بدو العراق... عين على المدينة وأخرى على البادية

alarab
حول العالم 06 سبتمبر 2015 , 01:50ص
Almonitor
يعيش بين محافظتي بابل وواسط بدو عراقيون، يشكلون مثالاً لجماعة تركت حياة التنقل في البادية، واستقرت في قرى قريبة من المدن. وفي هذا السياق، قال الكاتب والباحث في أصول المجتمع العراقي قاسم لفتة لصحيفة المونيتور الأميركية: لم تعد هذه القبيلة تتنقل بكاملها من مكان إلى آخر، فقد اختارت الاستقرار. وإن هذا الخيار ليس غريباً.
وأشار إلى أن «أسلاف معظم طبقات المجتمع العراقي هم من البدو، وظل الكثير منهم متمسكاً بتقاليده، مثل الكرم والضيافة، والعلاقات الأسرية والعشائرية الوطيدة، رغم استقراره في المناطق الزراعية».
وسمى لفتة عدداً من العشائر العراقية ذات الأصول البدوية كعشيرة «السويد» من الجنوب الشرقي من الحلة، وعشيرة «البعيج» وهي من قبيلة «أعنزة» العدنانية، و»الحراكصة» في بابل والديوانية والنجف، وعشائر من قبيلة «شمر» استقرت تدريجياً في حوض الفرات الأوسط. وتحدث الشيخ علي الحردان من قبيلة «الحراكصة» في بابل لـ»المونيتور» عن حال قبيلته قبل نحو 50 عاماً فقال: «كنا في سبعينيات القرن الماضي وما قبلها لا نستقر في مكان، بل نتنقل حسب الفصول من السنة، نتبع الأمطار والعشب، هكذا هي حال الكثير من البدو. ولقد كان الكثير منهم يعبر الحدود العراقية مع الكويت والأردن والسعودية. أما اليوم فالكثير منا، فضل الاستقرار على حياة الترحال».
وشد «المونيتور» الرحال إلى مضارب قبيلة «الحراكصة» الواقعة على مسافة 30 كيلومتراً من مركز محافظة بابل أن الطريق غير معبدة، وانفتح أمامنا فضاء ممتد على صحراء شاسعة، تخللتها نباتات عشبية بفعل سقوط الأمطار. وكانت هناك شاحنة صغيرة محملة بالبضائع، أشار إليها علي الحردان قائلاً: «إنها لباعة متجولين يفدون إلى مناطق البدو لبيع سلعهم، كعبوات المياه، موفرين عليهم عناء التسوق من المدن».
ووضع الحردان يده في جيبه، وأخرج هاتفه الجوال، واتصل بشقيقه في مضارب البدو المتوغلة في الصحراء قائلاً: «تهيأ لاستقبال الضيوف، وجهز ما يلزم من الطعام والإقامة».
وعلق الحردان على هذا العرض الحداثوي مبتسماً: «حسناً، لم نعد بعيدين عن وسائل التواصل الحديثة، بل نحرص على اقتناء التلفاز وراديو، وحتى الحاسوب والكاميرات الرقمية».
وخلال تجوال المونيتور في المنطقة، شوهد راعي الأغنام أبوناصر، مرتدياً الملابس البدوية، وحاملاً عصاه التي يهش بها أربعين رأساً من الغنم كانت قد تفرقت على مسافات بعيدة، وقال لـ»المونيتور»: «لا أحمل أي أوراق رسمية، مثل بطاقة الأحوال المدنية، ولم أزر المدينة منذ نحو ثلاثين عاماً».
واعترف أبوناصر أن «الكثير من البدو يرفضون تسجيل أنفسهم في دوائر الأحوال المدنية، تهرباً من الواجبات الملقاة عليهم كالخدمة في الجيش».
وفي خيمة مصنوعة من شعر الماعز، وهي بمثابة بيت عائلة البدوي هذلان حمد، وتعد المسكن التقليدي في البادية، وهناك قدم هذلان لبن الإبل، متحدثاً عن محاسنه وفوائده قائلاً: «لن تجد أطيب وأكثر صحة من هذا المشروب في بيئة تصل فيها درجة الحرارة إلى نحو 55 درجة مئوية في فصل الصيف».
أما في الليل فأشعلت النار من الحطب الذي جمعته النساء من الصحراء، إذ يعد هذا من مهامهن الرئيسية، فضلاً عن مهنة الرعي وحلب الماشية وإعداد الطعام، وأغلبه من مشتقات الألبان.
وأثناء تحلقنا حول النار، كان اللهب ينعكس ويتراقص على وجوه الحاضرين، مما شجع مضيفي «المونيتور» على الحديث عن الأحوال الجديدة للبدو. وفي هذا المجال، قال البدوي رحيم حسين: «إن رعي الأغنام قد يكون المهنة الوحيدة المتبقية للبدو. لقد كانت أعداد الجمال التي تملكها هذه القبيلة تتجاوز الثلاثمائة، ولكن تقلص عددها إلى التسعين فقط».
وقال وفي وجهه انعكست ابتسامة لما يراه مفارقة: «لقد حلت سيارات البيك أغسطس كوسيلة نقل، بدلاً من الجمال».
لقد سعت الدولة العراقية على تعاقب الحكومات إلى مشاريع لتوطين البدو، ففي تسعينات القرن الماضي سعت السلطات إلى توطينهم في الصحراء الغربية بين مدينتي النجف وكربلاء (108 كم جنوب غربي بغداد)، فوزعت عليهم الأرض بالمجان، لكن المشروع باء بالفشل، بسبب تعود البدو على التنقل المستمر.
ويؤكد ذلك الشيخ الحردان بالقول: «نعم، لقد فشلت هذه مشاريع تماماً، لأن البدوي لا يستطيع الاستقرار في مكان واحد، كما أن الحاجة المادية دفعتهم إلى بيع تلك الأراضي لأن تهيئتها للزراعة يتطلب أموالاً طائلة، كما أن مشاريع التوطين افتقرت إلى توفير الخدمات من صحة وتعليم».