استنفار على مواقع التواصل الاجتماعي والـ «بلاك بيري» ضد جشع التجار
تحقيقات
06 أكتوبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - رانيا غانم
«واعي»، «إحنا قدها»، «خلوها تخيس» أسماء لحملات عديدة وصفحات دشنها الشباب القطري على وسائل التواصل الاجتماعي، تدعو إلى مقاطعة المتاجر والمطاعم وكل جهة قامت بزيادة أسعارها، عقب المكرمة الأميرية بزيادة رواتب العاملين في القطاع الحكومي والمتقاعدين والعسكريين من القطريين، وهي الحملات التي بدأت على المنتديات القطرية الشهيرة، مثل «الأسهم القطرية» و «قطر فوتبول» إلى جانب منتدى المستهلك القطري المخصص لكل ما يهم المستهلك من أمور مختلفة، فضلا عن الحملة الموازية على «البلاك بيري» والمجموعات التي كونها المواطنون عبره، فضلا عن كونه وسيلة للتداول السريع لآخر أخبار المقاطعة.
سرعان ما اجتذبت الحملة العديد من المشاركين، وإلى جانب الآراء والاقتراحات والأفكار كان هناك تفاعل كبير من قبل المشاركين، فمن خلال قوائم المقاطعة للمحلات التي زادت من أسعارها فعليا، أصبح هناك على مدار الساعة تحديثا للقوائم، مع تمحيص من البعض بالتأكد من ارتفاع الأسعار بالفعل في بعض المتاجر التي شكك آخرون في قيامها فعليا بزيادة الأسعار بعد قرار زيادة الرواتب ونزولها فعليا في أيدي المواطنين، بينما قام آخرون برصد حركة المقاطعة في الأماكن التي حددها الناشطون، خاصة بعض المطاعم التي أجمع الكل على ارتفاع الأسعار بها، واختاروا بعضها للتكتل ضده وتركيز حملة المقاطعة عليه ليكون رادعا لكل من يفكر في ذلك، كالمشاركة التالية: «يا جماعه أقترح على المطعم إللي رفع الأسعار ننساه 6 شهور ياكل ويشرب هو وعماله في مطعمه لحاله كنوع من «قرصة الأذن»، وش رأيكم بخصوص الصالون النسائي (يقصد أحد الصالونات التي رفعت أسعارها بشكل كبير فور قرار الزيادة)، أتمنى من الأخوات مقاطعته لين تصير كشت صاحبة الصالون مثل كشت الأسد».
وفضلا عن الأخبار والوصف التفصيلي، دعم آخرون مشاهداتهم بالصور حيث استخدم كثير من الشباب كاميرات هواتفهم الجوالة في رصد ارتفاع الأسعار، الذي حدث بالفعل في تلك المتاجر، وحملت المشاركات العديد من الصور الفوتوغرافية لبعض البضائع التي ارتفع ثمنها، وأخرى لقوائم الطعام القديمة والجديدة لبعض المطاعم، وتلك التي قامت بتعديل الأسعار القديمة بأخرى جديدة من خلال ورق لاصق عليه السعر الجديد، أما أطرف الصور فكانت لإحدى قطع الملبوسات في متجر شهير لبيع مستلزمات الأطفال، رصدت كاميرا المشارك وجود سعرين عليه، الأول قبل رفع الأسعار، والآخر بالسعر الجديد، وهو ما فسره المشاركون بأن السرعة في قرار تغيير الأسعار كانت هي السبب في الاستعجال، وبالتالي نسيان السعر القديم بجوار الجديد، فيما كشف آخرون عن محلات سوبر ماركت وضعت ملصقات الأسعار الجديدة الأعلى على الملصقات السابقة، وهو ما تأكد منه المشاركون من خلال محاولة رفع الملصق الجديد من الآخر الموجود تحته.
الصور الفوتوغرافية لم تكن وحدها وسيلة التفاعل مع الحدث الأبرز هذه الأيام، لكن بعض الشباب كانت له مشاركة من نوع آخر من خلال الرسوم الكاريكاتورية لهواة هذا النوع من الفنون، من خلال رسومات عبرت عن جشع التجار ورغبتهم في اقتناص زيادة الرواتب رغم أن الزيادة في الواقع لم تشمل كل المستهلكين، فهناك قطاع كبير من المواطنين لم تشمله الزيادة فضلا عن المقيمين، وهو ما يعني تحملهم للجانب السيئ في تلك الزيادة. وقام آخرون بعمل لوغوهات وفلاشات وصور خاصة بالمقاطعة استخدمها المشاركون كتوقيعات لهم أو كصورة بروفايل حتى ولو لم تكن المشاركة والموضوع له علاقة بالقاطعة وذلك لدعم الحملة أكثر.
