«انحراف حاد».. رواية تستدرج القارئ
إلى عالم التناقضات
منوعات
06 سبتمبر 2014 , 11:54ص
صدرت حديثاً للكاتب أشرف الخمايسي، رواية «انحراف حاد» عن الدار المصرية اللبنانية، وهي تحمل الرقم ثلاثة في مسيرته الروائية، وتأتي في سياق طرحه لفكرة الموت، ومدى قدرة الإنسان على دحره والانتصار عليه، مدفوعاً بغواية البقاء وفتنة الخلود.
تحرص الرواية على مراوغة قرائها من خلال تقاطعات الشخصيات التي تبدو بعيدة تماماً عن بعضها بعضاً، رغم أنها جميعاً ترتبط بخيوط الحياة، سواء تلك التي تنتمي إلى ماضٍ قريبٍ، أو حاضرٍ مُعاش؛ كما تستدرج الرواية القارئ إلى عالمٍ يعجُّ بالمتناقضات والانحرافات الحادة.
ويأتي ذلك عبر رحلة في سيارة «ميكروباص»، هي في حقيقة الأمر ليست سوى تجسيدٍ للدنيا بغرورها وتنوعها، وتشخيصٍ للحياة بأفراحها وأتراحها؛ ليصل راكبوها إلى نهاية الرحلة، حيث الموت المُتسرِّب إلى شرايين الحياة، أو الحياة التي تسير مذهولة في رِكاب الموت، وتقف حائرة أمام فتنة اقتناص الخلود.
وتدور أحداث «انحراف حاد» حول شخصية غامضة، لها فلسفتها الخاصة، وطريقتها الاستثنائية في الغواية، هذه الشخصية التي تأتي بالمعجزات الوهمية، وتنتقل عبر الزمان، وتراود أبطال الرواية – بمستوياتهم الاجتماعية والفكرية المتباينة– عن فكرة الخلود وقهر الموت، هي نفسها الشخصية التي تفتتح الأحداث، بعبارات وأسئلة توحي بدايةً بتخبطٍ وحيرةٍ وشكٍّ داخلي، عكس ما يظهر بعد ذلك من يقين عند مواجهة الآخرين والقبض على نقاط ضعفهم.
ويبدو حرص الكاتب على الإبهام، بداية من تقديم روايته بجملة مُقتضبة مفتوحة على التأويل: «أهديها لك»، هكذا، دون أن يحدد جنس المُهدى إليه/ إليها؛ إذ يتركها بلا تشكيل، والتشكيل هنا لا يُعد رفاهية لُغوية كما يعتبره بعض المُنهكين لغويّاً، وإنما هو أداة، أو مفتاح لمعرفة المُهدَى إليه، هل هو ذكر أم أنثى؟ حيث كان يتحتَّم في ظل الطرح العادي لفكرة تقليدية أن توضع فتحة –إليكَ- فنعرف أن الإهداء لذكر، أو كسرة –إليكِ- فنعرف أنه لأنثى.. لكنَّ الكاتب –فيما يبدو– تعمَّد ترك الإهداء مفتوحاً لإضفاء نوعٍ من الغموض الذي يشيع بعد ذلك في أركان العمل كافة، وكأنه يهيئ القارئ لما هو مُقبل عليه، وربما يؤكد هذا التوجُّه ما تلا الإهداء، من مفتتح، أو تصدير للعمل، جاء أكثر إبهاماً وغموضاً وقبولاً للتأويل: «مُغلق عليك، في حجرة ضيِّقة، مع شمعة وحيدة مضيئة. حتَّى هذا اللهب الضَّعيف، بعد وقتٍ، لا بد من أن يذبل وينطفئ، وسيُغرقك الظَّلام، بينما وراء الجدران ضوء باهر، تفيض به شمس منيرة أبداً. حطِّم الباب واخرج، وتنوَّر».