تزكية الأنفس أساس تكوين المجتمع والدولة المسلمة
باب الريان
06 أغسطس 2013 , 12:00ص
كتبها وراجعها: مجد مكي
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأزكى صلوات الله وتسليماته، على من أرسله ربُّه رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا، وأسوتنا وقائد دربنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه، الذين }آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ{ [الأعراف:157].
ورضي الله عمن دعا بدعوته، واهتدى بسنته، وجاهد جهاده إلى يوم الدين.
الدرس الثامن والعشرون
تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} من سورة التحريم.
تلونا أيها الإخوة والأخوات بالأمس الجزء الثامن والعشرين من هذا القرآن العظيم، وخَتَمنا بسورة (التحريم)، وفي سورة التحريم، نقف عند آية كريم، يخاطب الله فيها جماعة المؤمنين، فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}.
النداء الإلهي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}
هذا النداء الإلهي، والخطاب الرباني، هو من مبتكرات القرآن الكريم، لم يعرف العالم في شرقه ولا في غربه، ولا في عربه ولا في عجمه، هذا النداء من قبل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} وكان الناس يتنادون: يا عرب، يا عجم، يا أهل الفرس، يا أهل الترك، يا أهل الهند، يا بني عبدمناف، يا بني مُضر، ونحو ذلك. إنما أن يتخاطب الناس بنداء الإيمان، فهذا مما جاء به القرآن، فكان لأول مرة يقرع سمع البشريَّة هذا النداء، لا نداء لعرق، ولا لجنس، ولا للون، ولا لأهل إقليم، ولا لأهل طبقة، إنما نداء لأهل الإيمان: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}.
وإذا قيل {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، فهم معلومون، هم الذين آمنوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، وبالقرآن منهاجا، هؤلاء هم المؤمنون، فأصبح مصطلحا مفهوما معروفا، على من ينطبق هذا.
الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} لم ينزل إلا في المدينة
ولم تنزل هذه الصيغة إلا في القرآن المدني، بعد أن تكونت للإسلام جماعة مؤمنة، يصح أن يوجه إليها الخطاب.
فقد كان المسلمون في مكة أفرادا، وليس لهم جماعة ولا سلطان ولا كِيان، أما في المدينة فأصبحت لهم دولة، وأرض، وسلطان، وأصبحوا جماعة جديرين أن يُنادوا بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}.
ومن يتتبع الخطاب بـ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، في القرآن المدني، يجد الخطاب يتناول أشياء كثيرة: العبادات، والمعاملات، والحياة الدستورية، والحياة الجنائية، والحياة الاجتماعية، والسياسية، وكل أنواع التكاليف.
فالتكاليف التي تتعلق بالعبادة، مثل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
وبالتشريع الجنائي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى} [البقرة:178].
وبالتشريع المدني والتجاري: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران:130]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} [البقرة:282]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]. فكل أنواع التكاليف تضمنها الخطاب الرباني لجماعة المؤمنين.
تزكية النفس
ومن أنواع الخطاب الرباني: خطاب التزكية، تزكية الأنفس، لا ينبغي أن يضيع هذا، في إطار تكوين المجتمع، وتكوين الدولة المسلمة، ومجابهة الجبهات التي تعترض طريق الإسلام، الوثنية واليهودية، والنصرانية، والمجوسية، لا ينبغي أن يُغفل هذا الجانب لأنه هو الأساس، تربية النفوس المؤمنة، التي ترجو الله تعالى وتخافه.
فعلى أساس هذا الرجاء في رحمة الله، والخوف من عذاب الله، تتكون النفس الزكية، التي تتغيَّر فيتغير ما حولها، فقانون الله في الأرض أن الله لا يُغيِّر الأمم والأقوام، حتى يتغير الأفراد، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11]، فأساس التغيير الاجتماعي والسياسي، هو التغيير النفسي والأخلاقي عند الأفراد، غيِّر ما بنفسك يتغير التاريخ، ويتغير السياسة والاقتصاد، وكل شيء.
وأساس هذا التغيير هذه التربية والتوجيه الإلهي، ولذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}.