«شير يا جماعة الخير»
على الفيس بوك كان هناك عدد من الصفحات سواء الشخصية أو التابعة لبعض المنتديات والجهات كانت قد اهتمت بهذا الأمر، لكن في الوقت نفسه تم تدشين صفحات خاصة للحملة، منها صفحة «واعي»، والتي يقول أصحابها في وصفها من خلال البروفايل الخاص بها « زهقت من الغش اللي صاير!؟.. تبي حد يعلمك شلون تاخذ حقك. إحنا نساعدك.. باختصار مللنا من كثرة الزيادات اللي تصير في الأسعار. سوينا هالصفحة عشان نوعي أنفسنا ونوعي الكل بالطرق إللي من خلالها نقدر نضغط على جشع بعض التجار. نقدر نتكاتف مع بعض؟» وعن «واعي» يقولون هي «صفحة شبابية تهدف لخدمة المجتمع. لسنا جهة حكومية ولا جهة أعمال. ولن نستفيد بأي شكل من الأشكال من وراء هذه الحملة غير محاولة كسب رضاكم».
ورفعت الحملة شعار «لا للجشع ما نبي استغلال وطمع»، وطالب زوار الصفحة بالتكاتف والإيجابية لتحقيق أهداف الحملة «ساهموا وساعدوا.. بلغوا على هالأرقام (حماية المستهلك) في حال تأكدكم من ارتفاع أسعار أي محل بعد الزيادة... شيّر يا جماعة الخير».
تغريدات مؤثرة
أما على تويتر فكانت صفحة «احنا قدها» @A7naGdha وهاشتاج #lallziada وغيرهما تجتذب «المغردين»، تحمل الأخبار السريعة وتقوم بتحديث فوري لقوائم المقاطعة، كما تتناقل الأخبار الرسمية عن التصريحات الحكومية واللقاءات والاجتماعات التي تهدف إلى الحد من ارتفاع الأسعار ومنع أي زيادة تطرأ عليها بعد الزيادة التي شهدتها رواتب عدد من المواطنين في الدولة.
وفي تعريف حملة «احنا قدها» بنفسها قالت: «حساب مخصص لمواطني ومقيمي دولة قطر لرصد أي تغير في الأسعار بعد قرار زيادة الرواتب.. معا يدا بيد للقضاء على جشع التجار.. حملة احنا قدها.. خواني وخواتي لا تستهينوا في حملتنا وتقولوا ما راح تأثر.. أكبر دليل ع النجاح أن بعض التجار قام ينزل بالأسعار ويسارع في نفي الزيادات في التويتر استمروا بارك الله فيكم شهور مو أيام بس».
وجاءت الكثير من التغريدات التي تدعو لدعم الحملة بكل الوسائل، وتشد على أيادي المشاركين فيها، أو تحمل الأخبار الجديدة، فيلفت علي المهندي النظر إلى واحدة من ألاعيب المحلات لتحقيق أهدافها «الحين بعد الزيادة، المطاعم قامت تقلل من كمية الأكل المباع بشكل «ملحوظ» من دون تغيير السعر، وبجذي رفعوا الأسعار بشكل غير مباشر»، أما الكواري فقال «لين متى يعني والأسعار كل ما لها وتزيد، نبي انتهنى برواتبنا، ترى مب زايدينا عشان حضرتكم تشفطونا» وحملت «تتويتة» أخرى بعضا من نتائج الحملة «محلات ممن شملتها قوائم المقاطعة تقوم بعمل إعلانات في الصحف تبرئ ساحتها أو توضح موقفها».
وطالب آخر في تدوينته الزوار بـ «التعاون مع حماية المستهلك في التبليغ عن زيادة في الأسعار، فهي واجب ع الجميع من خلال الأرقام التالية الخط المجاني: 8005000».
