه.
ويضيف: «إذا شئت أن ألخص وأعرِّف مسيرتي فهي التصاق مع مفردات البيئة التي تمنحني الكثير، البحر يمنحني إلهامات، والأماكن بمجملها برها وبحرها، تحفر في أحاسيسي كثيرا، ولها نصيب في إبداعاتي، نشأت في مدينة الخور حيث هي مسقط رأسي، أندفع لها بحميمية عالية، وأنجذب إليها, تأسرني أحيانا ذكرياتي وحنيني إليها, وأبحث عن القديم فيها والباقي منه أيضا، هدم كثير مما أعرف من المكان وزال، لكنني أستعين بالمخيلة لاستعادته، وشاطئ البحر له مساحة هائلة من الحنين إليه، وعلى رماله ذكريات كثيرة متعلق أنا بها إلى الآن، ورغم أنها غير موجودة في هذه اللحظة فإنها تشكل خلاصة علاقتي بالمكان الذي الدراسة جزء منه».
يتابع تعلمت كثيرا من هذا المخزون الذي أمدني بثقافة كثيرة, بالمجمل فأنا شخص بسيط عشت مع البسطاء التصقت بالأشياء الشعبية والموروث الشعبي، لم أحصل على شهادات عليا لكنني حصّلت كثيرا من المعارف والثقافات بجهد ذاتي خالص، قرأت كثيرا وما زلت أقرأ, أحب الحياة المفتوحة غير المعقدة.
كتبت عشرات الأغاني التي فيها هذا الحنين إلى ما مضى، ومن خلالها أرسم الصورة الحميمية التي تبحث عنها أنت، ما ينقصني الحفظ، وفي الشعر والتأليف أصدرت دواوين كثيرة، أكتب القصيدة وأنساها فقدت الكثير من الأسماء وما بقي من ذكريات هو الإحساس بها, ألخص مسيرة طويلة في الحياة بالقول إنها كانت جميلة بكل مكابداتها ومعاناتها.
غازي حسين: شيء عن
زمن الطفولة
يقول الفنان غازي حسين: يبدو سؤال الطفولة بعيدا، غير أنه في حالتي قريب جدا فهي لم تفارقني، وأنا ما زلت طفلا وصغيرا أيضا، يتمتع بمخيلة واسعة، مفتوحة على الكون، وعاطفة جياشة. الطفولة إذن موجودة معي وأرى أنها الأساس الذي صنع أيامي من بعد.
وهي حاضرة بكل مفرداتها المشاغبة في الفريج، وفي صفوف المدرسة، إلا أنه أثناء الحديث عن طفولتي أو بعض إشاراتها وملامحها فلا بد من الحديث عن المجتمع بشكل عام في خمسينيات القرن الماضي، الذي صاغت حميميته طفولتي ولهوي وتكويني الثقافي المبكر، تلك الأيام أيضا طبعتني بحساسية مختلفة، للفنان الذي بدأت مبكرة موهبته الفطرية تنمو هناك، وهي التي سمحت فيما بعد بصقل هذه الموهبة الفطرية.
يشهد على تلك الفترة فيقول كانت «الدنيا بخير» أعني في الخمسينيات التي شهدت ولادتي، وإطلالتي على العالم، ولدت لأسرة بسيطة، وعلى صعوبة توفر الكثير من الأشياء لنا كأولاد إلا أننا «كنا راضين» ومطمئنين إلى تلك الحياة البسيطة، ولدينا قناعة كبيرة بحكم التربية.
تفتحت عياني على والد وعم -رحمهما الله- من عشاق الفن، وكان جهاز الراديو البسيط هو نافذتهما على هذا العالم الذي يحبون، وكنا أطفالا نقلب عيوننا ونعجب ونفرح، كلما اشتروا جهاز راديو جديد، والمذياع والراديو في تلك الفترة كان مصدر بهجة في غياب التلفزيون الذي لم يطل بعد, وفي تلك الأيام البعيدة كان الناس يتسابقون في اقتناء أجهزة الراديو، ويتنافسون في أيها يمكنها أن تلتقط البث من أماكن بعيدة.
ومن خلال الراديو كنا نستمع إلى تعليقاتهم ونقدهم للفنانين وأدائهم وحسن أصواتهم أيضا، بمعنى ما كانت تلك التعليقات توفر مناخا نقديا بالنسبة لنا كأطفال لتمييز الفن الجميل والأصيل عن غيره، وتعلمت منهم كثيرا، إذ لديهم تعليقات لاذعة وفيها نوع من الكاريكاتير الجميل.