وهذا لا يتم إلا بأن تكون الآخرة نُصب أعين الناس، فلا يعيشوا في الدنيا وحدها، لا يعيشوا من أجل المال والولد والنساء، ومتاع الحياة، وشهوات الحياة الدنيا، فإنهم إذا عاشوا لهذه الشهوات وهذا المتاع انْتَهوا كمؤمنين، وإنما يجب أن تكون الآخرة نُصب الأعين.
قيمة الحياة الدنيا
قال لي أحد الناس: أنت بذلك تُقلل من شأن الدنيا، والتزهيد فيها يعني أن الدنيا ليس لها قيمة في الإسلام.
قلت له: لا! بل هذا يعني أن الدنيا لها قيمة كبرى، لأن قيمة الدنيا في أن تتخذها طريقا إلى الآخرة، الإسلام لا يمنعك أن تستمتع بالدنيا، ولم يحرم عليك طيباتها، {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]، ولكن الإسلام رضيَ لك أن تستمتع بها، ولكن لم يرضها لك غاية، هي وسيلة، ولذلك كان الصالحون يجعلون الدنيا في أيديهم، ولا يجعلونها في قلوبهم، يعيشون في الدنيا، ولا تعيش الدنيا فيهم.
فالدنيا لها قيمة كبيرة؛ لأنها الفرصة الوحيدة التي تُكوِّن بها رصيدك للآخرة، لا يوجد حياة أخرى، ولا عمر آخر، ولهذا كان عمرك له قيمة كبيرة جدا، ووقتك ثمين جدا، فلو كان الإنسان يعيش مرتين أو عمرين، لقال: أضيِّع عمرا وأعوضه في العمر الآخر؛ لكن للأسف لا يوجد عمر ثان، ولا فرصة أخرى.
متى يعرف الإنسان قيمة عمره؟
ولذلك لا يعرف الإنسان قيمة عمره، وقيمة دنياه، إلا ساعة الموت، فحين يأتيه الموت يقول: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ}، لو تتركني يا رب قليلا، يوما أو نصف يوم، ساعتين، ساعة، نصف ساعة، خمس دقائق، ولكن هيهات {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون:10-11]، {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِير} [فاطر:37].
لذلك كان من المهم، أن نضع الآخرة نصب أعيننا، ولا نجعل الدنيا أكبر همِّنا ولا مبلغ علمنا، كما قال الله تعالى لرسوله: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [النجم:29-30]، كل ما يعرفه، وكل همُّه، ومحور تفكيره، وجل اهتمامه، يدور على الحياة الدنيا.
ولاحظوا قول الله تعالى: {وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}، ليس المانع في أن تريد شيئا من الدنيا، إنما يجب أن تجعل الآخرة هي الأصل.
فالناس صنفان: من يريد العاجلة، ومن يريد الآخرة: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ} يعني لن يعطيه كل شيء، ولا كل أحد، وبعد ذلك: {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا* وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} [الإسراء:18-19]، المدار على الإرادة: إرادة الدنيا، وإرادة الآخرة، فماذا تريد؟ هل أنت من مريدي الآخرة؟ أم من مريدي الدنيا؟ أنت عبدالآخرة أم عبدالدنيا؟ حدد موقفك.
الرغبة في الجنة والرهبة من النار
لقد تحدثنا بالأمس عن رجاء الجنة، والتسابق إلى الجنة، وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد:21]، فسمعنا حثّ الله لعباده أن يرجوا الجنة، وها نحن اليوم نسمع تحذير الله من النار، وأمره لعباده أن يَقُوا أنفسهم وأهليهم من النار {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}، لتكن بين هذين الأمرين: الرغبة في الجنة، والرهبة من النار، ولذلك دائما نقول: اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار.. اللهم إني أسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول وعمل..
قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل: «كيف تقول في الصلاة؟» قال: أتَشَهَّد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حولها ندندن»، حول هذين ندندن: أن تنجو من النار، وأن تدخل الجنة، وبدون ذلك –والله- لن تنفعنا الأموال ولا الأولاد، فاجمع ما شئت من الأموال، وابن ما شئت من القصور، واجمع ما شئت من الملايين أو الملايير في البنوك، وكل هذا لن يغني عنك شيئا، فغمسة في النار تنسي كل هذا..