حوارات مثمرة
نقاشات عدة دارت بين الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة والمعنية بحملات المقاطعة، فالبعض طالب بالتأكد جيدا قبل إضافة أي متجر أو مطعم أو جهة ما إلى القائمة، حتى لا يظلم أصحابها دون جريرة اقترفوها، فيما تدخل آخرون للتأكيد على براءة بعض الأسماء الموجودة بالقائمة من «جريمة» رفع السعر. وكانت دعوات «جدية» الأخبار من أبرز الجوانب الإيجابية بالحملة، مما دفع غالبية المشاركين من التأكد بأنفسهم من المعلومة والجهة التي رفعت أسعارها قبل وضع اسمها ضمن القائمة. واستخدموا الجانب الأخلاقي والديني في هذا، وهو أيضا الجانب الذي شددوا عليه في دعوة المقاطعة من خلال استخدام عدد من الأحاديث النبوية والمأثورات عن الصحابة والسلف الصالح التي تؤيد موقفهم في المقاطعة لإجبار التجار عن عدم رفع أسعارهم.
وفي المناقشات البعض انتقد تصرفات آخرين لا يهتمون بارتفاع الأسعار أو قد لا يلاحظونها أصلا بسبب بعض التصرفات المعتادة، كما جاء في المشاركة التي يقول صاحبها «ناس وايد يروحون ويحطون بضاعة على بضاعة، وعند الكاشير يسألون عن المجموع ويدفعون، هذا أكبر غلط. ممكن نقضى وقت أطول شوي عشان نتأكد إن هالشي قيمته هالمبلغ الفلاني، وهني ممكن نكتشف الارتفاع في الأسعار».
وعندما قلل أحد المشاركين من أهمية الحملة ومن قيمة نسبة زيادة الأسعار الموجودة، قوبل بعاصفة من الردود التي تفند كلامه وتراجعه فيه، يقول المشارك «ممكن أسأل سؤالا: كم زادوا المحلات 100 ولا 200 ريال، كلها ريالين.. أنا ضد الزيادة لكن انتو كبرتوا الموضوع». ويرد عليه أحد المشاركين قائلا «هم زادوا أكثر من ريال واثنين بس برد عليك ريال + ريال + ريال + ريال بعد فترة ما تعطيك مبلغا؟! أصلا شالهدف من إنهم يزيدون ريال ولا ريالين؟ أنت حسبتها؟ تعرف كم ممكن يطلعون في اليوم لو زادوا ع كل شخص ريال أو ثنين؟» ويتابع «ليش يسوون هالشي، من الأساس ليش النصب؟! مو كل الناس زاد معاشها، وبالوقت نفسه الزيادة تمت عشان الناس تقدر تصرف بحدود الأسعار الموجودة اللي أصلا غالية.. يجون يزيدونها أكثر! شدعوه مايبون الناس تعيش؟!» خل أكلمك بالواقع، صالون نسائي تدفع السعر الطبيعي 30 ريالا.. تروح البنت بعد الزيادة تيجي تبي تدفع تقولها 70 ريالا! من30 لـ 70 يعني 40 ريالا! تخيل لو هالصالون تجيه مثلا 50 وحده في اليوم ومن كل وحده زادوا 40 ريالا.. يعني ربحهم بعد ما كان 6000 صار 8000!». ورد آخر «ليش هالسلبية في التفكير، ترى الموضوع يستحق حتى لو نص ريال.. اليوم نص بكرة ريال إللي بعده ريالين لين ما تصير كل المواد الاستهلاكية صعب شراؤها كلها لأنها غالية».
وشدد آخرون في ردودهم على الفئات التي لم تشملها الزيادة سواء من المواطنين أو الوافدين «فيه نقطه معينة، الحين الزيادة ما تشمل الجميع.. يعني شذنب الناس اللي ما نزلوا لهم الزيادة.. هم اللي راح يتأثرون أكثر منا!!» واتفق معه الآخرون «هذه أهم نقطة مب الكل تشمله الزيادة، لذلك وايد ناس قطريون راح يتأذون من هالزيادة، وفي قطريون قد حالهم ومب شاملتهم الزيادة بعد راح يتأذون.
في الحالتان اللي يصير حرام لا الله يقبله ولا رسوله، التجارة أمانة مب غش ونهب»، وقال آخر في صفحة المقاطعة على «فيس بوك»: «والأكثر من مليون وربع إلى ما حصلوا زيادات (المقيمون) شدخلهم هالمساكين في زيادة الأسعار؟».