ومع بداية انتشار التلفزيون أذكر أنه انتشرت أنواع العلكة المغلفة بصور الفنانين المصريين، أمثال: «محمد عبدالوهاب، وفاتن حمامة، وعبدالحليم حافظ، ومحمود المليجي وغيرهم الكثير) وكانت بعض العلكة تختلف عن غيرها من الهوايات التي أنشأت عندي وعند كثير من الأطفال غيري جمع هذه الصور، والتي تشبه إلى حد كبير هواية جمع الطوابع، وكنا نتبادل صور الفنانين، أذكر أنه نشأت معي في تلك الطفولة محاولة تقليد الضيوف الذين يزوروننا سواء كانوا ذكورا أو إناثا، وأستمتع كثيرا بتقليد أصواتهم ومشيتهم وحركاتهم، وأحيانا أجمع أصدقائي الأطفال فأقلد لهم مشية فلان، أو شخصا يعرفونه.
عبدالرحمن المحمود:
مبدعون من أم غويلينة
في كتاب له يصدر حديثا يستذكر الرحالة عبدالرحمن المحمود نصف قرن في فريج أم غويلينة, ويقول: «فريجي» الأول الذي تسألني عنه هو «أم غويلينة»، وهو بالنسبة لي ولأقراني ليس فريجا، بل أُمًّا حقيقية وليست مجازية كما يوحي الاسم! وقد يأخذنا الربط بين مذكر الفريج ومؤنث الاسم «أم غويلينة» إلى متاهة لسنا بحاجة إلى اجتيازها. فالأمر محسوم للأم التي هي دوما أم رؤوم، حنون، عطوف... أم غويلينة إذن كانت أكثر من فريج أو حي هي مدينة هادئة وادعة صغيرة، هي مدينة الدوحة في الخمسينيات (بداية الومضة الأولى في الذكريات). بل هي «وطن» صغير إذا خرجنا منه لأي سبب من الأسباب، نشعر بالوحشة والغربة، وصبية «الفرجان» الأخرى ينظرون إلينا نظرة وجل وريب وشك! ما الذي جاء بهؤلاء الغرباء إلى حينا؟! لقد كانت معظم -إن لم يكن كل- العائلات القطرية ممثلة في الفريج, وكنا نعيش بانسجام. لا يستطيع أحد أن يميزنا عن بعض، نشارك بعضنا بعضا في الأفراح والأحزان والمناسبات الاجتماعية والدينية، كنا في مستوى اجتماعي ومعيشي وثقافي متطابق، ليس هذا فقط، بل كان لنا «نشيدنا» -إن جاز التعبير- نردده نحن تلاميذ مدرسة الخليج العربي الابتدائية، ألفه ولحنه لنا الأستاذ الفلسطيني «خالد نصر» رحمه الله وأحسن إليه حيا أو ميتا يقول في مطلعه: ياللا ودينا على أم غويلينة، كان أستاذنا يعزف على العود، ونحن نردد بحماس منقطع النظير النشيد, ولم يفطن أي منا إلى أننا نردد النشيد ونحن في «أم غويلينة» فعلا لم نغادرها، فكيف إذن ودينا على أم غويلينة!
من أم غويلينة أشرقت نجوم وأسماء لامعة ليس فقط في سماء الوطن، بل وصلت إلى العالمية في كل المجالات العلمية والثقافية والفكرية والأدبية والفنون وغيرها، وفيها نشأ كتاب ووزراء ودبلوماسيون وفنانون ورياضيون، أذكر منهم على عجالة المفكر العربي الدكتور علي بن خليفة الكواري، والقانوني العالمي الدكتور نجيب النعيمي وزير العدل السابق، والطبيب الدكتور عبدالرحمن الكواري وزير الصحة الأسبق، وأبو المسرح القطري الحديث عبدالرحمن المناعي، والمفكر الأستاذ علي بن عبدالله المناعي، والممثل علي حسن، والفنان التشكيلي فرج دهام وإخوانه لاعبي الفريق الوطني القطري لكرة القدم، والصحافي الشهير أحمد علي وغيرهم كثير ممن يستحقون فعلا أن يكونوا في سجل شرف الفريج الوثائقي، لقد عكفت منذ فترة على تدوين ذكرياتي عن الفريج لإصدارها في كتاب بعنوان «أم غويلينة.. قصة المكان في نصف قرن» أخشى أن ينقضي عمري وهو لم يكتمل بعد، لأنني لم أحصل حتى الآن على سيرة ذاتية واحدة!