فضع الجنة أمامك، والنَّار أيضا، ولهذا قال: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} احْمِ نفسك وأهلك من النار، ابدأ أولا بنفسك ثم بمن تعول، احم نفسك من النار، ومن أسباب دخول النار، ومن موجبات النار، والنار معروفٌ أسبابها وما يؤدي إليها..
كان بعض السلف يقرِّب يده من المصباح، فتلسعه اللسعة، فيتذكر نار جهنم، ويقول:
جسمي على الشمس ليس يقوى
ولا على أهون الحرارة
فكيف أقوى على جحيم
وقودها الناس والحجارة
أنا لا أطيق هذه اللسعة، وهي من أهون الحرارة، فكيف أصبر على نار جهنم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ناركم جزء من سبعين جزءا من نار جهنم». يعني نار الدار الآخرة ضعف هذه النار –وهي في أشد ما تكون- وأشد منها 70 مرة. قيل: يا رسول الله إن كانت لكافية.
فيجب أن تتقي النار، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنذرتكم النار» فاحم نفسك من النار.
وصف النار في القرآن
وأوصاف النار في القرآن ترعب كل قلب حي، ففيها شجرة الزقوم، وما أدراك ما شجرة الزقوم: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ* طَعَامُ الْأَثِيمِ* كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ* كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان:43-46].
احم نفسك من النار، ومن شرابها وطعامها، {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا* إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا* جَزَاءً وِفَاقًا* إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا* وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا* وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا* فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا} [النبأ:24-30]، {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ* لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ} [الحاقة:36-37].
احم نفسك من النار، من طعامها، وشرابها، ومقامعها، {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوه} [30-32]. لا بد أن تذكر هذه النار.
وقد كان أكثر ما يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم، الدعاء القرآني: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201].
عذاب الخزي والذل في النار
والنار ليس فيها العذاب فقط، بل فيها الإخزاء والذل، {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [آل عمران:192]، لم يعد لهم أي قيمة، {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ} [الزخرف:77]، والله يقول لهم: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون:108]، ذل ما بعده ذل، ويكفي أنهم محجوبون عن ربهم: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ* ثم إنهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ* ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون} [المطففين:15-17].
في الجنة رضوان الله
والجنة ليست مجرد الطعام والشراب والحور العين ونحو هذه الأشياء، بل فيها رضوان الله عز وجل، {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة:72]، وفيها رؤية الله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس:26].
المؤمن مأمور أن يقيَ أهله النار
والإنسان لا يجوز له أن يحميَ نفسه من النار، ثم يترك أهله وأولاده تأكلهم النار، لا بد أن يكون بهم رحيما، وعليهم شفيقا، فيحميهم من النار. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَة}.
احم نفسك أولا، ثم احم أهلك، زوجتك، وأولادك، أبناءك وبناتك، احمهم جميعًا من النار، {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132]، لا يجوز أن تترك امرأتك لا تصلي، تترك أولادك لا يصلون، أنت مسؤول عنهم، «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر»، من أجل ماذا؟ من أجل أن تحميهم من النار.
تقصير الآباء في حق أولادهم
يظن بعض الآباء أنه لم يقصر في حق أولاده، لأنه أدخلهم أفضل المدارس، وصرف من أجلهم كثيرا من المال، وعلمهم أحسن التعليم، ووصلوا إلى أعلى المراتب في الدنيا، ويقول: ماذا أفعل لهم أكثر من ذلك؟!
إنك لم تحمهم من النار، لم تعلمهم الدين، لم تغرس في أنفسهم مخافة الله، لم تعلمهم هذا حلال وهذا حرام، لم تصحبهم معك إلى المسجد، لم تعلمهم حب الله ورسوله..
لا يكفي أن تصرف من أجلهم المال، أو تعطيهم كل ما يريدون.. فربما كنت بذلك مفسدا لهم ولأخلاقهم، ربما بتدليلهم، وترك الحبل على الغارب، تشجعهم على الفواحش.. ثم تقول: لم أقصر في حقهم!! لا! لقد قصَّرت كل التقصير، وأعطيتهم ما يعينهم على الفساد، لأن أبا العتاهية يقول:
إن الشباب والفراغ والجِدة
مفسدة للمرء أي مفسدة
والجدة: أي يجد كل ما يريد، وجدان المال، وهي تعني قدرة على أن يصرف ويشتري ويفعل كل ما يريد بماله..