على البلاك بيري كانت الحملة أكثر ضراوة، وكثرت المجموعات التي تدعو للمقاطعة وتتناقل أخبارها، واهتمت منتديات ومواقع تواصل اجتماعي بتخصيص بن كود محدد للحملة، ودعت حاملي البلاك بيري للتواصل معها «هنا نرجو منكم إضافة أي معلومة وصلتكم على الـ «بلاك بيري» حتى يتم التأكد منها لاحقا وإضافتها للقائمة السوداء». وحتى تكون المقاطعة أكثر فائدة كانت توجهيها للكل «إذا أنت كنت مشمولا بالزيادة ومقتدرا الله يزيدك.. لكن في ناس تعاني بلا عمل ولا أكل ومن أهل البلد، فكروا فيهم إذا زادت الأسعار ولو بريال شيصير فيهم، ترى إحنا عندنا سلاح البلاك بيري ضد هالظلم». وكثرت المشاركات التي تحمل شعار الحملة «عاجل.. لا للجشع.. ما نبي استغلال وطمع».
مقاطعة إيجابية
ولم تتوقف مشاركات الشباب على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة على طلبات دعوات المقاطعة فقط، لكن البعض منها قدم البدائل، سواء للمتاجر والمطاعم التي رفعت أسعارها أو حتى لنوعيات الطعام والشراب، وكانت أطرف المشاركات تلك التي قدمت لمحبي القهوة بأنواعها المختلفة طرق صنعها «مثل المحلات»، وذلك لدفعهم أكثر نحو مقاطعة أحد محلات القهوة الشهيرة بعد رفع أسعاره، مؤكدة أن صناعة قهوة كالتي يقدمها أمر «ولا أسهل».
ويؤكد نشطاء الحملة أن دعوتهم للمقاطعة سوف تستمر حتى تعود المحلات عن خطوتها برفع الأسعار، وحملت التدوينات تحذيرات شديدة اللهجة «الكل يعتقد أن إحنا بننساهم يوم يومين وبنرجع ناخذ من عندهم مرة ثانية.
نفس مطعم (....) اللي لينْ الحينْ مب راضي ينزل أسعاره وأنا أتمنى
أن محد يروح له خل يخيس كل شيء عنده لكننا مستمرون». وأكد آخرون أنهم ماضون في حملتهم حتى تحقيق غرضها، مذكرين بنجاح حملات مقاطعة شهيرة في بلدان خليجية أخرى كالسعودية التي أجبرت إحدى شركات الألبان الكبرى على العودة عن قرارها بزيادة أسعار منتجاتها. كما انتقدوا بشدة عدم المشاركين في الحملة وغير المهتمين بها أصلا، أو المشاركين لفترة يتبعها فتور في المتابعة أو المقاطعة بشكل جاد.
رأي أستاذ خدمة اجتماعية
الدكتور عبدالناصر صالح أستاذ الخدمة الاجتماعية بجامعة قطر يرى أن حملة الشباب لمقاطعة المتاجر والجهات التي رفعت أسعارها بالتوازي مع الزيادة التي لحقت برواتب مواطني الدولة العاملين في القطاع الحكومي والعسكري، «كانت ردة فعل طبيعية لما حدث»، متوقعا أن تأتي بنتائج طيبة «لأن التاجر سوف يسعى لحماية تجارته»، موضحا أن التنظيم الجيد من قبل المستهلكين يمكنه أن يحمي مصالحهم هم كذلك».
وقال أستاذ الخدمة الاجتماعية أن التنسيق بين المستهلكين القائمين بحملات المقاطعة وأي من المؤسسات ذات النشاط الاجتماعي أو ذات الصلة بهذا الأمر، يمكنه أن يعطي الحملة زخما وثقة أكثر «إذا تعاونت المؤسسات ذات النشاط الاجتماعي مع الأفراد المستهلكين القائمين بحملات المقاطعة تلك، فسوف تكون الحملة محل ثقة كثر، وسينتج من هذا التنسيق مصداقية أقوى، لأنه إذا كانت هناك جهة تقف خلفهم وتدعمهم من خلال المعلومات الصحيحة وتمدهم بالثقافة التي يحتاجونها في حملتهم، فسيكون لها تأثير كبير وستدفع آخرين إلى المشاركة في الحملة وبالتالي تتوافر لها كل عوامل النجاح».