يذكر المحمود أن من أم غويلينة انطلق نحو العالمية العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، وما زلت أذكر وقفته في مسجد موزة الدرويش رحمها الله تعالى، وهو الجامع الرئيسي للفريج لأول مرة مقدما نفسه بأنه يوسف من الأزهر الشريف في مطلع ستينيات القرن الماضي، ثم دروسه التي بدأ بإلقائها للمرة الأولى في المسجد قبل أن ينتقل إلى مساجد أخرى وقنوات فضائية وإذاعات، ولقد ذكر الشيخ شيئا من هذا في مذكراته منها قوله: أول ما سكنت، سكنت في حي أم غويلينة ولم أعرف من هي غويلينة ولا أمها!
أما غويلينة فهي تصغير كلمة «غيلان» وهي كلمة عربية فصيحة ذكرها العلامة «ابن منظور» في «لسان العرب» وهي تعني شجر السمر الذي يستخرج النحل منه أفخر وأطيب وأغلى أنواع العسل، أما أم فهي على عادتنا نحن في الخليج نسبة المكان إلى ما يتصف به، أي الأرض التي ينمو فيها شجر الغيلان، أو كما نقول «أم الأفاعي» أي أرض الأفاعي وهكذا.
علي التميمي: الجسرة
مكان أول
ويقول كبير مخرجي الدراما في التلفزيون القطري وخريج جامعة الملك سعود (إذاعة وتلفزيون) ربما كانت الجسرة هي المكان الأول في مسيرتي وطفولتي, ولكن تعددت بعد ذلك الأمكنة إلى النجادة والوكرة وغيرها، إلا أنني ما زلت أذكر مسقط رأسي في الجسرة، في تلك الأيام لم تكن الدنيا بالتأكيد كما هي الآن، كانت نافذتنا على عالم السينما والدراما والإخراج هو تلفزيون آرامو ثم القناة الأولى السعودية وصولا إلى تلفزيون قطر، لفت نظرنا إلى الإخراج، وهو عالم صعب, في الجسرة كانت الشوارع ضيقة لكن على ضيقها في ذلك الوقت تشيع الحميمية، صغرها كان يتيح مجالا واسعا وكبيرا، للقاء والتواصل الاجتماعي.
في الجسرة كان شغب الطفولة والتواصل الحميم مع الأصدقاء والمحيط المجتمعي آنذاك, كان كذلك الشطر الابتدائي من ارتياد المدارس وصولا إلى أبوعبود وإنهاء المرحلة الدراسية. والعمل في مصانع عدة ومصانع الغاز.
سلمان بن جبر: المرقاب عتبتي لعلم الفلك
تعيدني إلى ذلك الوقت الذي لم تكن فيه إنارة الشوارع والأحياء كما هي الآن. قلة الإنارة تلك كانت تجعل مدى السماوات المفتوحة مجالا هائلا ومتاحا لمشاهدة النجوم وأينما وجهت نظرك وقلبته في الماء, شاهدت النجوم المتلألئة، وقد أغرتك باكتشاف عوالمها.
اليوم تغيرت الحالة، كنا في المرقاب الجديد، الذي بدا في ذلك الوقت وكأنه مكان معزول وبعيد عن الدوحة، أصبح اليوم طبعا قلب الدوحة، في أيام خالية، كان المرقاب الجديد كما أشرت بعيدا ومعزولا، ومظلما، وبسبب ذلك كله فقد كان بوابة مدهشة لي لتأمل «العالم الخارجي» وكان الشغف يزيد لدي يوما بعد يوم، ما كان يغريني كطفل هو تأمل هذا السحر والاستمتاع به، طبعا في ذلك الوقت لم يستوقفني كطفل هذا الفضول العلمي، بقدر ما كان يغريني هذا الاستمتاع.
كان هذا التأمل والاستمتاع جزءا من لهو الطفولة ومتعها، وألعابها، كان طوال الوقت لهونا هو اللعب، «كرة القدم» و «السياكل» وغيرها، في المقارنة مع الصورة اليوم تغيرت أشياء كثيرة في لهو الأطفال، غدا الكمبيوتر وعوالم الإنترنت جزءا أساسيا من هذا اللهو الطفولي اليوم.
في تلك الأيام كان «الطفل إذا امتلك نعالا ربما بقي معه طوال العام, ذلك أننا كنا نحب اللعب, واللهو حفاة» وهذا أجمل ما في الطفولة البعيدة. تلك الأيام شغبنا في حارات الحي ولعبنا الطويل فيها، وكنت واحدا ممن يستمتعون بهذا اللعب.
المرقاب الجديد كان من أجمل مناطق الدوحة بسبب بعده عن الضجيج كما أشرت، في تلك الأيام كنا نشاهد على مسافات بعيدة، وكنا نعيش في أجواء هادئة تمكن لك الاستمتاع بعالم النجوم.