من مفاتيح تدبر القرآن الكريم التحزيب
باب الريان
06 أغسطس 2012 , 12:00ص
سعيد محمد عزيز الجناحي •
ما زلنا أحبتي القراء مع مفاتيح تدبر القرآن الكريم، والتي أرجو أن تكون عونا لنا جميعا على تدبره والانتفاع به، ومفتاحنا اليوم هو تحزيب القرآن الكريم.
والمقصود بالتحزيب تقسيمه إلى أجزاء والقيام به، مع الجهر والترتيل والتوقف والتكرار، بحيث يختمه القارئ في وقت قريب، فالقرآن غذاء الأرواح ودواء القلوب، ولكل من الغذاء والدواء مقدار معين، إذا زاد أو نقص لم ينتفع به، فمن ختم القرآن في أقل من ثلاث لم يعقله، ومن ختمه في أوقات متطاولة ضعف تأثره به، وقد فطن السلف رضوان الله عليهم إلى هذا المعنى فكانوا يحرصون على ختم القرآن في صلاة الليل في أوقات متقاربة، فمنهم من يختمه كل سبع, ومنهم من يختمه في أقل من ذلك، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرؤوه في سبع، ويحافظ الرجل على حزبه).
وقال النووي عن الختم في سبع: «فعل الأكثرين من السلف», وكان الإمام أحمد يختمه كل سبع. وقال السيوطي: «وهذا أوسط الأمور، وأحسنها، وهو فعل الأكثر من الصحابة وغيرهم».
وقد كانوا حريصين على وردهم بالليل أشد الحرص، وبلغ من حرصهم أنهم كانوا يقضونه بالنهار إذا فاتهم بالليل، لعلمهم بأهميته لصلاح قلوبهم وطهارة نفوسهم، وعملا بقوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)، ودونكم طرفا من أخبارهم:
فعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: «ما تركت حزب سورة من القرآن من ليلتها منذ قرأت القرآن».
وعن خيثمة قال: «انتهيت إليه -يعني عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما- وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا حزبي الذي أريد أن أقوم به الليلة».
وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: «كنا نأتي عائشة رضي الله عنها قبل صلاة الفجر، فأتيناها ذات يوم، فإذا هي تصلي، فقالت نمت عن حزبي في هذه الليلة فلم أكن لأدعه».
وعن عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: «كان أبي يقرأ في كل يوم سبعا، يختم في كل سبعة أيام، وكانت له ختمة في كل سبع ليال سوى صلاة النهار، وكان ساعة يصلي عشاء الآخرة ينام نومة خفيفة ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو».
والأفضل في التحزيب قراءة السور كاملة لا أن يقتصر القارئ على بعضها، اقتداء بحبيبنا عليه الصلاة والسلام، وحرصا على تمام المعنى، ولْتُدَرِّبْ نفسك أخي القارئ على تحزيب القرآن والصلاة به، مستعينا بالله، عاملا بقاعدة: «خير الأعمال أدومها وإن قل»، فابدأ بجزء (عم) مثلا، واقسمه على سبعة أيام، وصل كل يوم ببعض سوره، حتى تتمه آخر الأسبوع، وداوم على ذلك شهرا، فإذا اعتدته فأضف إليه جزء (تبارك)، وهكذا حتى يتيسر لك ختم القرآن، ولتحرص على القراءة حفظا، فإنها أقوى في رسوخ المعاني في القلب، فاجتهد في حفظ ما تيسر من كتاب الله تعالى، ليكون ربيع قلبك، وأنيسك في ليلك، ولا تنس أن تقرأه قراءة متدبر خاشع، فإذا تأثرت بآية فقف عندها، وكررها ليزداد تأثيرها، ورتل واجهر، واستحضر استماع ربك لقراءتك، وترقيك في درج الجنة، وادخل جنة الدنيا التي من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، جعلني الله وإياك من أهلها، إنه جواد كريم.