صعوبة التربية في عصرنا
في عصرنا هذا، صارت التربية فيه شاقة وعسيرة؛ لأن الأب لم يعد يستطيع أن يتحكم في أولاده، ولا الأم في بناتها، بل أصبحت هناك أدوات أخرى تشاركك في تربية الأولاد وتوجيههم، وصار تأثيرها أكبر من تأثيرك.
صارت أدوات الإعلام تشارك في توجيه الأولاد، وتؤثر عليهم: التلفزيون، والفضائيات، والأفلام والمسلسلات، والصحافة والمجلات، والصور والإنترنت.. وهذه الأشياء كلها يمكن أن تأخذ أولادك منك وأنت لا تدري، ولذلك تحتاج إلى يقظة، وإلى أن تستعين بالله، وتقول: يا رب أعني على تربية أولادي. وتسعى لأن تجمع أولادك وتربطهم بأولاد صالحين، يذهبون مع بعضهم إلى المسجد، أو إلى الجمعيات الخيرية، يشتركون في حلقة إسلامية دراسية، يتعاونون مع أحد شيوخ الدين، وهكذا.. تحاول أن تربطهم بخيط من خيوط الخير وإلا فأنت مسؤول.
التعويد على الخير والتربية بالقدوة
لقد فسَّر سيدنا علي رضي الله عنه قوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} بقوله: علموهم الخير. يعني: علم ولدك الخير، حتى ينشأ عليه؛ لأن الخير عادة، والشر عادة، وقال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان منا
على ما كان عوَّده أبوه
فإن عوَّدت ابنك الخير، نشأ إن شاء الله على الخير، وإن عوَّدته على الشر، على الكذب، على المعصية، على شر الدخان، على المجالس الفاسدة، نشأ كما عودته. ولا يصح أن تكون أسوة سيئة، ثم تأمره بعكس ما تفعل، فالتربية بالأسوة أهم من الكلام، فحين تكون مدخنا، وتأتي كل يوم بالسجائر التي تصنعها أميركا هذه، تحمل إثمين: إثم التدخين، وإثم نفع الأميركان.. فحين يراك ابنك هكذا، ثم تحلف له بالأيمان المغلظة أن هذا التدخين مضر، وكذا.. إلخ، هل سيقبل منك؟! لا بد أن تكون قدوة له.
وقاية الأولاد من النار تبدأ من الصِّغر
ولا يجوز أن يهمل الأب تربية أولاده حتى يكبروا، ثم يأتي ويقول لابنه: يا بني صلِّ. لماذا لم تعلمه وهو صغير؟ انتهى الوقت ولم يعد ينفع الآن..
فاتقوا الله في أولادكم، في أبنائكم وبناتكم، احذروا أن يتفلَّتوا منكم ويضيعوا، هناك الآن شبكات تحاول أن تصطاد الشباب والأولاد خاصة أولاد الموسرين، خاصة أبناء الخليج، هناك سماسرة في بعض البلاد ينتظرون هؤلاء عند الطائرة، فتضيع صحتهم، ويصابون بالإيذز، ويضيع مالهم، ويضيع شبابهم، ويضيع دينهم وتضيع دنياهم، وهذا ناشئ من عدم الاهتمام الأول.
فعليك أيها الأب أن تهتم بأولادك، استعن بالله، وقل: يا رب أعنِّي على تربية أولادي، لأنه لا يعين على تربية الأولاد في هذا الزمن إلا الله، فاستعن بالله، ثم بالصالحين من إخوانك، على تربية أولادك وبناتك، عسى أن ينشؤوا من الصالحين ومن الصالحات، ولا يضيعوا في هذا الزمن، زمن السوء، زمن الفتن ما ظهر منها وما بطن..
نسأل الله تبارك وتعالى أن يتوب علينا توبة نصوحا، وأن يقِيَنا وأهلنا نارا وقودها الناس والحجارة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.